المجتمع

بورتريه تاوسنا: عبد الله مبين.. من سوس إلى خريبكة إلى جينفيلييه.. مسار حافل بالعمل النقابي والرياضة والمسرح

أكادير اليوم – في شهادة إنسانية غنية بالتجارب والذكريات، استعاد عبد الله مبين محطات بارزة من مساره بين المغرب وفرنسا، مسار امتد لعقود وجمع بين الهجرة والعمل والنضال النقابي والعمل الجمعوي والرياضة والإعلام والمسرح، مع تشبث دائم بالهوية والذاكرة المغربية والأمازيغية.

وخلال حديثه مع خالد ألعيوض بمركز تاوسنا للدراسات والأبحاث بمناسبة الدورة السابعة لليوم الوطني للمهاجر حول موضوع الهجرة والفن ، عاد عبد الله مبين إلى بداياته بمدينة خريبكة، حيث عاش طفولته وشبابه، وتشبع بحب كرة القدم والرياضة والحياة الاجتماعية، قبل أن يغادر المغرب في سن الثامنة عشرة نحو فرنسا، لتبدأ مرحلة جديدة ستغير مسار حياته.

من خريبكة إلى فرنسا.. بداية الوعي النقابي

شكلت تجربة العمل في فرنسا، ولا سيما داخل شركة سيتروين بجينفيلييه، منعطفاً أساسياً في حياة عبد الله مبين. فقد احتك منذ سنواته الأولى بواقع العمال المهاجرين، ولاحظ ما وصفه بالفوارق في المعاملة والظروف التي كان يعيشها عدد من العمال القادمين من مختلف مناطق المغرب.
هذه التجربة، حسب شهادته، ساهمت في ترسيخ قناعته بأن الدفاع عن الحقوق يمر عبر التنظيم والعمل النقابي والتضامن بين العمال.

ويستحضر مبين في هذا السياق تأثير والده، الذي كان بدوره قريباً من العمل النقابي، مؤكداً أن تلك المرحلة ساهمت في تشكيل وعيه ودفعته إلى الانخراط في النضال من أجل حقوق العمال والمهاجرين.

جمعية العمال المغاربة في فرنسا.. محطة أساسية
كان انخراط عبد الله مبين في جمعية العمال المغاربة في فرنسا (ATMF) من أبرز محطات مساره الجمعوي.

ويتذكر ظروف تأسيس الجمعية بمدينة جينفيلييه في بداية ثمانينيات القرن الماضي، بمشاركة عدد من النقابيين والمناضلين، قبل أن تتوسع التجربة وتنتشر فروع الجمعية في عدد من المدن الفرنسية.

ويؤكد مبين أن الجمعية شكلت فضاءً للدفاع عن قضايا المهاجرين، وتنظيم التحركات، ومواكبة العمال في مختلف الملفات الاجتماعية والنقابية، إلى جانب المساهمة في مساعدة أفراد الجالية المغربية في عدد من المدن الفرنسية.
كما تحدث عن تجربة إنشاء خدمات للمساعدة الاجتماعية، ضمت محامين وموظفين اجتماعيين ومفتشي شغل، بهدف تقديم الدعم والتوجيه للعمال والدفاع عن حقوقهم.

كرة القدم.. شغف تحول إلى تجربة جماعية

إلى جانب النضال النقابي والجمعوي، ظلت كرة القدم حاضرة بقوة في حياة عبد الله مبين.

فقد شارك في فريق جمعية العمال المغاربة في فرنسا، الذي تمكن من استقطاب عدد من اللاعبين الشباب والمنافسة في بطولة منطقة باريس.

كما استعاد إحدى المباريات التي جمعته بفريق من قوات الدرك الفرنسي، حيث تولى مهمة التحكيم، وانتهت المباراة بفوز فريق جمعية العمال المغاربة بهدفين مقابل هدف واحد.

ومن الطرائف التي بقيت راسخة في ذاكرته أن قائد الفريق المنافس كشف له بعد المباراة أنه مغربي الأصل، وهو ما أضفى على الواقعة طابعاً إنسانياً خاصاً.

