المجتمع

مئة حكاية وحكاية للتأريخ لقرن من الهجرات السوسية: هجرة النساء ..الحاجة كلتومة أزروال أو حين كانت المرأة تعيش الهجرة قبل أن تعبر الحدود

  • د. خالد ألعيوض*  //

تختلف حكايات الهجرة بين الرجال والنساء، وإن كانت الهجرة في بداياتها تبدو، في كثير من الأحيان، قرارًا رجاليًا بامتياز. كان الرجل هو الذي يقرر الرحيل، وهو الذي يحمل حقيبته ويغادر القرية نحو المدن والمناجم والمصانع، بحثًا عن العمل والمال، وعن مستقبل أفضل للأسرة.

لذلك ظل الرجل حاضرًا بقوة في الرواية التقليدية للهجرة، بينما بقيت المرأة في الظل؛ زوجةً تنتظر، وأمًا تربي، وامرأةً تتحمل أعباء البيت والأرض، وكأنها لم تكن جزءًا من تجربة الهجرة إلا من بعيد.

لكن وراء كل مهاجر كانت هناك امرأة.

امرأة لم تعبر الحدود في البداية، لكنها عاشت الهجرة بكل أثقالها. عاشت الغياب، والانتظار، والمسؤولية، والخوف، وتربية الأبناء، ثم، في مرحلة لاحقة، عبرت الحدود هي أيضًا لتكتشف أن الهجرة لا تنتهي بالوصول، بل تبدأ هناك تجربة أخرى من الاغتراب والعزلة.

ومن بين هذه الحكايات تبرز حكاية الحاجة كلتومة أزروال، ابنة قرية أكني إزدار، باعتبارها واحدة من الحكايات التي تسمح لنا بأن نعيد النظر في تاريخ الهجرة من زاوية المرأة.
زوجة مهاجر في السابعة عشرة

كانت كلتومة في السابعة عشرة من عمرها عندما تزوجت. كان زوجها شابًا هو الآخر، لا يكبرها إلا بثلاث أو أربع سنوات. لم يمض على زواجهما سوى وقت قصير حتى اختار الزوج طريق الرحيل، والتحق بالمهاجرين المتجهين إلى فرنسا، رفقة فيليكس موغا، للعمل في أعماق الأرض، في المناجم، بحثًا عن المال الذي يسمح له ببناء مستقبل أسرته.
كان الرجل يغادر، وكانت المرأة تبقى.لكن البقاء لم يكن راحة.

مئة حكاية وحكاية للتأريخ لقرن من الهجرات السوسية: هجرة النساء ..الحاجة كلتومة أزروال أو حين كانت المرأة تعيش الهجرة قبل أن تعبر الحدود - اكادير اليوم

فبمجرد رحيل الزوج، وجدت كلتومة نفسها تنتقل من عالم الطفولة إلى عالم المسؤولية. أصبحت زوجة لمهاجر غير حاضر، تعيش في قرية جبلية لم تكن تعرف الكهرباء ولا الإنارة، وكان الماء فيها يحتاج إلى جهد يومي للوصول إليه من الساقية، بينما كان الطبخ يعتمد على الحطب الذي تجمعه النساء من الغابة.

كان يومها يبدأ بالأعمال المنزلية ولا ينتهي بها.

إعداد الطعام، والخبز بالطريقة التقليدية، والكنس، وجلب الماء والحطب، ثم الذهاب إلى الحقول. ومع غياب الرجال، لم تعد الحدود التقليدية بين «عمل المرأة» و«عمل الرجل» قائمة كما كانت. كانت كلتومة تشتغل إلى جانب الجد والأعمام في الأرض، وتشارك في الحرث وفي مختلف الأعمال الزراعية.

كان غياب الزوج يعيد توزيع الأدوار داخل الأسرة دون أن يعلن ذلك.

فالمرأة التي بقيت في القرية أصبحت، عمليًا، تحمل جزءًا كبيرًا من مسؤولية الأسرة واقتصادها اليومي.

