
إكضاض ن وهران (طيور وهران) : مسار الهجرة السوسية من الحصاد إلى مصانع باريس
- د. خالد ألعيوض
كانوا يسمونهم “إكضاض ن وهران” أو “طيور وهران”؛ أسماء أطلقت على أولئك المهاجرين السوسيين الذين اختاروا، أو اضطروا، إلى سلوك طريق مختلف نحو أوروبا. لم يكن طريقهم يمر مباشرة عبر البحر، بل كان يبدأ من قرى سوس، ثم يتجه شمالًا وشرقًا نحو وجدة، ومنها إلى وهران، قبل أن ينتهي بهم المطاف في مرسيليا، ثم باريس.
لكن الهجرة، في حكايات هؤلاء، لم تكن قرارًا فرديًا خالصًا. صحيح أن الشاب هو الذي يقرر في النهاية أن يغادر، لكنه لا يغادر وحده. كانت الأسرة حاضرة في القرار، تبارك الرحلة وتدعو لنجاحها، بينما كان الشباب الذين يفكرون في الهجرة يجتمعون ويتشاورون حول موعد الانطلاق وطريق السفر. وكان من المعتاد أن يتجمع ستة أو عشرة شبان، غالبًا من القرية نفسها أو من القرى المتجاورة، فينتظرون الموسم المناسب للرحيل.
وكان موسم الحصاد هو الموعد المفضل. يبدأ عادة في الربيع، حين يكون الطقس دافئًا وتكون فرص العمل متاحة. ولهذا ارتبط هؤلاء في أدبيات الهجرة باسم “إشوالن”، أي الحصادة؛ لأن الحصاد كان مهنتهم الأولى وطريقة تمويلهم للرحلة.
كانوا يغادرون سوس بأقدامهم، ويمرون من قرية إلى أخرى، ومن منطقة إلى أخرى، في اتجاه وجدة. لم تكن الرحلة قصيرة؛ فقد تستغرق أسابيع، وربما نحو شهر كامل. وفي كل قرية كانوا يبحثون عن حقل يحتاج إلى اليد العاملة. يشتغلون يومًا أو يومين، أو المدة التي يتطلبها العمل، مقابل أجر يؤمن لهم شيئًا من المال، وغالبًا ما يوفر لهم صاحب الحقل الطعام والمبيت طوال فترة العمل.
ثم يحملون أجرتهم ويواصلون الطريق.
وهكذا كانت الرحلة نفسها جزءًا من اقتصاد الهجرة: يعملون لكي يسافروا، ويسافرون لكي يعملوا، إلى أن يجمعوا ما يكفي للوصول إلى وجدة.
كان أغلبهم فقراء، يغادرون قراهم دون مال يُذكر. لذلك كان عليهم أن يؤمنوا بأنفسهم تكاليف الطريق، خصوصًا أن عبور الحدود لم يكن أمرًا بسيطًا. كانت هناك مبالغ تُدفع لأشخاص يعرفون مسالك الحدود وطرق تجاوز المراقبة، لأن المرور لم يكن دائمًا عبر الطرق الرسمية. كان عليهم أن يتجنبوا أعين الحرس وأن يسلكوا المسالك التي تمكنهم من الوصول إلى وهران سالمين.
كان ذلك خروجًا محفوفًا بالمخاطر، لكنه لم يكن خروجًا مجهولًا تمامًا؛ فالهجرة كانت شبكة من الخبرات المتوارثة. ما يعرفه أحد المهاجرين في رحلة سابقة يصبح معرفة للذين سيأتون بعده. هكذا كانت أخبار الطريق، وأسماء الأشخاص، وأماكن الاختباء، وتكاليف العبور، وطرق السفر، تنتقل من جيل إلى جيل.
وعندما يصلون إلى وهران، كانت لهم محطات يعرفها المهاجرون السوسيون. ومن بين أهمها قرية غير بعيدة عن المدينة، كان يؤم مسجدها فقيه من سوس، صار اسمه معروفًا لدى المرشحين للهجرة. كان يستقبل القادمين الجدد، يؤويهم في المسجد، يوفر لهم الطعام والمبيت، ويساعدهم على مواصلة الرحلة.
بل كان أحيانًا يبحث لهم عن عمل في مزارع العنب.
وهناك تبدأ مرحلة أخرى من الرحلة. يعمل المهاجرون شهرًا إضافيًا تقريبًا في جني العنب، ويجمعون ما يحتاجونه من المال لعبور البحر. كان عليهم أن يدفعوا تكاليف المرحلة الأكثر خطورة: الانتقال من وهران إلى مرسيليا.
كانت هذه، بمقاييس اليوم، صورة مبكرة لما يسمى في الخطاب المعاصر “الحريك”؛ غير أن “الحريك” آنذاك لم يكن يتم في زوارق صغيرة، وإنما في السفن الكبرى التي تعبر البحر المتوسط.