من النضال النقابي إلى عالم الإذاعة

لم يتوقف نشاط عبد الله مبين عند العمل الجمعوي والنقابي، بل امتد إلى المجال الإعلامي، حيث شارك في تجربة الإذاعات الحرة بمنطقة باريس.

وكان من بين منشطي إحدى هذه التجارب الإذاعية، حيث اهتم بالبرامج الرياضية والإهداءات، وكان حاضراً في السهرات والملاعب والأنشطة التي تنظمها الجالية.

ويستحضر مبين تلك المرحلة باعتبارها فترة مهمة من تاريخ الإعلام المحلي في فرنسا، قبل أن تتراجع تجربة الإذاعات الحرة مع التحولات التي عرفها قطاع الإعلام وظهور وسائل الإعلام الرقمية والويب.

المسرح.. حين تتحول ذاكرة المهاجر إلى حكاية فنية
من أكثر المحطات تميزاً في مسار عبد الله مبين تجربته المسرحية، التي أتاحت له ولعدد من المهاجرين تحويل قصصهم الشخصية إلى عمل فني.

ويحكي أن التجربة جمعت حوالي أربعين شخصاً، حيث كان كل مشارك يستعيد تفاصيل حياته، بما فيها لحظات النجاح والصعوبات والتحديات التي عاشها في المغرب وفرنسا.

أما مبين، فقد جسد شخصية مهاجر يبحث عن والده في فرنسا، مستعيداً تفاصيل الانتظار والحنين والأسرة والهجرة.

وتم تقديم العمل في 12 عرضاً مسرحياً أمام جمهور كبير، قبل أن يلفت اهتمام مخرج ياباني، الذي أبدى رغبته في نقل التجربة إلى اليابان.

وكان من المنتظر أن يسافر أعضاء الفريق، الذين بلغ عددهم حوالي 22 شخصاً، إلى اليابان، غير أن جائحة كورونا حالت دون تنفيذ المشروع.

ورغم ذلك، استمر التواصل بين عبد الله مبين والمخرج الياباني، الذي زار لاحقاً مدينة أكادير وأقام فيها حوالي ثلاثة أسابيع، في تجربة تعكس قدرة الفن على بناء جسور التواصل بين الثقافات.

الهوية والذاكرة.. المغرب حاضر في المهجر

رغم العقود الطويلة التي قضاها عبد الله مبين في فرنسا، يؤكد أن علاقته بالمغرب وثقافته لم تنقطع.

ويستحضر في حديثه “أجماك” و”أهوايس” والمناسبات الاجتماعية، باعتبارها جزءاً من ذاكرته وهويته، مؤكداً أن هذه التقاليد ظلت حاضرة في حياته أينما حل وارتحل.
كما تحدث بتأثر عن سنواته الأولى في خريبكة، وعن والده وعائلته والرياضة ودار الشباب، وهي تفاصيل يقول إنها ظلت محفورة في ذاكرته رغم مرور عقود.

عبد الله مبين.. ذاكرة جيل من المهاجرين

تكشف شهادة عبد الله مبين عن مسار يتجاوز تجربة فرد واحد، ليعكس جانباً من ذاكرة جيل كامل من المغاربة الذين هاجروا إلى فرنسا، ووجدوا أنفسهم أمام تحديات جديدة، قبل أن يتحولوا إلى فاعلين في المجتمع، ومدافعين عن حقوق العمال والمهاجرين.

ومن خريبكة إلى جينفيلييه، ومن المصنع إلى النقابة، ومن الملاعب إلى الإذاعة، وصولاً إلى خشبة المسرح، ظل عبد الله مبين حاملاً معه ذاكرته المغربية والأمازيغية، ومؤمناً بأن النضال والعمل الجماعي والثقافة يمكن أن تكون أدوات لبناء الكرامة والتضامن.

إنها حكاية مهاجر لم يترك وراءه وطنه وذكرياته، بل حملهما معه إلى الضفة الأخرى، وحوّل جزءاً من تجربته الشخصية إلى ذاكرة جماعية تستحق أن تُروى.:::

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
situs toto dentoto dentoto