
رحيل عبد الرحمان لخصاصي.. باحثٌ مغربي كرّس مساره لفهم الأمازيغية والذاكرة
أكادير اليوم – فقد المشهد الأكاديمي والثقافي المغربي أحد أبرز الباحثين الذين انشغلوا، على امتداد عقود، بدراسة المجتمع والثقافة والذاكرة، برحيل الأكاديمي عبد الرحمان لخصاصي، الذي ترك بصمة واضحة في مجال الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية، وفي البحث في الأدب والشعر والثقافة الأمازيغية.
واختار الراحل، خلال مساره العلمي، الاشتغال على أسئلة الإنسان والمجتمع والهوية، من خلال مقاربة تجمع بين البحث الأنثروبولوجي والتاريخي والثقافي، مع اهتمام خاص بالمجتمع الأمازيغي وتراثه المادي واللامادي، وبالأشكال التي تتقاطع فيها الذاكرة الشفوية مع الثقافة المكتوبة.
ومن أبرز الأعمال التي ارتبطت باسم عبد الرحمان لخصاصي، الكتاب المشترك الذي أنجزه رفقة المؤرخ عبد الأحد السبتي بعنوان «من الشاي إلى الأتاي: العادة والتاريخ»، الصادر عن منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، والذي شكل دراسة لافتة حول الشاي باعتباره مدخلاً لفهم تحولات المجتمع المغربي، وليس مجرد عادة غذائية.
فمن خلال تاريخ الشاي، انفتح الباحثان على قضايا الدولة والمجتمع والمجال، وأنماط التبادل والتغذية والذوق، وفضاءات المعاشرة، والعلاقات بين الرجال والنساء، فضلاً عن أثر الحضور الاستعماري الأوروبي وتفاعل المجتمع المغربي مع مظاهر الجديد والدخيل.
كما اشتغل لخصاصي، إلى جانب عالم الاجتماع والسياسة محمد الطوزي، على موضوع «قبائل المغرب»، في محاولة لتجاوز الصور النمطية حول المجتمع التقليدي، ورصد بنياته الاجتماعية وتراتبياته وعلاقته بالسلطة المركزية، فضلاً عن تأثير الاحتلال الأجنبي والعلاقات الاقتصادية داخل المجال القبلي.
وفي مجال الثقافة الأمازيغية، شكلت أبحاث الراحل مساهمة مهمة في دراسة الأدب والشعر والذاكرة الشعبية. كما اشتغل رفقة الأنثروبولوجي الراحل كينيث بروان على تقاطعات الشعر والتاريخ والمجتمع، انطلاقاً من واقعة تاريخية قبلية بمنطقة سوس خلال القرن التاسع عشر، مستفيدين من العلاقة بين الأدب الأمازيغي المكتوب والتراث الشفهي.
ولم تقتصر اهتمامات عبد الرحمان لخصاصي على الأنثروبولوجيا بالمعنى الضيق، بل امتدت إلى الأدب والشعر والسينما والمسرح، والأساطير والعقائد في الفكر الشعبي الأمازيغي، والأغنية الشعبية، إضافة إلى دراسة صورة المرأة في بعض الكتابات الفقهية الأمازيغية.
وفي شهادة مؤثرة حول الراحل، قال المؤرخ وعضو أكاديمية المملكة المغربية عبد الأحد السبتي إن لخصاصي درس في الجامعة الأمريكية ببيروت، واشتغل على فكر ابن خلدون، قبل أن ينتقل إلى الدراسات الأنثروبولوجية للمجتمع القبلي، مع اهتمام خاص بالأدب والشعر الأمازيغيين.
وأوضح السبتي أن تعارفهما يعود إلى بداية التسعينيات، وأنهما اشتغلا لسنوات على كتابهما المشترك حول تاريخ الشاي، مؤكداً أن منطلقاً أساسياً جمع بينهما تمثل في الاهتمام بالتفاعل بين الثقافة الشفوية والثقافة العالمة.
وأشار السبتي أيضاً إلى أن الراحل كان يشتغل على عمل جديد حول الشاعر السوسي المعروف الحاج بلعيد، وهو مشروع أخذ منه وقتاً وجهداً كبيرين، بما يعكس استمرار انشغاله بالتراث الشعري والذاكرة الأمازيغية حتى سنواته الأخيرة.
من جهته، استحضر عبد اللطيف أعمو، العضو السابق بالمجلس الأعلى للتعليم، علاقته القديمة بالراحل، مشيراً إلى أن صداقتهما تعود إلى سنوات الدراسة والشباب، وواصفاً لخصاصي بأنه كان منذ بداياته صاحب عقل متسائل وشغف أصيل بالمعرفة.
وأضاف أعمو أن المسار العلمي للراحل انفتح على الفكر والحضارة الإسلامية والأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية، قبل أن يتبلور اهتمامه بصورة خاصة بالثقافة والأدب الأمازيغيين، مؤكداً أن هذا الاهتمام لم يكن عابراً، وإنما كان جزءاً من مشروع فكري وعلمي أوسع لفهم الإنسان في سياقه الثقافي والاجتماعي.
برحيل عبد الرحمان لخصاصي، يفقد المغرب باحثاً جامعياً ومثقفاً انشغل بأسئلة المجتمع والهوية والذاكرة والتراث، وراكم أعمالاً ساهمت في توسيع مساحة البحث العلمي حول الثقافة الأمازيغية، وربطت بين الأنثروبولوجيا والتاريخ والأدب.
وإذا كان رحيله يغلق مساراً أكاديمياً حافلاً، فإن أسئلته وأبحاثه تظل مفتوحة أمام أجيال جديدة من الباحثين، خصوصاً في زمن أصبحت فيه إعادة قراءة الذاكرة المحلية والتراث الأمازيغي ضرورة علمية وثقافية لفهم تعدد روافد الشخصية المغربية وتحولاتها.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