كان بعض البحارة، وأحيانًا ربان السفينة نفسه، يتكلف بإخفاء المهاجرين مقابل المال. يوضعون في أماكن مخصصة للفحم داخل السفن البخارية، مختبئين عن أعين السلطات. وبعد مغادرة السفينة للميناء ودخولها عرض البحر، كان يسمح لهم بالخروج من مخابئهم والبقاء لبعض الوقت فوق سطح السفينة، ثم يعودون إلى أماكن اختبائهم كلما اقتربت السفينة من مرسيليا.
كان الفحم يترك أثره على أجسادهم وملابسهم. وكانوا يعرفون ذلك مسبقًا، لأن خبرة الرحلة كانت تنتقل بين المهاجرين. لذلك كان الواحد منهم يحمل معه ملابس للسفر، وملابس أخرى نظيفة لا يلبسها إلا بعد الوصول.
وبعد الخروج من مخابئ الفحم والوصول إلى مرسيليا، يرتدون ملابسهم النظيفة، ويتخلصون من ملابس السفر التي التصقت بها آثار الفحم.
لكن الوصول إلى مرسيليا لم يكن نهاية الرحلة.
كان المهاجرون الجدد يخرجون من الميناء القديم، ثم يبحثون عن دكان صغير أو مقهى أو مطعم بسيط يملكه أحد المهاجرين السوسيين الأوائل. كانت بعض هذه الأماكن تضم فناءً سفليًا أو مساحة مخفية، تتحول مؤقتًا إلى ملجأ للمهاجرين القادمين حديثًا.
هناك يجدون الطعام والمبيت والمساعدة. يبقون يومين أو ثلاثة، وأحيانًا أربعة، ريثما يتم تدبير المرحلة التالية.
ثم يأتي شخص آخر يعرفه المهاجرون، متخصص في نقل القادمين من مرسيليا إلى باريس.
كانت باريس هي الحلم.
لكن الوصول إليها لم يكن يعني نهاية الرحلة؛ بل كان بداية رحلة جديدة.
كان المهاجرون يوزعون على البيوت التي يسكنها مهاجرون سابقون، وغالبًا ما كان كل واحد يفضل الالتحاق بقريب له أو بأبناء قريته، لأن وجود الأقارب وأبناء المنطقة يسهل عملية الاندماج في المجتمع الجديد ويمنح القادم الأول شبكة من الحماية والمساعدة.
ثم يبدأ البحث عن العمل.
وكان العمل، بحسب شهادات كثير من المهاجرين، متوفرًا بكثرة في تلك المرحلة. فقد كانت أوروبا الخارجة من الحرب في حاجة إلى اليد العاملة، وإلى إعادة البناء والإنتاج. إنها المرحلة التي ارتبطت في التاريخ الاقتصادي الفرنسي بما يعرف بـ «Les Trente Glorieuses»، أي السنوات الثلاثين من النمو الاقتصادي وإعادة الإعمار التي أعقبت الحرب العالمية الثانية.
وجد كثير من المهاجرين السوسيين طريقهم إلى مصانع السيارات الكبرى: ستروين، بيجو، رونو. وكانت أسماء أماكن مثل ليل سوجان، بيلانكورت وغيرها، حاضرة بقوة في ذاكرة المهاجرين.
وكانت بعض الأحياء والوجهات السكنية تتحول تدريجيًا إلى فضاءات استقرار لأبناء مناطق معينة، ومن بينها أبناء اشتوكة. وهناك بدأت مرحلة جديدة من الحياة، لكنها لم تكن حياة سهلة.
كانت الغرف صغيرة ومكتظة، يسكن الواحدة منها ستة أو ثمانية أشخاص، وأحيانًا أكثر. وكان الاقتصاد في المساحة ضرورة، لذلك كانت الأسرة توضع فوق أخرى، حتى يصبح السكن الضيق قادرًا على استيعاب أكبر عدد ممكن.
أما الطعام، فكان يُعد بالتناوب، خصوصًا في المساء. يعود المهاجرون من العمل، فيتقاسمون الأدوار، ويعدون وجبتهم، ثم يجلسون معًا.
وكان أحدهم غالبًا يتولى دور مقدم المجموعة، على شاكلة مقدم القبيلة في القرية. يتكلف بتدبير الميزانية، وتنظيم مصاريف الطعام، وضبط شؤون المجموعة، وأحيانًا المراسلات وترتيبات العودة إلى الوطن.
وهكذا أعاد المهاجرون، داخل غرف باريس الضيقة، إنتاج شيء من تنظيم القرية.
كانت حياتهم تسير بإيقاع يكاد يكون رتيبًا. كثير منهم لم يكن يعرف باريس إلا من خلال الطريق بين البيت والمصنع. وقد لخصت ثلاث كلمات فرنسية حياتهم اليومية: Boulot, Métro, Dodo؛ العمل، المترو، النوم.
