
مئة حكاية وحكاية للتأريخ لقرن من الهجرات السوسية إبراهيم بهتي: قصيدة الهجرة بين الحنين ومرارة الاغتراب
- د.خالد ألعيوض //
كان الشاعر المهاجر إبراهيم بهتي، واسمه الكامل إبراهيم بومليك، واحدًا من الوجوه التي جمعت بين تجربة الهجرة والتعبير الشعري عنها. وُلد سنة 1942 بقبيلة أيت إلوكان، دوار البرج، في منطقة اشتوكة أيت بها، في فضاء اشتهر بفن أجماك، حيث كانت الكلمة الموزونة، والشعر، والغناء، والتناظر الشعري جزءًا من الحياة اليومية ووسيلة للتعبير عن الأفراح والأحزان والتحولات الاجتماعية. نشأ بهتي في هذا المناخ الثقافي، فكان الشعر والغناء جزءًا من طفولته وذاكرته، قبل أن يجد نفسه، مثل كثير من أبناء جيله، أمام سؤال الهجرة.
لم يكن إبراهيم بهتي يحلم في البداية بالرحيل. كان مرتبطًا بقريته، بأرضها وفضائها وأسلوب حياتها، لكنه عاش التحول الذي أحدثته الهجرة في المجتمع القروي من الداخل. شيئًا فشيئًا، بدأ الرجال يغادرون، وأصبحت القرية، كما يصفها في إحدى قصائده، لا يكاد يبقى فيها إلا النساء. وكان يوم السوق بالنسبة إليه أكثر الأيام قسوة؛ فعندما يتوجه إلى السوق، كان يجد النساء على قارعة الطريق يطلبن منه أن يحضر لهن الشاي أو الزيت أو السكر، في انتظار وصول الحوالات المالية من باريس.
كان المشهد يوقظ داخله إحساسًا مؤلمًا بالعجز. هو الذي لا يملك مالًا، يرى غيره مرتبطًا بحوالة تأتي من وراء البحر، فيشعر أن قيمته داخل الجماعة بدأت تتراجع. لذلك كان ينسحب من الناس ويجلس في المسجد، منتظرًا عودة الذين ذهبوا إلى السوق. ومع مرور الوقت، ترسخ لديه شعور بأن المال أصبح معيارًا جديدًا للقيمة الاجتماعية، وأن من لا يملك المال يفقد شيئًا من مكانته.
من هنا بدأت فكرة الرحيل تتسلل إلى حياته. لم يكن قرارًا نابعًا من عشق باريس، ولا من رغبة في مغادرة القرية، وإنما كان نتيجة ضغط اجتماعي واقتصادي ونفسي متراكم. يقول في قصيدته، التي حفظها عنه صديقه سعيد إد بناصر، وهو من الحافظين لشعر بهتي، وتزداد هذه الحكاية دلالة حين نعرف أن إد بناصرنفسه كان قريبًا من مسار الهجرة منذ لحظته الأولى؛ فقد ترشح في شبابه للهجرة مع موغا، أحد أشهر الوسطاء في استقدام العمال إلى فرنسا، غير أن موغا رفضه بسبب طول قامته، إذ كان يفضل العمال الأقصر الذين يسهل عليهم العمل في أعماق المناجم والسراديب. وهكذا تبدو الهجرة، حتى في تفاصيل اختيار المهاجر، مرتبطة بحاجات سوق العمل الفرنسي وبمعايير قاسية لا علاقة لها بأحلام الشباب.
لقد ظل بهتي يفكر ليلًا ونهارًا في الهجرة، وأنفق ما كان يملك من أجل الحصول على جواز السفر، ثم اتخذ قراره بالرحيل. وهكذا انتقل الشاعر من فضاء أجماك، حيث كانت الكلمة والغناء جزءًا من الحياة، إلى فضاء المصنع، حيث أصبحت قيمة الإنسان تقاس بالوقت والانضباط والإنتاج. وصل إلى باريس واشتغل في معمل سيتروين، واستمرت تجربته المهنية هناك نحو أربعين سنة. كان يسكن مع عمال آخرين في غرفة واحدة، ويستيقظ باكرًا، يحمل حقيبته اليدوية وفيها ما يحتاج إليه من طعام، ويغادر قبل بزوغ الشمس.
كانت المسافة بين البيت والمعمل تُقطع أحيانًا مشيًا، تحت المطر أو الثلج؛ وهي ظروف لم يكن أبناء الجنوب المعتادون على الشمس والدفء يألفونها. وكان التأخر عن العمل، ولو لدقائق قليلة، يعني اقتطاعات قاسية من الأجر. لذلك لم تكن باريس بالنسبة إلى بهتي المدينة الحالمة التي تتردد في المخيال الشعبي، بل مدينة العمل الشاق، والانضباط الصارم، والبرد، والغربة.
ولم ينته يوم العمل عند العودة إلى السكن. كان عليه أن يهيئ عشاءه، ويطبخ ما يستطيع، ثم يعد طعام اليوم التالي. وتتكرر الدورة نفسها يومًا بعد يوم، وشهرًا بعد شهر. حياة رتيبة لا يكسرها إلا انتظار ذلك الشهر الذي كان يسميه، في ذاكرته، “الشهر الكبير”: شهر العودة إلى القرية.
