
مئة حكاية وحكاية للتأريخ لقرن من الهجرات السوسية الرسائل الصوتية… حين أصبح صوت المهاجر بريدًا بين سوس وفرنسا
- د. خالد ألعيوض //
لم تكن الهجرة السوسية في بداياتها مجرد انتقال من قرية جبلية إلى بلد أوروبي بعيد، بل كانت أيضًا تجربة قاسية في مواجهة المسافة والصمت والانتظار. وبينما كان المهاجر يغادر القرية بحثًا عن العمل، كانت أسرته تبقى هناك، معلقة بين خبر يصل وقد يتأخر، ورسالة قد تستغرق شهورًا، وحوالة مالية قد تكون أحيانًا العلامة الوحيدة على أن الغائب ما زال يتذكر أهله.
بالنسبة إلى كثير من المهاجرين الذين لم تتح لهم فرصة تعلم القراءة والكتابة، كانت المسألة أكثر تعقيدًا. فقد كانت الرسالة المكتوبة تحتاج إلى شخص يكتبها في بلد المهجر، وشخص آخر يقرأها في القرية. وكان فقيه القرية، في كثير من المناطق، هو من يقوم بمهمة قراءة الرسائل القادمة من فرنسا. لم تكن المراسلات كثيرة؛ فقد لا تصل إلى الأسرة سوى رسالتين أو ثلاث خلال السنة، وقد تستغرق الرسالة في بعض الأحيان أسابيع أو أشهرًا قبل أن تصل إلى صاحبها.
كانت الرسالة تبدأ رحلتها من فرنسا، ثم تمر عبر البريد الدولي، فالبريد المحلي، ثم الإدارة والقيادة، قبل أن تصل إلى مقدم القرية الذي قد لا يأتي إلى الدوار إلا مرة في الأسبوع أو كل أسبوعين. وقد تبقى الرسالة عنده أيامًا قبل أن تصل إلى صاحبها. وأحيانًا كان حاملها نفسه لا يقرأ، فيبحث عن شخص آخر يستطيع قراءتها.
كان الطريق طويلًا، وكانت المسافة الجغرافية تتحول إلى مسافة عاطفية.
ثم ظهرت آلة الكاسيت في أواسط سبعينيات القرن الماضي، فبدت وكأنها اختراع بسيط، لكنها بالنسبة إلى المهاجرين وأسرهم كانت ثورة حقيقية في التواصل.
اشترى المهاجرون أجهزة التسجيل الصغيرة، وفي كثير من الأحيان كانوا يشترون جهازين: واحدًا يبقى في فرنسا داخل الغرفة التي يسكنها المهاجر، أو في الغرفة المشتركة التي يتقاسمها أربعة أو ستة أو ثمانية مهاجرين من المنطقة نفسها، والثاني يرسل إلى الأسرة في القرية. وكانت الأشرطة الفارغة تتحول إلى ما يشبه الرسائل، لكن هذه المرة رسائل لها صوت.
كان المهاجر يجلس أمام الجهاز ويسجل حديثه كما لو أنه يجلس أمام والده أو أمه أو زوجته وأبنائه. يخبرهم عن أحواله، وعن العمل، وعن البرد القارس، وعن الغربة، وعن تفاصيل الحياة اليومية في فرنسا. لكنه كان يفعل شيئًا أهم من نقل الأخبار: كان يرسل صوته.
وكان الصوت، بالنسبة إلى الأسرة، حضورًا حقيقيًا.
في البداية كان الأجداد يحتفظون بالجهاز والأشرطة، ثم يجتمع أفراد الأسرة حوله للاستماع إلى صوت الأب أو الابن أو الزوج الغائب. يتحلقون حول الجهاز في صمت، وكأن المسافة بين القرية وفرنسا تختفي لبضع دقائق. كان صوت المهاجر يدخل البيت، فيحضر معه عالم الغربة والعمل والحنين والاشتياق.
وهكذا بدأت الرسائل الصوتية تؤدي وظيفة تتجاوز التواصل. لقد بدأت تذيب شيئًا من جليد الغربة.
وكانت رحلة هذه الأشرطة في حد ذاتها جزءًا من تاريخ الهجرة. ففي البداية كان المتقاعدون الأوائل، الذين يعودون إلى قراهم مرتين أو ثلاث مرات في السنة، يقومون بدور «ساعي البريد المهاجر». يحمل أحدهم شريطًا، وربما بعض المال، ويصل إلى القرية فتنتظره الأسر بشوق. ثم تطورت الوسائل، وأصبحت الأشرطة تُرسل عبر الحافلات ووسائل النقل الدولي التي بدأت تربط مدن الهجرة بالمدن السوسية. وكانت محطة تيكوين، بما عرفته من خطوط تربط أكادير بالمدن الأوروبية مثل أمستردام وبروكسيل وباريس، إحدى فضاءات هذه الحركة الجديدة بين بلد المهجر وبلد الأصل.