المترو ينقلهم صباحًا إلى المصنع، والعمل يستنزف يومهم، ثم يعودون مساءً إلى الغرفة ليناموا استعدادًا ليوم جديد.
لم تكن باريس بالنسبة إليهم مدينة للسياحة.
حتى يوم السبت والعطلة الأسبوعية كان لهما إيقاع خاص: زيارة الأقارب، غسل الملابس، إعدادها للأسبوع المقبل، أو انتظار الحلاق الذي يأتي إلى البيوت المشتركة ليحلق للمهاجرين.
كانت تلك البيوت أشبه بجزر مغلقة داخل المدينة؛ جيتوهات صغيرة يتحدث فيها المهاجرون لغتهم، ويعدون شايهم، ويطبخون طعامهم، ويتبادلون أخبار الوطن.
لكن هذه العزلة لم تكن دائمًا مصدر حزن؛ فقد تحولت أحيانًا إلى مساحة لاستعادة الوطن.
وفي ليالي السبت خصوصًا، كانت الغرف تتحول إلى فضاءات للغناء. فمن كان يتقن العزف على الرباب أو لوتار كانت غرفته تتحول إلى مسرح صغير. يتقاطر إليها المهاجرون للاستماع إلى الأغاني التي تعيد إلى ذاكرتهم شمس المغرب، وجبال سوس، والقرى التي تركوها وراءهم.
كانت الموسيقى تعيد بناء «تامازيرت» داخل باريس.
وهكذا، بين المصنع والغرفة، وبين المترو والجلسة الليلية، كان المهاجر يعيش عالمين في الوقت نفسه: عالمًا جديدًا يفرض عليه العمل والانضباط والاغتراب، وعالمًا قديمًا يحافظ عليه باللغة والطعام والموسيقى والقرابة.
لكن كل ذلك لم يكن من أجل البقاء في باريس فقط.
كان الهدف الأكبر هو إرسال المال إلى الوطن.
كان المهاجر يقتطع من أجره ما يستطيع، ثم يرسله إلى أسرته. الأموال التي تعبر الحدود في الاتجاه المعاكس كانت تتحول إلى بيوت تُبنى، وأراضٍ تُصلح، وأبناء يُعالجون أو يدرسون، وزيجات تُقام، وأسر ممتدة تُعان، ومساجد وطرق ومرافق جماعية تُنجز.
كان المهاجر يعيش في غرفة ضيقة في باريس، لكنه كان يبني بيتًا واسعًا في القرية.
كان يقتصد في طعامه وملبسه، لكنه يساهم في تحسين حياة أسرته.
كان يعمل في مصنع بعيد آلاف الكيلومترات، بينما كانت ثمرة عمله تظهر في جبال وسهول سوس.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى في هذه الحكاية: الهجرة التي بدأت كرحلة للبحث عن العمل تحولت إلى مشروع لإعادة بناء القرية.
لقد قطع هؤلاء المهاجرون الطريق من أقصى الجنوب الغربي للمغرب إلى شماله الشرقي، ثم إلى وهران، فمرسيليا، ثم باريس. قطعوه سيرًا في بعض مراحله، وعبر الحقول في مراحل أخرى، واختبأوا في سفن الفحم، واختصروا المسافات في قطارات ومترو باريس.
لكن المسافة الحقيقية التي قطعوها لم تكن فقط بين المغرب وفرنسا.
كانت المسافة بين الفقر والأمل، بين القرية والمدينة، بين الماضي والمستقبل.
ولهذا فإن حكاية “إكضاض ن وهران” أو “طيور وهران” ليست مجرد قصة عن طريق قديم للهجرة؛ إنها حكاية جيل كامل صنع طريقه إلى أوروبا بإمكاناته المحدودة، وحوّل خبرة السفر إلى معرفة جماعية، وحوّل الغربة إلى مورد للأسرة، وحوّل الأجر إلى بيوت وحقول ومشاريع، وحافظ، في الوقت نفسه، على القرية داخل غرفة صغيرة في قلب باريس.
لقد بدأت الرحلة بأقدام الحصادين في دروب سوس، واستمرت عبر وجدة ووهران، واختبأت في حاويات الفحم، وخرجت من ميناء مرسيليا، ثم دخلت مصانع باريس.
لكنها لم تنته هناك.
فكلما عاد المال إلى سوس، وكلما ارتفع جدار بيت جديد، وكلما شُقت طريق أو عُمّرت أرض أو كبر طفل بفضل حوالة مهاجر، كانت الرحلة تبدأ من جديد، ولكن هذه المرة في الاتجاه المعاكس.
من سوس إلى باريس، ومن باريس إلى سوس؛ طريقٌ صنعته أقدام المهاجرين، وأكملته أحلام القرى.
الدكتور خالد ألعيوض مدير مركز تاوسنا للدراسات والأبحاث ايت ميمون ، جماعة سيدي بيبي ، أشتوكة أيت باها ..
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



