
ذاكرة الإمبراطورية المغربية تَنْسِفُ أطروحة إسبانيا
أكادير اليوم – غريب أمر بعض المؤرخين في إسبانيا هذه الأيام وغريبة هي تلك الأطروحة السطحية التي يلوكونها كلما ضاق بهم الخناق السياسي أطروحة تدعي ببساطة مدهشة أن التواجد الإسباني في سبتة ومليلية سابقٌ على نشوء الدولة المغربية بمفهومها الحديث وأن الثغرين خارج اتفاقية الحماية لسنة 1912 وبالتالي لا يندرجان تحت باب تصفية الاستعمار
والواقع أن المرء لا يملك أمام هذا المنطق المبتسَر إلا أن يبتسم بأسى ويتساءل:
عن أي إسبانيا يتحدث هؤلاء المؤرخون؟ وعن أي تاريخ يقرأون؟
إن العودة إلى المجلات والكتب وإلى وثائق التاريخ الحقيقي لا المزيف تخبرنا بأن إسبانيا كـ دولة موحدة لم يكن لها وجود أصلاً على خريطة الجغرافيا أو السياسة عندما كانت سبتة ناهضة شامخة كقلعة علم وسيادة مغربية كانت إسبانيا يومها مجرد شتات مفكك وثلاث ممالك كاثوليكية متصارعة : مملكةقشتالة.. وأراغون، وليون.
في ذلك الزمن تحديداً كانت هناك إمبراطورية مغربية عتيدة تبسط نفوذها وتدير شؤون المغرب والأندلس معاً انطلاقاً من فاس ومراكش وتلمسان
وعندما يقف وزير الأوقاف المغربي بين يدي أمير المؤمنين في ليلة المولد النبوي الشريف ليقرأ رسائل الدولة فإنه لا يلقي مواعظ منمقة بل يستدعي ذاكرة إمبراطورية حية لتنسف الأطروحة الإسبانية من جذورها…
إن استدعاء أعلام سبتة وفقهائها الكبار في ذلك المحفل المهيب لم يكن من قبيل الاستشهاد التاريخي العابر بل كان استدعاءً استراتيجياً لرموز طوقوا الثغور بعلمهم وجيوشهم يوم كانت ممالك أيبيريا تبحث عن كيان يجمعها.
القاضي عياض ابن سبتة البار وقاضيها الشامخ في العهد المرابطي لم يكن رجلاً يعيش في أطراف دولة بل كان قلب الإمبراطورية النابض في الشمال وتوفي في مراكش عاصمة المرابطين.
وأبو العباس العزفي السبتي الذي عاصر الدولة الموحدية العظمى لم يبتكر احتفالية المولد النبوي من فراغ بل ابتدعها كسلاح فكري وروحي وذاتي ليحمي سبتة من الذوبان أمام الضغوط المسيحية والممالك القشتالية المتاخمة.
ثم جاء الإمام الجزولي في العهد المريني ليكتب دلائل الخيرات في عمق سوس جنوباً.. فصارت صفحاته راية روحية تحمّلها السفن والمجاهدين المغاربة المرابطين على ثغور الشمال دفاعاً عن أرض الإسلام والسيادة
كيف يجرؤ مؤرخ على القول إن إسبانيا وُجدت في سبتة قبل الدولة المغربية بينما إسبانيا الموحدة لم تتشكل إلا بعد زواج إيزابيلا الأولى وفيرناندو الثاني وسقوط غرناطة عام 1492م ؟
كيف يسبق الجنينُ أمه؟ وكيف يدعي الوجودَ كيانٌ لم يكن قد ولد بعد.. أمام إمبراطوريات مرابطية وموحدية ومرينية حكمت الضفتين واضطلعت ببيعة شرعية عابرة للقرون؟
إن مفهوم الدولة الحديثة الذي يتحجج به البعض هو مفهوم حديث الطراز لكن روح الدولة ونَفَس الإمبراطورية وأمانة البيعة المعلقة في عنق أمير المؤمنين وسلاطين زمانهم كل أولئك أقدم وأبقى من كل الأطروحات والاتفاقيات الاستعمارية الظرفية.
لقد قررت بلدنا اليوم وبهدوئها الإمبراطوري الواثق أن تضع هذه الحقائق جهاراً فوق الطاولة لا تحتها. والرسالة الموجهة لمدريد ومؤرخيها صريحة ومباشرة :
إن شرعية التواجد المغربي في أراضيه وثغوره لا تُستمد من وثائق الحماية ولا من الحدود التي رسمها الاستعمار بل من عمق تاريخي وإمبراطوري كانت فيه سبتة قلعة مغربية شامخة في وقت لم تكن فيه إسبانيا سوى شتات ممالك تبحث عن ذاتها.
يوسف غريب كاتب صحفي
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News


