الرأيالمغرب اليوم

أمن مضيق جبل طارق والتحولات الدولية: فرصة لطرح موضوع سبتة ومليلية والاجزر دوليا..

  • د. محمد طيار  //

أكادير اليوم – أمن مضيق جبل طارق والتحولات الدولية: لماذا تعد هذه الفرصة التاريخية الأنسب للمغرب لإعادة طرح ملف استرجاع مدينتيه المحتلتين وجزره على الساحة الدولية.؟.

إن ترابط الأمن القومي والدولي في منطقة مضيق جبل طارق يعيد صياغة المقاربات الجيوسياسية الحالية، حيث بات من الواضح أن استمرار الوجود الإسباني في سبتة ومليلية والجزر الجعفرية يشكل بؤرة توتر دائم تهدد سلامة هذا الممر البحري الحيوي.

إن استقرار الملاحة العالمية في المضيق يتطلب تنسيقا أمنيا وعسكريا عالي المستوى، وهو أمر لا يمكن تحقيقه بشكل مستدام في ظل استمرار احتلال أراض مغربية، مما يجعل الجلاء الإسباني شرطا أساسيا لبناء منظومة أمنية متكاملة ومستقرة.

وتؤكد القراءات الاستراتيجية الراهنة أن السيادة الكاملة للمغرب على ضفتيه الشمالية والجنوبية هي الضامن الحقيقي لمنع التدفقات غير النظامية ومكافحة شبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود.

فالمملكة المغربية أثبتت كفاءة استثنائية في إدارة ملفات الأمن والهجرة، غير أن بقاء هذه الجيوب الاستعمارية يستنزف الجهود الأمنية في مراقبة حدود مصطنعة، بينما يساهم الانسحاب الإسباني في توحيد القيادة والسيطرة الأمنية تحت مظلة وطنية واحدة قادرة على حماية المضيق بكفاءة أعلى وبتنسيق مباشر مع الشركاء الدوليين.

وفي هذا السياق، تلتئم التوازنات الدولية الراهنة لتجعل من هذا الوقت تحديدا الفرصة التاريخية الأنسب للمغرب لإعادة طرح ملف استرجاع مدينتيه المحتلتين وجزره على الساحة الدولية. لم يعد الملف مجرد مطلب تاريخي مؤجل، فقد أصبح ضرورة يفرضها واقع جيوسياسي جديد يميل بوضوح لصالح المملكة.

ويأتي في مقدمة هذه التحولات الدعم الدولي الواسع والمستمر لمغربية الصحراء، والاعتراف الصريح من قوى عظمى مثل الولايات المتحدة وفرنسا بمبادرة الحكم الذاتي، وهو ما يمنح الدبلوماسية المغربية قوة تفاوضية غير مسبوقة، ويؤكد أن المجتمع الدولي بات يميل لإنهاء النزاعات الترابية الموروثة عن الحقبة الاستعمارية لصالح الاستقرار الإقليمي، والاعتراف بحقيقة أن أمن مضيق جبل طارق لا يمكن أن يظل رهينا لجيوب استعمارية تثير التوتر الذاتي.

من جهة أخرى، يمثل الجلاء الإسباني مصلحة استراتيجية لحلف شمال الأطلسي (الناتو) والقوى الغربية التي تخشى من تحول المضيق إلى ساحة للصراعات الإقليمية في وقت يتسم فيه العالم بالتعددية القطبية.

وبما أن الحلف يستثني سبتة ومليلية من مظلته الدفاعية (المادة 5)، فإن نقل هذه المناطق إلى السيادة المغربية سينهي وضعا قانونيا وعسكريا غامضا، ويضع حدا لأي ثغرات أمنية قد تستغلها قوى دولية منافسة لزعزعة استقرار غرب البحر الأبيض المتوسط.

وتدرك إسبانيا اليوم، أكثر من أي وقت مضى، خطورة هذا الغموض الدفاعي والهشاشة القانونية، مما يجعل من استمرار احتلالهما مغامرة غير محسومة العواقب لمدريد، ويحفزها على قبول الحوار لإنهاء هذا النزاع بشكل سلمي لتفادي أي تهديد يمس سلامة الملاحة الدولية.

لذلك ، فإن تحويل مضيق جبل طارق من منطقة احتكاك سياسي وعسكري إلى محور للشراكة الاقتصادية والتنمية المستدامة يمر حتما عبر إنهاء المظاهر الاستعمارية، مع استحضار واقع الخنق الاقتصادي الذكي الذي فرضه المغرب وشل الحركة التجارية داخل المدينتين عبر تنمية الأقطاب الاقتصادية المحيطة بهما كطنجة المتوسط والناظور غرب المتوسط. هذا الضغط الصامت يجعل الحفاظ على الوضع الحالي عبئا ماليا وسياسيا ثقيلا على خزينة مدريد.

لقد تغيرت البيئة الاستراتيجية المحيطة بسبتة ومليلية بصورة جوهرية، وأصبح من المشروع للمغرب أن يعيد طرح مستقبلهما، سواء ضمن حوار استراتيجي طويل الأمد مع إسبانيا وأوروبا، او في اطار دولي اوسع ، مستندا إلى المصالح المشتركة والقانون الدولي والتحولات الجيوسياسية الجديدة.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
situs toto dentoto dentoto