الرأيالمغرب اليوم

ثورة الملك والشعب… من المنفى إلى الصحراء

  • بقلم محجوب البرش السباعي //

تحظى ثورة الملك والشعب، المرتبطة بأحداث 20 غشت 1953، بمكانة مركزية في التاريخ السياسي للمغرب الحديث، وقد تناولتها الكتابات التاريخية والوطنية من زوايا متعددة، خصوصا من خلال إبراز التلاحم بين العرش والحركة الوطنية والمقاومة في مواجهة الاستعمار الفرنسي.

غير أن هذه المقالة تقترح قراءة مختلفة للحدث، تنطلق من التناقضات التي طبعت السياسة الاستعمارية الفرنسية والإسبانية تجاه المغرب. فنفي السلطان محمد الخامس وعزله لم يكن مجرد قرار فرنسي لإعادة ترتيب السلطة، بل كان لحظة كشفت اختلاف حسابات القوتين الاستعماريتين، وفتحت أمام المقاومة المغربية، في مراحل لاحقة، هامشا للمناورة والحركة امتد من شمال المغرب إلى المجال الصحراوي والمناطق الواقعة تحت السيطرة الفرنسية في موريتانيا وأدرار.

في 20 غشت 1953، أقدمت سلطات الحماية الفرنسية على نفي السلطان محمد الخامس وتنصيب محمد بن عرفة مكانه، في محاولة لإعادة صياغة المعادلة السياسية المغربية وفصل المؤسسة السلطانية عن الحركة الوطنية. غير أن النتيجة جاءت بعكس الحسابات الفرنسية؛ فقد تحول النفي إلى عامل تعبئة للمقاومة، وأصبح السلطان في المنفى رمزا للشرعية الوطنية، بينما أخذت الحركة المناهضة للاستعمار تتسع وتتخذ أشكالا أكثر تنظيما.

ولفهم ما جرى بعد ذلك، لا بد من استحضار طبيعة المغرب الاستعمارية آنذاك. فقد كانت فرنسا تسيطر على القسم الأكبر من البلاد، بينما كانت إسبانيا تدير مناطق في الشمال والجنوب، وكانت طنجة تتمتع بوضع دولي خاص. ولذلك لم تكن المصالح الفرنسية والإسبانية متطابقة، رغم اشتراك القوتين في المشروع الاستعماري.

ومن هنا اكتسب نفي محمد الخامس بعدا يتجاوز العلاقة بين السلطان وفرنسا. فقد فوجئت مدريد بالقرار الفرنسي ولم تتعامل معه باعتباره واقعا ينبغي التسليم به، ورفضت الاعتراف بمحمد بن عرفة في المنطقة الخاضعة لها، واستمر حضور اسم محمد الخامس في المجال الديني والسياسي. ولم يكن هذا الموقف تعبيرا عن تبن إسبانيا للمشروع الوطني المغربي، بقدر ما كان جزءا من حساباتها الخاصة في مواجهة النفوذ الفرنسي والمنافسة على المجال المغربي.

وهذه نقطة أساسية في فهم المرحلة؛ فإسبانيا لم تكن قوة مناهضة للاستعمار، وإنما كانت قوة استعمارية أخرى لها مصالحها وأهدافها. غير أن التنافس بين قوتين استعماريتين يمكن، في ظروف معينة، أن يخلق للمقاومة هامشا للحركة لم يكن متاحا لو كان المستعمران يتحركان وفق سياسة موحدة.

مع تصاعد المقاومة عقب نفي السلطان، ظهر جيش التحرير المغربي بوصفه أحد أبرز أشكال الكفاح المسلح. وفي هذه المرحلة بدأت الحدود التي رسمتها الإدارات الاستعمارية الفرنسية والإسبانية تفقد جزءا من فعاليتها، خصوصا في المجال الصحراوي، حيث كانت الروابط القبلية والاجتماعية والتجارية تتجاوز الحدود التي فرضتها الإدارات الاستعمارية.

