
المغرب في حاجة لأحزاب مواطنة تسعى لتنمية البلاد والدفاع عن مصالحه
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، يدخل المغرب مرحلة سياسية جديدة، لا ينبغي أن تُختزل فقط في التنافس على المقاعد البرلمانية أو تصدر المشهد الانتخابي، وإنما يتعين أن تكون محطة لإعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات والأحزاب السياسية، وترسيخ قناعة مفادها أن العمل السياسي في نهاية المطاف هو مسؤولية وخدمة عمومية قبل أن يكون موقعاً أو امتيازاً.
فالمرحلة التي يعيشها المغرب اليوم تختلف كثيراً عن مراحل سابقة. المملكة تسير بوتيرة متسارعة في عدد من الأوراش الكبرى، الاقتصادية والاجتماعية والبنيات التحتية، وهو ما يفرض على الفاعل السياسي أن يواكب هذه الدينامية بقدر أكبر من الجدية والواقعية والقدرة على تحمل المسؤولية. وقد شدد الخطاب الملكي بمناسبة عيد العرش لسنة 2026 على ضرورة الإسراع بوتيرة الأوراش الإنمائية وتعزيزها بإصلاحات جديدة وتدبيرها بالحكامة الجيدة.
وفي هذا السياق، فإن الحزب الذي سيحظى بثقة المغاربة ويتصدر المشهد داخل البرلمان المقبل سيكون أمام مسؤولية أكبر من مجرد الاحتفال بالنتائج. سيكون مطالباً بأن يكون وفياً لانشغالات البلد والمواطن، وأن يحول البرامج الانتخابية من وعود وشعارات إلى سياسات عمومية قابلة للتنفيذ، يشعر المواطن بنتائجها في حياته اليومية.
فالمغربي اليوم لا ينتظر خطاباً سياسياً جديداً بقدر ما ينتظر أجوبة واضحة عن قضايا تمس حياته بشكل مباشر: الشغل، القدرة الشرائية، الصحة، التعليم، السكن، العدالة الاجتماعية، دعم المقاولة، وتحسين الخدمات العمومية، إلى جانب تعزيز فرص الشباب ومواجهة البطالة، التي أصبحت من أبرز الرهانات المطروحة في أفق انتخابات 2026.
المغرب يسير بسرعتين.. والمرحلة تحتاج إلى “نظافة القلب”
المغرب اليوم يتحرك بسرعتين متوازيتين: سرعة الأوراش الكبرى التي تعيد تشكيل الاقتصاد والبنيات التحتية ومكانة المملكة إقليمياً ودولياً، وسرعة أخرى مرتبطة بانتظارات المواطن اليومية التي تحتاج إلى أجوبة ملموسة وسريعة.
وهنا تبرز الحاجة إلى نخبة سياسية تمتلك ما يمكن تسميته بـ”نظافة القلب”، أي أن يكون هدفها الأول هو خدمة الوطن والمواطن، بعيداً عن الحسابات الضيقة والمصالح الشخصية والصراعات التي لا تنتج قيمة مضافة.
فالسياسة في مغرب اليوم تحتاج إلى رجال ونساء يؤمنون بأن المنصب مسؤولية، وأن الوصول إلى البرلمان ليس نهاية الطريق، بل بداية مرحلة من المحاسبة والعمل والترافع عن المواطنين والدفاع عن مصالح البلاد.
الثقة.. الرهان الأكبر
إن أحد أهم التحديات التي تواجه الأحزاب السياسية في المرحلة المقبلة هو استعادة ثقة المواطن.
وهذه الثقة لا تُبنى خلال أسابيع الحملة الانتخابية، ولا عبر الشعارات واللقاءات فقط، وإنما تُبنى من خلال الممارسة اليومية، والوفاء بالالتزامات، والقدرة على الإنصات للمواطن والتفاعل مع مشاكله.
لقد أصبحت الانتخابات بالنسبة إلى المواطن اختباراً حقيقياً للأحزاب: ماذا ستفعل بعد الوصول إلى البرلمان؟ وهل سيبقى المنتخب قريباً من الناس؟ وهل سيظل البرنامج الانتخابي حاضراً بعد إعلان النتائج؟
لذلك، فإن الحزب الذي سيتصدر المشهد البرلماني المقبل سيكون مطالباً بأن يجعل المواطن شريكاً في صناعة القرار، وأن يفتح قنوات دائمة للتواصل معه، وأن يقيس نجاحه بما تحقق على أرض الواقع، وليس بعدد المقاعد التي حصل عليها.
الأهم ليس الحزب.. بل مسار وطن قوي
وفي خضم التنافس الانتخابي، ينبغي ألا ننسى أن الأحزاب تتغير، والقيادات تتغير، والولايات الانتخابية تنتهي، لكن الوطن يبقى.
ومن هنا، فإن الاختيار الديمقراطي ينبغي أن يكون موجهاً نحو خدمة مسار وطني أكبر من الأشخاص والأحزاب، مسار يهدف إلى بناء مغرب قوي، مستقر، متقدم وعادل، قادر على مواجهة التحولات الدولية والاستجابة لتطلعات مواطنيه.
فالاختلاف بين الأحزاب أمر طبيعي في الديمقراطية، والتنافس بينها ضروري، لكن ما يجب أن يجمعها هو المصلحة العليا للوطن واحترام المؤسسات وخدمة المواطن.
إن انتخابات 2026 ليست مجرد موعد لتغيير تركيبة مجلس النواب، بل فرصة لفتح صفحة جديدة في علاقة المواطن بالعمل السياسي. والحزب الذي سيتصدر المشهد لن يقاس فقط بعدد المقاعد التي سيحصل عليها، وإنما بقدرته على تحويل الثقة الانتخابية إلى إنجاز، والوعود إلى سياسات، والشعارات إلى واقع.
وفي نهاية المطاف، سيبقى المواطن هو الحكم الحقيقي على أداء الأحزاب، وسيبقى نجاح أي تجربة سياسية مرتبطاً بمدى مساهمتها في بناء مغرب أقوى، ومؤسسات أكثر نجاعة، ومجتمع أكثر عدلاً، ومستقبل يمنح الأجيال القادمة أسباباً أكبر للثقة والأمل.ملاحظة: اعتمدت في المقال على المعطيات الرسمية الخاصة بانتخابات 2026 وعلى مضامين خطاب العرش، مع الاستئناس بالتحليلات الجارية حول رهانات الاستحقاق المقبل.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



