
الهجرة والحدود: قراءة في أحداث سبتة الأخيرة
- د. خالد ألعيوض //
لم تكن الحدود في تاريخ الهجرة المغربية مجرد خطوط جغرافية تفصل بين الدول، بل كانت دائماً محطات للعبور والتفاوض والتوتر، ومرآةً تعكس طبيعة العلاقات بين الدول ومصالحها الاقتصادية والسياسية. ومن هذه الزاوية، فإن قراءة أحداث سبتة الأخيرة لا ينبغي أن تتوقف عند مشاهد الشباب الذين حاولوا العبور، ولا عند سؤال من يقف وراء الدعوة إلى الهجرة، وإنما يجب أن تمتد إلى السؤال الأعمق: لماذا أصبح جزء من الشباب يرى في مغادرة الوطن خلاصاً، وفي الضفة الأخرى فردوساً مفقوداً؟
إن تاريخ الهجرة المغربية يمتد لأكثر من قرن، وقد تغيرت خلاله المعابر بتغير الظروف السياسية والاقتصادية والأمنية. ففي مراحلها الأولى، كانت فرنسا في حاجة إلى اليد العاملة، وكانت الجهات الفرنسية تبحث عن العمال في أعماق البوادي وأقصى المناطق الجبلية. وكان ميناء الدار البيضاء إحدى أهم بوابات الرحيل، حيث كانت الهجرة تتم في إطار حاجات الاقتصاد الفرنسي آنذاك.
ومع نهاية الحرب العالمية الثانية وتشديد بعض المعابر، تغيرت طرق العبور. اتجه جزء من المهاجرين نحو الحدود الشرقية، مروراً بالجزائر ووهران. ولم تكن وهران مجرد مدينة عبور، بل تحولت إلى جزء من الذاكرة الجماعية للمهاجرين المغاربة، حتى ارتبط اسمها في المخيال الشعبي بتعبير “طيور وهران”، في إشارة إلى أولئك الذين كانوا يعبرون الحدود الشرقية بحثاً عن طريق نحو فرنسا.
ثم جاء البحر ليصبح بوابة أخرى. كانت مارسيليا محطة أساسية في مسار الهجرة، قبل أن تتحول مياه البحر الأبيض المتوسط تدريجياً إلى فضاء آخر للهجرة، ولكن هذه المرة في ظروف أكثر قسوة وخطورة. ومع إغلاق الحدود وتشديد الرقابة الأوروبية، لم تتوقف الرغبة في الرحيل؛ بل تغيرت الطرق.
وهنا بدأت المأساة الكبرى.
تحول البحر الأبيض المتوسط إلى مقبرة مفتوحة للشباب. قوارب خشبية ومطاطية، وسائل بدائية، رحلات مجهولة المصير، وأسماء كثيرة بقيت في عداد المفقودين. بعض الموتى دُفنوا، وبعضهم لم يُعرف له قبر، وبعضهم تحول إلى مجرد رقم في إحصائيات الهجرة. إنه موت بلا هوية، وموت بلا اسم، ومقابر لا يعرف أهلها أين توجد.
ومع تشديد المراقبة على الحدود الشمالية، وخصوصاً مع تزايد الدعم الأوروبي لإسبانيا من أجل مراقبة الحدود، تغير اتجاه الهجرة مرة أخرى. فكلما أُغلقت بوابة، فتحت الهجرة بوابة أخرى.
اتجهت الطرق نحو الجنوب: من العيون نحو جزر الكناري، ثم طرفاية والداخلة، ثم طانطان وكلميم، وصولاً إلى محاولات الانطلاق من سواحل سوس، من مناطق مثل تيفنيت وسيدي بوالفضايل وتاكاط، حيث أصبح المحيط الأطلسي، بمساحاته الهائلة، طريقاً جديداً نحو المجهول.
إنه بحر الظلمات في صورته المعاصرة.
رحلات يقطع فيها الشباب آلاف الكيلومترات، ويواجهون الصحراء والعطش والاستغلال وشبكات الاتجار بالبشر، قبل أن يصلوا إلى نقطة الانطلاق. ثم تبدأ رحلة أخرى أكثر خطورة: رحلة البحر. بعضهم يصل، وبعضهم يعود، وبعضهم يختفي في عرض المحيط دون أن يصل حتى خبر وفاته إلى أسرته.
وهنا تبرز خصوصية موقع المغرب في معادلة الهجرة الإفريقية. فالمغرب أصبح، بحكم موقعه الجغرافي، إحدى آخر المحطات الإفريقية قبل أوروبا. شباب من بلدان إفريقية متعددة يقطعون مسافات شاسعة للوصول إليه، حاملين حلماً واحداً: الوصول إلى الضفة الأخرى، إلى ما يتخيلونه فردوساً مفقوداً.
وفي هذه الرحلة تظهر شبكات الوسطاء والمتاجرين بالبشر، الذين يحولون حاجة الإنسان إلى الربح، ويحولون الحدود إلى سوق، والحلم إلى تجارة، واليأس إلى مصدر للثروة.
لكن المفارقة الكبرى تكمن في مكان آخر.
فأوروبا تسعى إلى منع وصول المهاجرين الذين لا تحتاج إليهم، لكنها في الوقت نفسه تفتح أبوابها أمام نوع آخر من الهجرة: هجرة الكفاءات.