وأصبح المجال الصحراوي جنوبا مجالا عملياتيا أتاح للمقاومة إمكانات مختلفة للحركة والمناورة. وتشير تقارير معاصرة إلى أن عناصر من جيش التحرير استخدمت المجال الخاضع لإسبانيا في الصحراء للتحرك نحو المناطق الواقعة تحت السيطرة الفرنسية، ولا سيما موريتانيا. كما رصدت الصحافة الفرنسية آنذاك تحركات للمقاومة انطلاقا من منطقة وادي الذهب باتجاه الأراضي الموريتانية، مع اتهامات فرنسية للسلطات الإسبانية بالتسامح مع بعض هذه التحركات التي امتدت إلى منطقة أدرار، الواقعة آنذاك ضمن المجال الموريتاني الخاضع للسيطرة الفرنسية.

وتكتسب هذه المعطيات أهميتها من كونها تكشف أن المقاومة لم تكن محكومة بالحدود الاستعمارية نفسها التي كانت تحكم الإدارة. فقد استطاعت أن تستفيد من طبيعة المجال الصحراوي ومن التنافس الفرنسي الإسباني، وأن تجعل من المناطق الواقعة تحت السيطرة الإسبانية مجالا للمناورة في مواجهة الوجود الفرنسي جنوبا.

ولذلك فإن الحديث عن موقف إسبانيا يحتاج إلى قدر من الدقة. لم تكن مدريد تدعم المقاومة المغربية باعتبارها مشروعا للتحرر الوطني، ولم تكن طرفا في تحالف معها، وإنما بدا أن هناك، في مرحلة معينة، **تسامحا براغماتيا مع نشاط كان موجها أساسا ضد المصالح الفرنسية**. وكانت مصلحة إسبانيا تقتضي إضعاف النفوذ الفرنسي دون الدخول في مواجهة مباشرة مع المقاومة ما دامت عملياتها لا تستهدف المصالح الإسبانية.

نشأ بذلك تقاطع مؤقت بين مصلحتين مختلفتين: كانت المقاومة تبحث عن المجال الذي يسمح لها بمواجهة الاستعمار، وكانت إسبانيا ترى في الضغط على فرنسا مكسبا في صراعها معها. لم يكن الأمر تحالفا استراتيجيا، وإنما استفاد كل طرف، في مرحلة محددة، من تناقض مصالح الطرف الآخر.

لكن هذا التقاطع كان محكوما بحدوده. فمع انتقال عمليات جيش التحرير إلى استهداف المواقع والمصالح الإسبانية في إفني والصحراء، تغيرت حسابات مدريد. المقاومة التي كان يمكن التسامح مع بعض تحركاتها عندما كانت تضغط على فرنسا أصبحت، عندما اقتربت من المصالح الإسبانية، تهديدا مباشرا للوجود الاستعماري الإسباني.

عندها انتقلت العلاقة من التسامح إلى المواجهة، وأصبحت الصحراء مسرحا تتقاطع فيه ثلاثة رهانات: مشروع المقاومة المغربية، والمصالح الفرنسية في موريتانيا، والمصالح الإسبانية في إفني والصحراء.

في هذه اللحظة تحديدا تبرز عملية إيكوفيون، أو «المكنسة»، سنة 1958 باعتبارها نقطة تحول حاسمة. فقد كشفت العملية أن التنافس الفرنسي الإسباني، الذي كان قد وفر للمقاومة هامشا من الحركة، يمكن أن يتحول إلى تنسيق عسكري عندما تصبح المصالح الاستعمارية للطرفين مهددة في الوقت نفسه.

بدأت العملية في فبراير 1958 بتنسيق عسكري فرنسي إسباني واسع، شاركت فيه قوات برية وجوية من الطرفين. وكانت فرنسا معنية خصوصا بحماية موريتانيا ومجالها في غرب إفريقيا، بينما كانت إسبانيا تسعى إلى استعادة السيطرة على المناطق التي أصبحت مهددة من طرف جيش التحرير.

