الاقتصاد

سوس ماسة في قلب استراتيجية المغرب لتعزيز الأمن المائي عبر تحلية مياه البحر

يتجه المغرب نحو إعادة تشكيل منظومته الوطنية للأمن المائي، من خلال تسريع وتيرة مشاريع تحلية مياه البحر، وتنويع مصادر التزود بالماء، إلى جانب تعزيز الربط بين الأحواض المائية، وذلك في مواجهة تداعيات توالي سنوات الجفاف وتغير المناخ والضغط المتزايد على الموارد الجوفية والسدود.

وتعكس هذه الدينامية توجهاً نحو بناء منظومة مائية أكثر مرونة واستدامة، تقوم على تعبئة موارد جديدة وربط مناطق الإنتاج بمراكز الاستهلاك، بما يضمن تأمين مياه الشرب ومياه السقي، ويحافظ في الوقت ذاته على استمرارية الأنشطة الاقتصادية، وفي مقدمتها القطاع الفلاحي.

سوس ماسة.. في صدارة مشاريع التحلية

وتبرز جهة سوس ماسة كأحد أبرز الأقطاب الوطنية في مجال تحلية مياه البحر، بالنظر إلى حجم المشاريع المبرمجة وحاجيات المنطقة المتزايدة من الموارد المائية.

وفي هذا السياق، أعلن وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، أحمد البواري، خلال لقاء تواصلي باشتوكة آيت باها، عن توجه نحو توسيع محطة تحلية مياه البحر بالمنطقة، بما سيرفع الكمية المخصصة للقطاع الفلاحي من حوالي 53 مليون متر مكعب إلى 100 مليون متر مكعب سنوياً.

وتكتسي هذه الخطوة أهمية خاصة بالنسبة إلى اشتوكة آيت باها، التي تعتمد بشكل متزايد على المياه المحلاة لتأمين حاجيات القطاع الفلاحي، في ظل الضغط المتواصل على الفرشة المائية. كما ساهمت المحطة الحالية في تأمين مياه السقي لنحو 15 ألف هكتار، إلى جانب المساهمة في تلبية حاجيات عدد من المناطق من مياه الشرب.

مشروع بطاقة 350 مليون متر مكعب سنوياً

ويأتي المشروع الموسع لتحلية مياه البحر بجهة سوس ماسة ضمن الأوراش المائية الكبرى المبرمجة خلال المرحلة المقبلة، بطاقة إجمالية تناهز 350 مليون متر مكعب سنوياً.

ومن المنتظر أن تخصص نحو 100 مليون متر مكعب لمياه الشرب، مقابل 250 مليون متر مكعب للقطاع الفلاحي، بما يعكس أهمية المشروع في دعم التوازن بين حاجيات السكان ومتطلبات النشاط الزراعي.

كما جرى إدماج حاجيات إقليم تيزنيت ضمن المشروع الموسع، عوض إنجاز محطة مستقلة، على أن يدخل المشروع حيز الخدمة في أفق سنة 2030. ومن شأن هذه المقاربة أن تتيح إنشاء منظومة مائية متكاملة تستفيد منها مناطق تيزنيت وتارودانت وسيدي إفني وشمال أكادير ومجالات ترابية أخرى، مع توجيه حصة مهمة من الإنتاج لدعم النشاط الفلاحي.

محطة موحدة لكلميم وطانطان

وفي الأقاليم الجنوبية، تتجه المملكة بدورها إلى اعتماد مقاربة تقوم على تجميع مشاريع التحلية، من خلال إنجاز محطة مشتركة لفائدة كلميم وطانطان، بدل إنجاز محطتين منفصلتين.

وستقام المنشأة على مستوى طانطان، بطاقة إنتاجية تقدر بنحو 100 مليون متر مكعب سنوياً، على أن تدخل الخدمة في أفق سنة 2030.

ومن المرتقب أن توجه حوالي 18 مليون متر مكعب سنوياً لمياه الشرب لفائدة كلميم وطانطان، فيما ستخصص 72 مليون متر مكعب للسقي، و10 ملايين متر مكعب للاستعمالات الصناعية.