لكن أجمل ما في الرسائل الصوتية أنها لم تكن دائمًا تحمل الأخبار السعيدة.
أحيانًا كان الشريط يحمل عتابًا، وأحيانًا غضبًا، وأحيانًا كان يحمل ما لم تستطع الرسالة المكتوبة أن تقوله.
ومن بين الحكايات التي تؤكد قوة هذا الوسيط قصة مهاجر غادر إلى فرنسا في بداية الستينيات، ثم انقطعت أخباره عن أسرته لما يقارب عشر سنوات. ترك زوجة وأبناء، ولم يعد يتواصل معهم إلا نادرًا، بل لم يكن يرسل إليهم حتى الحوالات المالية التي يحتاجون إليها.
كان أصدقاؤه يحثونه على العودة، لكنه كان قد اندمج في حياته الجديدة، وكأن القرية والأسرة أصبحتا شيئًا من الماضي.
ذات يوم زاره أحد أصدقائه، وكان يحمل معه جهاز تسجيل صغيرًا أخفاه تحت جلبابه. جلس مع أبناء الرجل وبدأ يسجل حديثهم، وطرح عليهم أسئلة عن أبيهم. لم تكن الإجابات دبلوماسية. كان الابن غاضبًا، يتحدث عن الجوع والفقر، ويقول إنهم لولا أمهم لضاعوا وتشردوا. كان صوت الطفل يحمل كل سنوات الغياب والحرمان.
حمل الصديق الشريط معه إلى فرنسا، وقدمَه إلى المهاجر.
وكان الرجل من محبي الرايس سعيد أشتوك، فقال له صديقه إنه أحضر له شريطًا نادرًا، وكأنه سهرة أو تسجيل من حفلات سعيد أشتوك. طلب منه أن يستمع إليه وحده.
في الليل، وضع المهاجر الشريط في الجهاز.
لكنه لم يسمع أغنية.
سمع أبناءه.
سمع غضبهم، وسمع فقرهم، وسمع سنوات غيابه. وفي تلك اللحظة تحولت الرسالة الصوتية إلى مرآة وضعته أمام حياته الماضية. شعر بالذنب، وبأنه ترك خلفه أسرة كان يفترض أن يحميها.
بكى.
وكان ذلك البكاء بداية العودة.
عاد إلى المغرب في تلك السنة، وفي السنة التالية استكمل الإجراءات وأخذ أبناءه إلى فرنسا. تمكنوا لاحقًا من بناء حياتهم، ودخل بعضهم الوظيفة، وبنوا بيتًا جميلًا في القرية. أما الأم، فقد ظلت طوال سنوات الغياب الطرف الذي تحمل العبء الأكبر من الأسرة.
لم يكن الشريط مجرد رسالة.
لقد كان، في هذه الحالة، وسيلة لإنقاذ أسرة بأكملها من الضياع.
الكاسيت… حين هاجر الشعر أيضًا
لم تكن الرسائل الصوتية وحدها هي التي استفادت من ظهور الكاسيت. فقد دخلت هذه التكنولوجيا أيضًا إلى قلب الثقافة الأمازيغية، وخصوصًا عالم الشعر وفن القول.
فالمجتمع الأمازيغي السوسي كان مجتمعًا شديد الارتباط بالشعر وبفن الإنشاد والمناظرة. وكان «أسايس» فضاءً اجتماعيًا وثقافيًا تتقاطع فيه الحياة اليومية بالفرجة والشعر والغناء. وفي مواسم الحصاد والدراس، كان الفضاء يتحول من مكان للعمل إلى فضاء للاجتماع والمتعة والتناظر.
ومع الهجرة من الجبال إلى المدن، هاجر «أسايس» أيضًا. انتقل المكان الرمزي من القرية إلى المدن، وظهرت فضاءات مشابهة في إنزكان وتيزنيت وغيرها. ثم جاءت الهجرة إلى فرنسا، فهاجر الشعراء بدورهم.
ومن أبرز هؤلاء الرايس إبراهيم بهتي، المعروف بقوة شعره وبنقده الاجتماعي اللاذع. وفي المرحلة نفسها برز الحاج محمد الدمسيري، المعروف بـ«ألبنسير»، الذي أصبح واحدًا من أبرز شعراء أنضام في سوس.