وهنا تكمن القيمة التحليلية لإيكوفيون: فهي لم تكن مجرد حملة عسكرية ضد المقاومة، بل كانت لحظة انكشف فيها الحد الفاصل بين التنافس الاستعماري والتعاون الاستعماري. فعندما كانت فرنسا وإسبانيا تتنافسان على النفوذ، استطاعت المقاومة أن تستفيد من التناقض بينهما؛ وعندما أصبحت مصالحهما الأساسية مهددة، انتقلتا إلى التنسيق العسكري.

وبذلك أصبحت الصحراء أكثر من مجرد مسرح للعمليات. فقد تحولت إلى مجال تتصارع فيه تصورات مختلفة للسيادة والجغرافيا: إدارة استعمارية تريد تثبيت حدود نفوذها، ومقاومة تتعامل مع المجال الصحراوي باعتباره فضاء متصلا بالامتدادات التاريخية والاجتماعية والسياسية للمغرب.

وتكتسب هذه المرحلة أهمية إضافية لأن المغرب كان قد استعاد استقلاله عن فرنسا سنة 1956، في حين ظل الوجود الإسباني قائما في مناطق من الجنوب. ولذلك لم يكن الاستقلال نهاية فورية لكل مظاهر الصراع المرتبط بالإرث الاستعماري، بل انتقلت بعض القضايا من مرحلة مقاومة الحماية الفرنسية إلى مرحلة استكمال السيادة على المجالات التي بقيت خارج الدولة المغربية المستقلة.

وفي هذا السياق جاءت اتفاقية سينترا في أبريل 1958، التي أنهت الوجود الإسباني في منطقة طرفاية، بينما بقيت إفني والصحراء الإسبانية خارج ذلك الاتفاق. ثم انتهى الوجود الإسباني في إفني سنة 1969، وفي الصحراء سنة 1975.

وهذا التسلسل مهم لأنه يبين أن عملية إيكوفيون، رغم نتائجها العسكرية، لم تغلق الملف السياسي والجغرافي الذي كانت الصحراء جزءا منه. فالقوة العسكرية استطاعت أن تضرب البنية الميدانية للمقاومة، لكنها لم تستطع وحدها أن تحسم الأسئلة المتعلقة بالسيادة والمجال التي كانت تتجاوز حدود المعركة.

ومن هنا تبدو ثورة الملك والشعب أوسع من الرواية التي تختزلها في يوم نفي السلطان ثم عودته. فالنفي كان لحظة أطلقت دينامية سياسية ومقاوماتية امتدت آثارها إلى فضاءات متعددة، وأظهرت في الوقت نفسه أن النظام الاستعماري لم يكن كتلة واحدة متجانسة.

لقد تداخلت الشرعية السلطانية مع الحركة الوطنية، وتداخل الكفاح المسلح مع التنافس الفرنسي الإسباني، وتداخل المجال الصحراوي مع الصراع على موريتانيا وأدرار، ثم انتهى الأمر إلى مواجهة عسكرية مشتركة بين فرنسا وإسبانيا عندما أصبحت المقاومة تهدد مصالحهما معا.

ومن هذه الزاوية، فإن نفي محمد الخامس يمثل نقطة انطلاق لمسار أكثر تعقيدا مما توحي به الرواية التقليدية. أرادت فرنسا من خلاله إعادة إنتاج الشرعية وفق مصالحها، فإذا بالسلطان يتحول إلى رمز أقوى للشرعية الوطنية. وأرادت أن تحصر المقاومة داخل مجال نفوذها، فإذا بالمقاومة تستفيد من التناقض بين المجالين الفرنسي والإسباني. وعندما اتسعت عملياتها وأصبحت المصالح الإسبانية والفرنسية معا في مرمى المواجهة، تحول التنافس بين المستعمرين إلى تنسيق عسكري.