تحتاج أوروبا إلى الطبيب والممرض والمهندس والمتخصص في المعلوميات والطاقة والقطاعات التقنية، وتوفر له فرص العمل والإقامة والاندماج. وهنا نصل إلى واحدة من أخطر مفارقات الهجرة المعاصرة: الهجرة غير النظامية تُمنع، بينما الهجرة الانتقائية للكفاءات تُشجَّع عندما تكون مفيدة للاقتصاد الأوروبي.
أما بلدان الجنوب، فقد أنفقت من المال العام سنوات طويلة على تعليم هؤلاء الشباب وتكوينهم. الدولة والأسرة والمدرسة والجامعة والمجتمع يستثمرون في تكوين الطبيب والمهندس والممرض والباحث، ثم يأتي سوق العمل الأوروبي ليستفيد من هذا الاستثمار.
إنها، في جانب منها، عملية استنزاف للطاقات البشرية وهجرة للأدمغة، خصوصاً عندما تكون البلدان الأصلية في أمسّ الحاجة إلى هذه الكفاءات لبناء أنظمتها الصحية والتعليمية والاقتصادية.
ومن هنا، فإن قضية الهجرة لا يمكن اختزالها في مراقبة الحدود.
الحدود مهمة، وحماية الحدود مسؤولية الدولة، لكن الحدود وحدها لا تصنع الاستقرار. يمكن أن نبني الأسوار ونزيد المراقبة ونضاعف الدوريات، لكن إذا ظل الشباب يشعر بأن مستقبله مسدود، فإن الطريق سيظل يبحث عن منفذ جديد.
وقد تكون وسائل التواصل الاجتماعي قد جعلت هذا الأمر أكثر خطورة. فدعوة مجهولة على فيسبوك أو رسالة قصيرة أو مقطع فيديو قد تتحول، في لحظة، إلى شرارة تدفع عشرات أو مئات الشباب إلى التفكير في الرحيل الجماعي.
ومن حق الدولة أن تتحرى في الجهات التي تقف وراء هذه الدعوات، ومن الطبيعي أن تبحث الأجهزة المختصة في أي تدخلات أو محاولات للتلاعب بالشباب. كما أن المغرب يعيش منذ عقود توترات إقليمية مع جاره الشرقي، ولا يمكن تجاهل البعد الجيوسياسي في بعض الملفات.
لكن اختزال كل شيء في نظرية المؤامرة سيكون خطأً سياسياً واجتماعياً.
فحتى لو وجدت أيادي خارجية تستغل غضب الشباب أو تحاول توظيفه، فإن السؤال الأساسي يبقى قائماً: لماذا يستطيع خطاب مجهول أن يجد صدى لدى هؤلاء الشباب؟
إن الإجابة تبدأ من إعادة بناء الثقة.
نحتاج اليوم إلى مناظرة وطنية حقيقية حول علاقة الدولة بالشباب، وحول العمل والكرامة والأجور والعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص. نحتاج إلى أن يشعر الشاب بأن وطنه ليس مجرد مكان ولد فيه، وإنما فضاء يستطيع أن يبني فيه مستقبله.
الوطن يحتاج إلى أبنائه، لكنه قبل ذلك يحتاج إلى أن يصالح أبناءه.
والشباب لا يحتاج إلى الخطب والشعارات بقدر ما يحتاج إلى فرصة حقيقية. يحتاج إلى عمل يحفظ كرامته، وأجر يضمن له العيش، ومؤسسة تحمي حقوقه، ومسؤول يستمع إليه، ومسار واضح للترقي الاجتماعي.
وهنا تبرز مسؤولية المشغل أيضاً. يجب إعادة بناء العلاقة بين رب العمل والعامل، بين «الباطرونا» واليد العاملة، على أساس الحقوق والواجبات والاحترام المتبادل. فالشاب الذي يجد عملاً كريماً ومستقبلاً واضحاً لن يكون من السهل إقناعه بأن مستقبله لا يوجد إلا خلف البحر.
لقد آن الأوان للانتقال من لغة الخشب إلى لغة صريحة وواضحة، ومن الشعارات العامة إلى دولة المؤسسات، ومن الاحتضان الموسمي للشباب إلى سياسات عمومية دائمة.
إن مراقبة الحدود جزء من مسؤولية الدولة، لكنها ليست كل مسؤولية الدولة.
المعركة الحقيقية تبدأ قبل الحدود: في المدرسة، والجامعة، وسوق الشغل، والأسرة، والحي، والقرية، والمدينة. تبدأ عندما يشعر الشاب بأن صوته مسموع، وأن مستقبله ممكن، وأن كرامته مصانة.
وعندما يتحقق ذلك، ستتغير علاقة الشباب بالحدود.
سيصبح السفر اختياراً لا هروباً، واكتشافاً لا فراراً، وسياحةً وطلباً للمعرفة والعمل والخبرة، لا محاولة يائسة للنجاة من واقع يعتقد صاحبه أنه لا يمنحه مكاناً.
تلك هي المعادلة الحقيقية: أن نحمي الحدود، نعم، ولكن قبل ذلك أن نحمي الإنسان؛ وأن نحمي الوطن، لا بإغلاق أبوابه، وإنما بجعله وطناً يحب أبناءه فيحبونه، ويمنحهم ما يجعلهم يختارون البقاء فيه دون أن يشعروا بأنهم سجناء داخله.
- الدكتور خالد ألعيوض مدير مرمز تاوسنا للدراسات والأبحاث
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



