العالم اليوم

معجزة فاطما البرتغالية وحدود سبتة المحتلة

  • الحسين أكناو //

أكادير اليوم – من المغالطات التي يقع فيها بعض الناس، خاصة غير المحصنين فكريا، أنهم يعتقدون بأن الفكرة إنما تستمد قوتها من عدد المؤمنين بها. بالنسبة لهؤلاء الأمة لا تجتمع أبدا على ضلالة، والمعلومة التي يتناولها ويتناقلها الجميع هي حقيقة ثابتة لا تحتاج إلى استدلال. يتحركون بناء على قناعة الجماعة ويتخذون قراراتهم على ضوءها دون تحقق.

في سنة 1917، أعلن ثلاثة أطفال عن ظهور سيدة نورانية في قرية فاطما في البرتغال، ووعدوا بحدوث معجزة.

انتشرت القصة عبر الدعاية والتناقل بين الناس، فأصبحت فاطما مقصدا لآلاف الأشخاص من مناطق مختلفة. وفي 13 من أكتوبر، نزح حوالي 70 ألف شخص إلى المكان انتظارا للمعجزة الموعودة، وسط الحشد أفاد كثيرون برؤية الشمس تتحرك وتتراقص وتتغير ألوانها، فتحولت الرواية إلى اعتقاد جماعي واسع، إلى درجة أن كاتبين فرنسيين أورداها مؤخرا في كتاب علمي بعنوان “الله- العلم- البراهين” كدليل على وجود خالق للكون.

وفي أواخر يونيو الماضي، وحسب مصادر رسمية وإعلامية وشهادات العابرين، انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي دعوات ومعلومات مضللة تزعم كون الحدود مفتوحة والفرصة سانحة للعبور الجماعي نحو مدينة سبتة المحتلة.

انتشرت المعلومة بسرعة فتحرك، حسب المصادر الإسبانية، حوالي 70 ألف شخص من مختلف الأعمار إلى الحدود خلال أقل من ثمانية وأربعين ساعة، وحدثت مآسي إنسانية وأزمة سياسية مازالت تداعياتها مستمرة حتى هذه اللحظة.

تبرز الواقعتان كيف يمكن للدعاية والمعلومة المضللة، عندما تلتقي بالفكر الخرافي، وقلة الوعي، والأمل، والظروف الاجتماعية الصعبة، أن تحرك عشرات الآلاف في وقت قصير، فالجموع النازحة بحثا عن الخلاص المعنوي في البرتغال، والخلاص المادي في المغرب، صدقت رواية غير متحقق منها لمجرد انتشارها، فتحول اعتقادها إلى سلوك جماعي، لأن التفكير الفردي المستنير ينحسر أمام الحشود العاشقة للتجمهر.

قد تكشف واقعة سبتة عن اختلالات عدة على المستوى الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والحقوقي تتحمل مسؤوليتها أطراف متعددة بما فيها المشاركين في هذا النزوح المسبوق كيفا والأول من نوعه كما.

إلا أن من أهم ما تبرزه هو حاجتنا جميعا إلى التربية على الحس النقدي القائم على التثبت من صحة المعلومات والادعاءات، والتحقق من مدى مصداقية مصادر الأخبار، ونوعية الحجج والدلائل التي تقوم عليها، حتى يتسنى لنا القيام بالاختيارات واتخاذ القرارات على نحو مستنير ومدروس.

اليوم، وبعد أكثر من قرن على أحداث 1917، أصبحت قرية – مدينة فاطما البرتغالية واحدا من أكبر مراكز الحج الكاثوليكي في العالم، وتحولت معجزة الشمس إلى مؤسسة دينية وسياحية وحجا جماعيا مستمرا لموقع الظهورات.

مما يجعلنا نتساءل في مشروعية آملة: كم يلزم من الوقت لتتحول مدينة سبتة المحتلة إلى محج ووجهة للسياح الإسبان، يزورون كنائسها ومقابرها ودروبها، يستحضرون أيامهم فيها ويستنطقون مآثرها، تماما كما يفعل المسلمون اليوم كلما مروا على بلاد الأندلس؟

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
situs toto dentoto dentoto