
عندما تغار الصحفية الإسبانية من (الحرّاگة) المغربية وفاء عتيد ..!
من أمتع ألعاب الإعلام الإسباني هذه الأيام أنه يحب أن يلعب دور الساحر.
يضع لك في القبعة أرنباً فقيراً جائعاً فإذا أخرجته اكتشفت أنه يحمل جواز سفر مليئاً بالأختام.. ويرتدي معطفاً أفخم من معطف الساحر نفسه.
هكذا فجأة وبلمسة صحفية سريعة من جريدة «إل باييس»، تحولت الفتاة التي عبرت البحر سباحة من مجرد مهاجرة بحثاً عن الخبز إلى لاجئة فكرية تهرب من العقلية الأبوية
في البداية..
عاشت وسائل الإعلام الإسبانية حالة من البهرجة الزائدة والاستعراض فُتحت لهذه ( الحراگة ) المغربية.. الميكروفونات وتسابقت العدسات لترميم المشهد الدرامي المعتاد واحتفت الكاميرات بتصريحاتها الأولى وسط هالة إعلامية صاخبة أُريد لها أن تكون شهادة حية على بؤس بلدنا وفقره نحو رغد العيش والبحبوحة . حاولوا أن يبيعوا للعالم الحكاية القديمة إياها :.الهروب من الفقر والجوع والفرار من الحرمان
لكن هذه البهرجة لم تصمد طويلاً أمام الواقع إذ بات واضحاً أن مستوى عيش الفرد المغربي في كثير من الحالات يتقارب بل ويتجاوز أحياناً مستويات لدى الإسبان أنفسهم ممن يخنقهم غلاء المعيشة وأقساط الضرائب والديون..
ولأن شماعة الفقر سقطت وانكسرت تحت أضواء التفتيش كان لا بد للصحافة من البحث عن قماش آخر لتفصيل ثوب جديد.
وكان الجواب جاهزاً طبعا في رفوف الأيديولوجية : دعونا ننقل الحكاية من البطن إلى العقل.. فلنقل إنها لا تهرب من القهر الاقتصادي، بل من العقلية الذكورية والأبوية والمجتمع المحافظ..لكن الطريف أن الإسبان أنفسهم هم من أفسدوا هذه المسرحية الدنماركية..
فقد نبش المتابعون في صفحات هذه السباحة ( الحراگة المضطهدة) ليكتشفوا أنها عاشت في بحبوحة وتجوال بين عواصم العالم لا يحلم بهما نصف شباب مدريد… حتى إن إحدى الصحفيات الإسبانيات لم تتمالك نفسها أمام حجم التناقض فصفعتها بسخرية لاذعة وقالت لها في وجهها بمزيج من الذهول والغيرة: ( لقد زرتِ من المدن والمنتجعات ما لا أحلم بزيارته أنا الإسبانية الأوروبية..
يا لها من مفارقة
أن تذهب إلى أوروبا مدعياً أنك فارّ من الجهل والفقر وسط زحام الميكروفونات فيصرخ في وجهك الأوروبي قاطعاً المهرجان الإعلامي: يا أختي خذيني معكِ إلى هذا الفقر الذي كنتِ تعيشين فيه.
غير أن السؤال الأهم هنا : لماذا اختيرت هذه القصة بالذات.. وكيف جرى تحويل تجربة امرأة واحدة إلى عدسة ينظر من خلالها القارئ الإسباني إلى المغرب والمغاربة؟
إن الهندسة الإعلامية لم تكن عفوية لقد كانت هناك حاجة ماسة لتقديم نموذج مثالي يخدم النمط الفكري السائد هناك.
تُقتطع حالة فردية تُسلط عليها الأضواء وتُجرد من كل تعقيداتها الشخصية لتُقدّم للإسباني في وجبة صحفية سريعة كدليل دامغ يختزل مجتمعاً بأكمله في صورة نمطية جاهزة.. مجتمع ذكوري متخلف ليس اقتصاديا هذه المرة بل فكريا
إنها لعبة السرديات الجاهزة حين يعجز الغرب عن رؤيتنا إلا من خلال نظارة التعالي يتفاجأ بأن المغرب قد تغير وأن المهاجر الذي ينتظرون منه أن يرتمي على أعتابهم شاكراً ربما جاء فقط ليلعب دور البطولة في دراما إعلامية مدفوعة الأجر… وغداً..
ستنتهي هذه الدراما الإعلامية وسينسى الجميع القصة
دون استطاعة أي إعلام تحريضي اختزال أمة بكاملها في كذبة مفضوحة.
لقد أرادوا تقديم درسٍ للمغرب في الإنسانية والتقدم فإذا بالواقع يقدم لهم درساً في التناقض والسطحية.. وسنبقى نراقب الفصل القادم ليس خوفاً من مسرحياتهم بل ابتساماً على حيلهم المفلسة…
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



