الرأيالمجتمع

حين يُودَّع المعلم بلغة التشطيب..

ليس ثمة ما يكشف جفاف الإدارة وتكلس فلسفتها البيروقراطية أكثر من تلك اللحظة التي يقف فيها رجل التعليم، بعد عقود طويلة أمضاها بين جدران الفصول وأمام السبورة ليستلم وثيقة رسمية تُعلن نهاية مساره المهني.

ليست المشكلة في التقاعد بحد ذاته؛ فالتقاعد محطة طبيعية واستراحة محارب في حياة كل موظف، لكن الألم المكتوم يكمن في«القاموس الذي تصر الإدارة على استدعائه وهي تُسطر هذا الفصل الأخير من حياة المربي… لغة باردة صلبة تتستر خلف صرامة النصوص القانونية لكنها تفتقر إلى أدنى شحنة اعتراف بالإنسان الصامت الذي يقف خلف الرقم المالي والمستوى الوظيفي والملف الإداري.

قبل يومين وأنا أتأمل قرار تقاعد أحد الزملاء استوقفتني عبارة طالما ترددت في الأدبيات الإدارية:
(تقرر التشطيب على اسمكم من أطر…)

قرأنا هذه الجملة عشرات المرات وربما مررنا عليها مراراً كما نمر على أرقام وآجال في الوثائق الرسمية. لكن ماذا لو استوقفتنا هذه الكلمة قليلاً تحت مجهر النقد الإنساني؟
ماذا يعني أن يُخاطَب رجلٌ قضى ثلاثين أو أربعين سنة في خدمة المدرسة العمومية وبناء عقول الجيل بعبارة مثل التشطيب

ألا تحمل الكلمة في عمقها اللغوي والنفسي معاني المحو والإلغاء والتخلص الميكانيكي من شيء استُهلك وانتهت صلاحيته؟

أليس غريباً أن تنتهي مسيرة عقود من العطاء الإنساني بسحبة قلم تجعل نهاية الرحلة تبدو كأنها حذف اسم من سجل…لا وداع إنسان وضع لبنات في ذاكرة الوطن؟

قد يخرج علينا حراس النص القانوني ليقولوا إن (التشطيب) مصطلح تقني دقيق تنص عليه المراسيم والمساطر المنظمة للوظيفة العمومية..ونحن لا نختلف معهم في حاجتنا للضبط التنظيمي لكننا نذكرهم بأن اللغة ليست معفاة من الحس الإنساني.

فالإدارة في جوهرها لا تتعامل مع فراغات في سجلات صماء بل مع مواطنين أفنوا زهرة أعمارهم في خدمة مؤسساتها الميدانية.

وهنا تكمن المسألة الحقيقية.
ليس المطلوب إلغاء المصطلحات القانونية ولا تعويض الصرامة بإنشائيات فضفاضة…
فقط أن تدرك الإدارة العصرية أن الوثيقة الرسمية يمكن أن تكون دقيقة ومحترمة في الوقت نفسه.
كان بإمكان القرار أن يحتفظ بصرامته التقنية وأن يُذيَّل بسطر واحد ينبض بالعرفان جملة بسيطة من قبيل :
( وبهذه المناسبة، تعرب الإدارة لكم عن صادق تشكراتها وتقديرها للخدمات الجليلة التي قدمتموها طوال مساركم المهني .)

أهي جملة مستحيلة؟
وهل تحتاج إلى تكلفة أو ميزانية..
إن رجل التعليم تحديداً هو آخر من ينبغي أن تكون لغة وداعه جافة إلى هذا الحد. فهذا الذي قضى حياته يشرح للناشئة قيمة الكلمة ومعنى الإنسان وأهمية الاعتراف بالآخر يستحق في يومه الأخير لغة تليق بالقيمة التي جسدها طوال عقود.

إن إصلاح الإدارة وتحديثها لا يكتفيان برقمنة المساطر وتسريع معالجة الملفات بلد وأيضاً من أنسنة لغة الإدارة وتطوير الطريقة التي تُخاطب بها المواطن سواء كانت تمنحه حقاً أو تُنهي مساراً أو تشكره على خدمة.

أما المعلم خاصة فهو مستمر في ذاك الأثر الذي يتركه في عقول الأجيال وفي وجدان المدرسة كذاكرة حية ممتدة في الإنسان والزمان

فقد آن الأوان لاستبدال جفاف التلخيص بكرامة الاعتراف فالوداع الذي يليق بمن علّم الناس معنى الكلمة لا يُكتب بـ التشطيب…

بل تختصره الكلمة الأولى والأخيرة :
شكراً… ولكم منّا كل كبرياء الإعتراف

يوسف غريب كاتب صحفي

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
situs toto dentoto dentoto