ويعكس هذا التوجه رغبة في رفع مردودية الاستثمارات المائية، عبر إنشاء منشآت كبرى قادرة على خدمة أكثر من مجال ترابي وقطاع اقتصادي، مع إمكانية الاستفادة من الطاقات المتجددة للمساهمة في خفض كلفة إنتاج المياه وتعزيز الاستدامة.

الربط بين الأحواض.. إعادة توزيع الموارد

ولا تقتصر الاستراتيجية المغربية على تحلية مياه البحر، إذ تشمل أيضاً مواصلة مشاريع الربط بين الأحواض المائية، بهدف إعادة توزيع الموارد وفقاً لحجم الحاجيات والتفاوتات المسجلة بين المناطق.

وتتضمن المرحلة الثانية من مشروع الربط بين الأحواض وصل حوض أبي رقراق بحوض أم الربيع، وصولاً إلى سد المسيرة، في إطار البرنامج الوطني للتزويد بالماء الشروب ومياه السقي 2020-2027.

وتندرج هذه المشاريع ضمن رؤية تقوم على نقل المياه من المناطق التي تتوفر على موارد مائية أكبر نحو المناطق التي تواجه خصاصاً، بما يساهم في تحسين التوزيع المجالي للموارد وتقليص آثار التفاوت في التساقطات المطرية.

أكثر من 1.3 مليار متر مكعب من المياه المحلاة

وتأتي مشاريع سوس ماسة وكلميم وطانطان ضمن رؤية وطنية أوسع تجعل من تحلية مياه البحر أحد المكونات الأساسية لمنظومة الأمن المائي بالمغرب.

وبحسب المعطيات المرتبطة بمخطط تجهيز المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب للفترة 2026-2030، يرتقب أن تتجاوز القدرة الإنتاجية للمياه المحلاة المخصصة لمياه الشرب 1.3 مليار متر مكعب سنوياً عند نهاية البرنامج، بما سيمكن من تغطية حوالي 63 في المائة من حاجيات الماء الشروب، مقابل نحو 13 في المائة سنة 2025.

كما تستهدف المملكة تعبئة حوالي 1.7 مليار متر مكعب سنوياً من المياه المحلاة في أفق 2030، بما سيمكن من تأمين جزء مهم من حاجيات السكان والقطاع الفلاحي، وتقليص الارتهان للتساقطات المطرية.

وبالتوازي مع ذلك، تتجه المملكة إلى توسيع نطاق إعادة استعمال المياه العادمة المعالجة، مع استهداف رفع الكميات المعاد استخدامها إلى حوالي 100 مليون متر مكعب سنوياً بحلول 2030، مقابل نحو 52 مليون متر مكعب حالياً، مع طموح بعيد المدى للوصول إلى 300 مليون متر مكعب سنوياً.

نحو نموذج جديد للأمن المائي

وتكشف هذه المشاريع عن تحول واضح في السياسة المائية المغربية، حيث لم تعد تحلية مياه البحر مجرد إجراء ظرفي لمواجهة تداعيات الجفاف، بل أصبحت ركيزة استراتيجية لتنويع مصادر المياه وتعزيز الأمن المائي الوطني.

كما تبرز أهمية الربط بين إنتاج المياه وشبكات النقل والتوزيع ومنشآت الري، بما يسمح بتوجيه الموارد نحو المناطق الأكثر حاجة، وتقليص الضغط على الفرشات المائية والسدود، وضمان استمرارية الأنشطة الاقتصادية، خصوصاً في جهة سوس ماسة التي تواجه تحديات متزايدة بفعل ندرة المياه والتغيرات المناخية.

وبذلك، يراهن المغرب على بناء منظومة مائية متعددة المصادر، تجمع بين التحلية، والربط بين الأحواض، وإعادة استعمال المياه العادمة، وترشيد الاستهلاك، في مسار يستهدف تحويل تحدي ندرة المياه إلى ورش وطني طويل الأمد، وتعزيز قدرة المملكة على تأمين حاجياتها المائية في أفق السنوات المقبلة.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
situs toto dentoto dentoto