المجتمع

بورتريه تاوسنا: الأخوين «BinoBin».. من دراسة العلوم الحقة في المهجر إلى مشروع موسيقي كجسر للثقافات

أكادير اليوم –  في إطار جلسة تشاركية خصصت للاستماع إلى تجارب المهاجرين واستحضار قصصهم ومساراتهم، برزت تجربة شقيقين مغربيين اختارا أن يجعلا من الموسيقى والثقافة جسراً بين المغرب وفرنسا، ومن تجربتهما في الهجرة منطلقاً لبناء مشروع فني يحمل اسم «BinoBin».

المشروع لا يقتصر على الموسيقى باعتبارها ممارسة فنية، بل يقدم تصوراً أوسع للهوية والهجرة والتبادل الثقافي، مستنداً إلى مزيج من التراث المغربي والأمازيغي والإيقاعات الإفريقية والموسيقى العالمية.

«BinoBin».. اسم يحكي قصة الهوية

خلال اللقاء، أوضح بدر أن اختيار اسم «BinoBin» لم يكن قراراً اعتباطياً، بل جاء بعد مرحلة من التفكير في إيجاد اسم يعكس هوية المشروع وتجربة صاحبيه.

وبحسب بدر، فقد انطلقت الفكرة من ارتباطهما بمدينة أكادير، وتحديداً بحي «لا بينوبين»، قبل أن يتحول الاسم إلى دلالة أوسع تعكس وجودهما بين ثقافتين وفضاءين مختلفين.

فالاسم، كما تم تقديمه خلال الجلسة، يجمع بين الانتماء إلى المكان الأصلي، وبين واقع العيش بين ثقافتين، ليصبح «BinoBin» تعبيراً عن هوية مزدوجة ومتعددة الأبعاد، دون أن تكون محصورة في جغرافيا واحدة.

من العلوم إلى الموسيقى.. قرار اتخذته الشغف

قصة الشقيقين تكتسي خصوصية أكبر بالنظر إلى مسارهما الدراسي والأكاديمي. فقد حصلا على شهادة البكالوريا في شعب علمية، قبل أن يواصلا دراستهما الجامعية، وينتقلا لاحقاً إلى فرنسا لاستكمال مسارهما الأكاديمي.

غير أن الموسيقى كانت حاضرة في حياتهما منذ الطفولة.

وأوضح عدنان أن علاقته بالموسيقى تعود إلى سنوات الدراسة الابتدائية بمدينة أكادير، حيث كان يتردد على المعهد الموسيقي، قبل أن يتجه بعد ذلك إلى الدراسة العلمية والرياضيات، وصولاً إلى التعليم العالي ثم الدراسات العليا في فرنسا، حيث حصل على الدكتوراه، بينما تابع شقيقه مساره الأكاديمي وحصل على DESS.

وبعد سنوات من الدراسة والبحث العلمي، وجد الشقيقان نفسيهما أمام سؤال مفصلي: الاستمرار في المسار الأكاديمي والبحث العلمي، أم العودة إلى الشغف القديم، أي الموسيقى؟

وكان القرار، كما يقول عدنان، مرتبطاً بقناعة مفادها أن «الحياة كتعاش مرة وحدة»، وهو ما دفعهما إلى اختيار الموسيقى، لكن وفق رؤية جديدة تتجاوز إنتاج الأغاني والألحان إلى بناء مشروع موسيقي متكامل.

الموسيقى كامتداد للهوية

لم يكن الهدف من العودة إلى الموسيقى مجرد تغيير المسار المهني، بل البحث عن وسيلة للتعبير عن هوية متعددة تشكلت عبر تجارب مختلفة.

ويقوم مشروع «BinoBin» على مزج عناصر من التراث المغربي والأمازيغي مع الإيقاعات الإفريقية والموسيقى العالمية، في محاولة لبناء لغة فنية تعكس تنوع التجربة الشخصية والثقافية للشقيقين.

ويؤكد بدر أن تجربة العيش في فرنسا جعلتهما يكتشفان أيضاً اختلافاً في طريقة النظر إلى الهوية والمهاجرين، مشيراً إلى أن الآخر قد ينظر إليهما باعتبارهما «مهاجرين»، بينما يريان نفسيهما في بعض السياقات باعتبارهما «مغتربين».

هذا الاختلاف في التوصيف، بالنسبة إليهما، فتح الباب أمام أسئلة أكبر حول الهوية والانتماء ودور الثقافة في بناء جسور التواصل.

من الهجرة إلى العمل الثقافي

لم تتوقف تجربة الشقيقين عند حدود الإنتاج الموسيقي، إذ انخرطا في العمل الثقافي داخل عدد من الأحياء الشعبية في فرنسا، المعروفة ضمن منظومة «Les quartiers politique de la ville».

ومن خلال هذا الانخراط، وجدا نفسيهما في موقع يسمح لهما بالتعريف بثقافتهما والتواصل مع فنانين وفاعلين من خلفيات مختلفة، خصوصاً من إفريقيا جنوب الصحراء.

وتحولت التجربة تدريجياً من ممارسة فنية إلى نوع من الدبلوماسية الثقافية غير الرسمية، حيث أصبحت الموسيقى وسيلة للتعارف والحوار والتقارب بين الثقافات.

نحو «الهندسة الثقافية» والصناعات الإبداعية

ومع تراكم التجربة، اتسع اهتمام الشقيقين ليشمل مجالات الهندسة الثقافية والصناعات الإبداعية، باعتبارها أدوات قادرة على تنظيم الطاقات والمواهب وتحويلها إلى مشاريع مستدامة ذات أثر اجتماعي وثقافي.

وتعكس هذه الرؤية انتقالاً من التعامل مع الثقافة باعتبارها نشاطاً فنياً فقط، إلى النظر إليها كقطاع قادر على خلق القيمة، وبناء المشاريع، وتوفير فرص التعاون، وتعزيز حضور الهوية المغربية في الفضاء الدولي.

وتقدم تجربة «BinoBin» بذلك نموذجاً لرحلة بدأت من أكادير، مروراً بالدراسة في المغرب وفرنسا، وانتهاءً بمشروع موسيقي وثقافي يسعى إلى الجمع بين الهوية والهجرة والفن والتبادل الثقافي.

وفي زمن أصبحت فيه الهجرة جزءاً أساسياً من النقاش حول التنمية والتنوع الثقافي، تبرز مثل هذه التجارب باعتبارها دليلاً على أن مسارات المغاربة في الخارج يمكن أن تتحول من مجرد قصص شخصية إلى طاقات إبداعية وجسور للتواصل ومشاريع ثقافية ذات امتداد دولي.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
situs toto dentoto dentoto