عشر سنوات من الانتظار

كان الزوج يغيب عامًا، وأحيانًا أكثر. وقد تمتد فترة الغياب إلى سنتين، لأن المهاجر كان يحتاج إلى البقاء في فرنسا مدة أطول حتى يوفر المال الذي جاء من أجله.
وكانت كلتومة تنتظر.

انتظار الشهر الذي يعود فيه الزوج، وانتظار الهدايا التي يحملها معه، وانتظار لحظة تجمع الأسرة من جديد.
كانت عودته عيدًا صغيرًا للبيت، وفرحًا للعائلة كلها. لكنه كان يعود مرة أخرى إلى فرنسا، فيعود معه الانتظار.

وخلال هذه السنوات رزقت كلتومة بأطفال، فقدت إحدى بناتها، وظلت تربي أبناءها الثلاثة الآخرين.

عشر سنوات كاملة مرت وهي في القرية، بعيدة عن زوجها.
عشر سنوات من الحياة اليومية التي تبدو عادية لمن ينظر إليها من الخارج، لكنها كانت في حقيقتها حياة كاملة من الصبر والمسؤولية والعزلة. وكانت العزلة مضاعفة.

فهي لم تكن تعيش فقط بعيدًا عن الزوج، وإنما كانت أيضًا تعيش داخل منظومة اجتماعية تحكمها العادات والتقاليد. كانت تحت وصاية الجد، وحتى بيت أمها، رغم قربه، لم يكن مكانًا تستطيع الذهاب إليه متى شاءت. كانت الأعراف تحدد للمرأة حركتها وعلاقاتها، وتفرض عليها شكلًا من أشكال الانضباط الاجتماعي.

مئة حكاية وحكاية للتأريخ لقرن من الهجرات السوسية: هجرة النساء ..الحاجة كلتومة أزروال أو حين كانت المرأة تعيش الهجرة قبل أن تعبر الحدود - اكادير اليوم

وهكذا كانت الهجرة حاضرة في حياتها دون أن تكون قد غادرت القرية.

الشريط الذي كان يحمل صوت الغائب. في زمن لم يكن الهاتف فيه متاحًا إلا لدى عدد قليل من الأسر الغنية، كان المهاجرون يبحثون عن طرق أخرى للحفاظ على التواصل مع أسرهم.

وكان من أكثر هذه الوسائل ابتكارًا وانتشارًا الشريط الصوتي.

كان المهاجر يشتري جهاز تسجيل، وتشتري الأسرة جهازًا آخر في القرية، وتُقتنى أشرطة فارغة تنتقل بين فرنسا والمغرب. يسجل المهاجر صوته، ثم يرسل الشريط إلى أسرته، فتستمع إليه، وبعد ذلك تسجل الأسرة رسالتها على الشريط نفسه، ليعود من جديد إلى فرنسا.

كان الشريط يحمل أكثر من الأخبار. كان يحمل الصوت.
والصوت في زمن الغياب كان يعني الحضور.

كان الأطفال ينتظرون سماع صوت أبيهم، وكانت الزوجة تنتظر سماع صوته، وكان المهاجر بدوره ينتظر أصوات زوجته وأبنائه، وأخبار البيت والقرية والأقارب.

لم تكن الأشرطة وثائق رسمية، ولم تدخل في أرشيف الهجرة، وربما لهذا السبب لم تحظ بمكانتها في الكتابات التي تناولت تاريخ المهاجرين. فقد كانت جزءًا من الحياة الحميمة، من الأشياء التي تبقى داخل البيوت ولا يتحدث عنها الناس كثيرًا.

لكنها كانت جزءًا أساسيًا من الذاكرة.

فإذا كانت جوازات السفر تحفظ تاريخ الرحيل، وعقود العمل تحفظ تاريخ الاشتغال، والتحويلات المالية تحفظ تاريخ الاقتصاد، فإن أشرطة الكاسيت كانت تحفظ تاريخ المشاعر.
كانت تحفظ صوت الهجرة.