كان من الطبيعي أن تنشأ بين كبار الشعراء مناظرات شعرية. غير أن المسافة هذه المرة فرضت وسيلة جديدة. لم يعد الشاعر يحتاج إلى أن يكون أمام خصمه في «أسايس». أصبح بإمكانه أن يرسل إليه قصيدته عبر شريط كاسيت.
وهكذا تحول الشريط من وسيلة لتبادل أخبار الأسر إلى منصة للمناظرة الشعرية.
كان ألبنسير يرسل شريطًا، فيرد عليه بهتي. وكان إبراهيم بهتي، الذي اشتغل في مصنع «سيتروين» بفرنسا، يكتب قصائده وأجوبته عندما يجد الوقت والمتسع لذلك. وكانت القصيدة تنتقل من فضاء المصنع إلى الشريط، ومن الشريط إلى الأسواق، ثم إلى آلاف المستمعين.
كانت تلك الأشرطة تباع في الأسواق وبأعداد كبيرة، من دون نظام واضح لحماية حقوق المؤلفين كما نعرفه اليوم. وتحولت المناظرات بين ألبنسير وبهتي إلى مادة ثقافية يتداولها الناس في المغرب وبين أفراد الجالية.
ثم انتهت المناظرة بالمصالحة، وتحولت الخصومة الشعرية إلى صداقة وتقدير متبادل. ورثى إبراهيم بهتي ألبنسير بعد وفاته بقصيدة مؤثرة، اعترف فيها بمكانته الشعرية والعلمية وبما كان يكنه له من احترام وتقدير.
هكذا لم يكن الكاسيت مجرد جهاز تقني.
لقد أصبح مسرحًا جديدًا للشعر الأمازيغي.
من رسالة عائلية إلى أرشيف للذاكرة
اليوم، وبعد مرور عقود على تلك المرحلة، تبدو الأشرطة الصوتية أكثر أهمية مما كانت عليه يوم سجلت.
فالكثير منها ضاع. بعضها تلف، وبعضها ألقي في القمامة، وبعضها ما زال محفوظًا في صناديق الأسر دون أن يعرف أصحابها قيمته.
لكن الشريط القديم قد يحمل أكثر مما نعتقد.
قد يحمل حكاية أسرة، أو صوت أب يخاطب أبناءه، أو أمًا تسأل عن ابنها، أو حديثًا عن العمل في فرنسا، أو عن الأسعار، أو عن العملة، أو عن ثمن مواد البناء والمواد الغذائية، أو عن ظروف السكن والعمل. وقد يسجل تفاصيل صغيرة تبدو عادية بالنسبة إلى من عاشها، لكنها تصبح بعد نصف قرن وثيقة تاريخية لا تقدر بثمن.
إنها مصادر لدراسة الحياة اليومية، والهجرة، والأسرة، والاقتصاد، واللغة، والعلاقات الاجتماعية، وأنماط التفكير، ومشاعر الغربة والانتماء.
ومن هنا فإن الرسائل الصوتية ليست مجرد وثائق عائلية؛ إنها جزء من الذاكرة الاجتماعية للهجرة السوسية.
كل شريط قد يكون شهادة.
وكل صوت قد يكون وثيقة.
وكل صمت بين كلمات المهاجر قد يخفي قصة.
لهذا فإن جمع هذه الأشرطة ورقمنتها وحفظها، إلى جانب الصور والرسائل والوثائق والحكايات الشفوية، ينبغي أن يكون جزءًا من مشروع أوسع لإنشاء فضاء لذاكرة الهجرة. فضاء لا يحفظ الأشياء في خزائن مغلقة فقط، بل يجعلها متاحة للباحثين وللأجيال الجديدة، حتى تتمكن من الاستماع إلى أصوات من سبقوها وفهم عالم عاشه الآباء والأجداد.
لقد كانت الهجرة في البداية رحلة عبر الحدود.
ثم أصبحت شبكة من العلاقات بين قريتين وبلدين.
واليوم أصبحت أيضًا ذاكرة تحتاج إلى من ينقذها من النسيان.
فالرسائل الصوتية التي ذابت من خلالها المسافات بين سوس وفرنسا، يمكن أن تصبح غدًا جسرًا آخر بين الماضي والحاضر.
للهجرة ذاكرة، وإذا لم نوثقها ونحميها اليوم، فقد تضيع إلى الأبد.
الدكتور خالد ألعيوض مدير مركز تاوسنا للدراسات والأبحاث
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



