المجتمع

«إمغران الوثائقية».. عدسة شبابية تعيد إحياء الذاكرة وتكشف كنوز الجنوب الشرقي

من قلب جبال الأطلس، وبالتحديد من المجال الترابي لإقليم ورزازات، اختارت مجموعة من الشباب أن تحمل الكاميرا بدل أن تكتفي بمشاهدة التحولات التي تعرفها قراهم ومداشرهم. هكذا ولدت «إمغران الوثائقية»، مبادرة إعلامية رقمية تسعى إلى إعادة اكتشاف الذاكرة المحلية، وتوثيق تفاصيل الحياة اليومية، وإبراز ما تزخر به قبيلة إمغران من موروث ثقافي وإنساني ومعماري.

ولا تبدو «إمغران الوثائقية» مجرد قناة رقمية تبحث عن المشاهدات، بقدر ما تقدم نفسها باعتبارها مشروعاً توثيقياً نابعاً من أبناء المنطقة، يعرفون جغرافية المكان، وخصوصية المجتمع، ودلالات الأسماء والمصطلحات والعادات التي قد تبدو عادية في نظر العابر، لكنها تختزن بالنسبة إلى أهلها طبقات من التاريخ والذاكرة.

حين تصبح الكاميرا أداة لحفظ الذاكرة

ما يميز التجربة هو أن الكاميرا لا تقف عند حدود الصورة الجميلة، وإنما تحاول الاقتراب من الإنسان الذي يقف خلفها. فالحرف التقليدية، على سبيل المثال، تحضر باعتبارها جزءاً من منظومة ثقافية متكاملة، وليس مجرد مهنة آيلة إلى الاندثار.

وفي هذا السياق، خصصت «إمغران الوثائقية» أعمالاً ميدانية لتوثيق حرفة الصياغة التقليدية للفضة «تصياغت» بدوار إمزيلن، من خلال مرافقة أحد الصناع التقليديين ونقل تفاصيل اشتغاله، بدءاً من التعامل مع المادة الخام وصولاً إلى تشكيل القطع وتحويلها إلى حلي تحمل رموزاً ودلالات متوارثة.

وتكتسب هذه المقاربة أهميتها من كونها توثق أيضاً المعجم المحلي المرتبط بالحرفة، والأسماء الأمازيغية التي تحملها بعض القطع، مثل «التاكموت»، بما يجعل العمل الوثائقي جسراً بين الصناعة التقليدية واللغة والذاكرة الجماعية.

العمارة الطينية.. ذاكرة المكان في مواجهة النسيان

من الحرفة إلى العمارة، تواصل «إمغران الوثائقية» نبش طبقات الذاكرة المحلية، من خلال تسليط الضوء على تقنيات البناء التقليدي، وفي مقدمتها البناء بـ«التابوت»، أي التراب المدكوك.

«إمغران الوثائقية».. عدسة شبابية تعيد إحياء الذاكرة وتكشف كنوز الجنوب الشرقي - اكادير اليوم

فالمباني الطينية المنتشرة في عدد من مناطق الجنوب الشرقي ليست مجرد جدران صامتة، وإنما شواهد على خبرة عمرانية راكمها الإنسان المحلي عبر أجيال، واستطاع من خلالها التكيف مع المناخ والموارد المتاحة، وتطوير أنماط بناء تجمع بين الوظيفة والجمالية والانسجام مع البيئة.

ومن خلال توثيق هذه التقنيات، تفتح القناة سؤالاً أوسع حول علاقة الإنسان بالمجال، وحول ما يمكن أن تقدمه العمارة التقليدية اليوم في النقاش المتعلق بالاستدامة، وترشيد الموارد، وحماية الخصوصية المعمارية للمناطق القروية.

من الإعلام الرقمي إلى خدمة التراث

تتجاوز رهانات المبادرة مجرد إنتاج فيديوهات للنشر على المنصات الرقمية؛ إذ يبدو أن المشروع يراهن على تحويل الوسائط الحديثة إلى أدوات لحفظ الذاكرة وإتاحتها للأجيال الجديدة.

وتأتي في مقدمة هذه الرهانات عملية توثيق الذاكرة الشفهية، خصوصاً شهادات «المعلمين» والحرفيين وكبار السن، الذين يحملون في ذاكرتهم تفاصيل دقيقة عن المهن والعادات والتقاليد وأنماط العيش. وهي معارف معرضة للاختفاء مع رحيل حامليها إذا لم يتم تسجيلها وتوثيقها في الوقت المناسب.

كما تراهن التجربة على التعريف بالرصيد الطبيعي والثقافي للمنطقة، بما يمكن أن يسهم في تعزيز جاذبيتها السياحية والثقافية، وإخراج عدد من المواقع والقصص المحلية من دائرة التداول المحدود داخل المنطقة إلى فضاء أوسع على المستوى الوطني والدولي.

اللغة.. جزء من التوثيق

ولا تنفصل هذه التجربة عن سؤال اللغة، باعتبارها إحدى أهم حوامل الذاكرة. فاستحضار المصطلحات الأمازيغية المحلية داخل المحتوى الوثائقي يمنح المادة بعداً إضافياً، لأنها لا تنقل الصورة فقط، وإنما تحاول الحفاظ على الأسماء والمفاهيم كما تداولها أبناء المنطقة.

وهنا تبرز أهمية الموازنة بين اللغة التوثيقية الواضحة وبين المحافظة على المصطلح الأمازيغي المحلي، باعتباره جزءاً من هوية المكان وليس مجرد ترجمة لمفهوم آخر.

شباب يصورون ما قد يختفي غداً

في زمن أصبحت فيه الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي أدوات قادرة على صناعة محتوى يصل إلى جمهور واسع، تقدم «إمغران الوثائقية» نموذجاً لإعلام محلي يمكن أن ينطلق من إمكانات محدودة، لكنه يحمل مشروعاً واضحاً: أن يصور أبناء المنطقة منطقتهم بأعينهم، وأن يرووا قصصها بلغتهم ومن داخل سياقها الثقافي.

وتكمن قيمة هذا النوع من المبادرات في أنها تلتفت إلى التفاصيل الصغيرة؛ فالصانع التقليدي، والقرية، والقصبة، والحرفة، والمصطلح، والحكاية الشفهية، كلها تتحول أمام العدسة إلى مادة تستحق التوثيق.

وفي الجنوب الشرقي، حيث تتجاور الطبيعة القاسية مع غنى الذاكرة الإنسانية، قد تكون المعركة الحقيقية اليوم هي معركة الزمن: ماذا سيبقى من الحرف والعادات والأسماء والقصص بعد عقود من الآن؟

في هذا السياق، تحاول «إمغران الوثائقية» أن تقدم جواباً عملياً: أن تُلتقط الصورة قبل أن تختفي، وأن تُسجل الشهادة قبل أن تُنسى، وأن تتحول ذاكرة المكان إلى أرشيف مفتوح أمام الأجيال القادمة.

إنها، في نهاية المطاف، تجربة إعلامية شابة تجعل من الكاميرا وسيلة لاكتشاف الذات والمجال، ومن التكنولوجيا الحديثة جسراً نحو الذاكرة، ومن الجنوب الشرقي المغربي فضاءً مفتوحاً لحكايات لا تزال تنتظر من يرويها.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
situs toto dentoto dentoto