إن هذه القراءة لا تنتقص من الدور المركزي للعرش والحركة الوطنية والمقاومة الشعبية، وإنما تضيف إلى الرواية الوطنية بعدا تفسيريا يضع الأحداث داخل بيئتها الاستعمارية والإقليمية. ففهم المقاومة لا يقتصر على دراسة قوتها الذاتية، وإنما يقتضي أيضا فهم البيئة التي تحركت فيها، والخصوم الذين واجهتهم، والتناقضات التي استطاعت استثمارها.

وهنا تتجلى إحدى أهم دلالات ثورة الملك والشعب: أن المقاومة لم تواجه الاستعمار فقط، بل واجهت أيضا تناقضاته. فقد أدركت، عمليا، أن القوى الاستعمارية ليست دائما على قلب واحد، وأن اختلاف مصالحها يمكن أن يتحول إلى هامش للمناورة.

غير أن التاريخ أظهر في الوقت نفسه حدود هذا الهامش. فعندما أصبحت المقاومة تهدد المصالح المشتركة، استطاعت القوى الاستعمارية أن تتجاوز خلافاتها وأن تتعاون ضدها. وكانت إيكوفيون التعبير العسكري الأوضح عن هذا التحول.

ومن ثم فإن المسار الممتد من 20 غشت 1953 إلى إيكوفيون سنة 1958 يمكن قراءته باعتباره مسارا واحدا: نفي السلطان، أزمة الشرعية، تصاعد المقاومة، استثمار التناقض الفرنسي الإسباني، امتداد الكفاح إلى المجال الصحراوي والمناطق الفرنسية في موريتانيا وأدرار، ثم انتقال المستعمرين من التنافس إلى التنسيق العسكري.

هذه القراءة تجعل من ثورة الملك والشعب أكثر من مناسبة لاستحضار الماضي أو الاحتفاء بذكرى وطنية. إنها تكشف عن لحظة تاريخية تفاعلت فيها الشرعية والمقاومة والجغرافيا والتنافس الاستعماري في مسار واحد، وتوضح كيف استطاعت الحركة الوطنية المغربية أن تحول قرارا استعماريا يراد منه إضعافها إلى عامل من عوامل اتساعها.

لقد أرادت فرنسا أن تجعل من نفي محمد الخامس نهاية لدوره السياسي، فتحول النفي إلى مصدر جديد للشرعية الوطنية. وأرادت القوى الاستعمارية أن تجعل من الحدود وسيلة للضبط، فإذا بالمقاومة تستفيد من المساحات الواقعة بين مناطق النفوذ. وحين حاولت فرنسا وإسبانيا إغلاق هذه المساحات عسكريا في إيكوفيون، كانت القضية الوطنية قد تجاوزت بالفعل حدود المواجهة العسكرية لتصبح قضية شرعية وسيادة ومجال.

لهذا، فإن استحضار ثورة الملك والشعب اليوم لا ينبغي أن يقتصر على إعادة إنتاج الرواية الاحتفالية نفسها، بل يمكن أن يكون مناسبة لإعادة قراءة مرحلة مفصلية من تاريخ المغرب بعين أكثر تركيباً: كيف واجه المغاربة الاستعمار، وكيف قرؤوا تناقضاته، وكيف تحولت الحدود التي رسمها المستعمر إلى فضاءات للمقاومة، وكيف اضطر المستعمرون أنفسهم في النهاية إلى التنسيق عندما أدركوا أن المشروع الوطني المغربي لم يعد قابلا للاحتواء.

ومن هنا تستمد ذكرى 20 غشت قوتها التاريخية المتجددة: ليس فقط لأنها تستحضر لحظة رفض المغاربة نفي سلطانهم، وإنما لأنها تذكر بأن مسار التحرر كان أيضا صراعا على الشرعية، وعلى المجال، وعلى القدرة على تحويل تناقضات الخصم إلى عناصر قوة في معركة استعادة السيادة.

* رئيس مركز رأس بوجدور للبحث و الدراسات

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
situs toto dentoto dentoto