كان المهاجر يعود محملًا بالهدايا، مرتديًا ملابس أنيقة تختلف عن ملابس المصنع، ويضع أحيانًا ربطة عنق لم يكن معتادًا على ارتدائها في حياته اليومية. لم تكن ربطة العنق مجرد قطعة من اللباس؛ كانت رمزًا للنجاح، وإعلانًا أمام أهل القرية أن صاحبها استطاع أن يحقق شيئًا في بلاد الغربة.
لكن المفارقة أن المهاجر، بعد كل هذا الانتظار، لم يكن يجد نفسه كما تركها. كان يشعر أن أبناء القرية ينظرون إليه باعتباره شخصًا جاء من عالم آخر، وأن المسافة بينه وبين المكان الذي ينتمي إليه قد اتسعت. لقد أصبح، بطريقة ما، غريبًا في بلاد الغربة وغريبًا عند العودة إلى بلاده.
ومن هنا تأتي إحدى أكثر صور بهتي مرارة وقوة. فالمال الذي يأتي من باريس لا يدوم طويلًا. كان المهاجرون يعودون بالحوالات، لكنها سرعان ما تنفد. ولذلك ظهرت في القرية عبارة ساخرة تشبه المهاجر بـ قنينة الغاز: تمتلئ، ثم لا تلبث أن تنتهي بعد شهر. وكأن ما يأتي به المهاجر من الخارج لا يكفي إلا لفترة قصيرة قبل أن يعود من جديد إلى الانتظار والعمل.
هذه الصورة الساخرة تكشف، في العمق، هشاشة الوعد الذي حملته الهجرة. فالمهاجر الذي كان يُنظر إليه في البداية باعتباره نموذجًا للنجاح، أصبح محكومًا بدورة لا تنتهي: يعمل في الخارج، يرسل المال، يعود محملًا بالهدايا، ثم تنفد الأموال، فيضطر إلى الرحيل من جديد.
ولذلك تتحول نظرة بهتي إلى الهجرة، في نهاية تجربته، إلى موقف نقدي صريح. فهو يقول إنه يلعن كل من كان يقول إن باريس بلد جميل، وكل من حبب إلى أبناء القرية فكرة الرحيل إليها. ففي تجربته الشخصية، لم تكن باريس جنة، وإنما كانت فضاءً للعمل والبذل والهوان والغربة. وكان يرى، بعد أن عاش التجربة، أن البقاء في الوطن، والعمل في الفلاحة وتربية الماشية، ربما كان أكرم للإنسان من حياة الاغتراب القاسية.
وهنا تكمن القيمة الكبرى لشعر إبراهيم بهتي. فهو لا يتحدث عن الهجرة من موقع الباحث أو المؤرخ، وإنما من موقع من عاشها بجسده وذاكرته وكرامته. قصيدته ليست مجرد وصف للرحيل، بل شهادة على تحول عميق في المجتمع السوسي: حين أصبح المال القادم من باريس معيارًا للمكانة، وحين تحولت الهجرة من خيار فردي إلى ضغط اجتماعي، وحين صار المهاجر مطالبًا بالنجاح أمام أهله بقدر ما هو مطالب بالبقاء في المصنع.
ومع ذلك، لم تمنع تجربة المصنع والغربة إبراهيم بهتي من أن يصبح أحد الرموز الثقافية الأمازيغية في باريس. فقد ظل حاضرًا في الأعراس والحفلات العائلية، ونشط في المقاهي التي بدأت تستقطب المستثمرين الأمازيغ، وحافظ بذلك على صلته بالكلمة والغناء، وكأن الشاعر الذي خرج من فضاء أجماك حمل معه إلى باريس جزءًا من قريته، وحاول أن يعيد بناء فضائه الثقافي في قلب مدينة بعيدة.
لذلك فإن حكاية إبراهيم بهتي ليست حكاية عامل هاجر إلى فرنسا فحسب؛ إنها حكاية شاعر هاجر بجسده، لكنه ظل يحمل قريته في ذاكرته. وبين القصيدة والمصنع، وبين الحنين والمرارة، وبين ربطة العنق التي ترمز إلى النجاح وقارورة الغاز التي ترمز إلى نفاد المال، رسم بهتي صورة إنسانية مكثفة للهجرة السوسية: حلمٌ يبدأ من القرية، يصطدم بقسوة المصنع، يعود محملًا بالهدايا، ثم يكتشف أن ثمن النجاح في الغربة قد يكون أثقل مما كان يتصور.
وفي نهاية المطاف، يبدو موقفه من الهجرة أشبه بحوار متأخر مع نفسه: لم يكن يريد الرحيل، لكنه رحل؛ لم يكن يعشق باريس، لكنه عاش فيها أربعين عامًا؛ عاد محملًا بما يثبت نجاحه، لكنه عاد أيضًا محملًا بذاكرة البرد والعمل والوحدة. ولذلك لم يعد يرى الهجرة كما كان يراها قبل الرحيل، بل كما عاشها فعلًا.
وهذه هي قوة شعر بهتي: أنه لا يكتب عن الهجرة من خارجها، بل يكتبها من داخل جرحها، ويحول تجربته الشخصية إلى ذاكرة جماعية لجيل كامل من المهاجرين الذين خرجوا بحثًا عن المال، فاكتشفوا في الطريق أن الاغتراب له ثمن، وأن النجاح في أعين الآخرين لا يعني بالضرورة أن الحياة في الداخل كانت أجمل.
الدكتور خالد ألعيوض مدير مركز تاوسنا للدراسات والأبحاث، قرية أيت ميمون ، أشتوكة ايت باها
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