التجمع العائلي: هجرة ثانية بعد عشر سنوات، جاء التحول الكبير.

قرر الزوج الاستفادة من القرار الفرنسي المتعلق بالتجمع العائلي، ليأخذ زوجته وأبناءه الثلاثة إلى فرنسا. كان من بينهم الابن البكر محمد، الذي سيصبح لاحقًا أحد أهم رواة هذه الحكاية، لأنه استمع إليها مباشرة من والدته وحفظ تفاصيلها.
وهكذا انتهت مرحلة وبداَت أخرى.

كانت كلتومة قد عاشت الهجرة الأولى وهي في القرية، من خلال غياب الزوج.

أما الآن، فقد أصبحت مهاجرة هي الأخرى.

وصلت إلى فرنسا، ثم إلى شمالها الصناعي، إلى مدينة يوشي، لتجد نفسها فجأة في عالم مختلف تمامًا.
كانت الصدمة الأولى صدمة المكان.

بيت من الإسمنت، الكهرباء موجودة، والماء يخرج من الصنبور، والطبخ يتم بالغاز، وكل شيء مختلف عن البيت القروي الذي عاشت فيه سنوات طويلة.

كان العالم الجديد أكثر سهولة من الناحية المادية، لكنه كان أكثر صعوبة من الناحية الإنسانية.

فاللغة كانت حاجزًا حقيقيًا.

الجميع يتحدث الفرنسية، بينما كلتومة لا تعرف منها حتى نصف جملة.

أصبح البيت الذي جمع الأسرة من جديد بيتًا جميلًا من حيث المكان، لكنه كان بالنسبة إليها فضاءً جديدًا مجهولًا.
“لسنا في القرية، نحن في فرنسا”.

أما الأبناء، فقد التحقوا بالمدرسة وبدأوا يتعلمون اللغة ويتعرفون إلى المجتمع الجديد.

لكنهم حملوا معهم القرية.

كانوا يخرجون للعب كما كانوا يفعلون في تمازيرت، ويرتدون ملابس القرية، ويتصرفون بالطريقة التي اعتادوها هناك.

وكان الأب يذكرهم باستمرار: “لسنا في القرية، نحن في فرنسا.”
كان عليه أن يعلمهم أن الهجرة تعني أيضًا تعلم قواعد جديدة للحياة.

وكانت الأسرة كلها في الحقيقة تتعلم الهجرة من جديد.
عزلة البيت

كان الزوج يخرج إلى العمل في المنجم، والأبناء يذهبون إلى المدرسة، بينما تبقى كلتومة وحدها في البيت.

وهنا ظهرت صورة أخرى للعزلة.

في القرية كانت الوحدة مرتبطة بغياب الزوج، وفي فرنسا أصبح الزوج حاضرًا لكنه يغيب طوال ساعات العمل، وأصبح الأبناء قريبين منها جسديًا لكنهم يعيشون عالمًا آخر داخل المدرسة والمجتمع.

وكان التلفزيون مؤنسها الوحيد.

لكن حتى التلفزيون لم يكن قادرًا في البداية على كسر عزلتها؛ فالقنوات الفرنسية تتحدث بلغة لا تفهمها.

ثم جاءت نافذة صغيرة على الوطن: برنامج “موزاييك”، الذي كان معروفًا لدى المهاجرين، وكان يمنحهم فرصة للاستماع إلى بعض الأغاني والألحان الأمازيغية، ومنها أغاني تشلحيت.

كانت كلتومة تنتظر تلك الحصة.

كان الصوت القادم من بعيد يعيد إليها شيئًا من العالم الذي تركته وراءها.

الفيديو: تمازيرت داخل البيت الفرنسي
ثم جاء الفيديو.

كان بالنسبة إلى كلتومة أكثر من جهاز ترفيهي.

كان، كما لو أنه، قناة أمازيغية داخل البيت.

اشترى الزوج تلفازًا وجهاز فيديو، وبدأت الأشرطة تصل إلى البيت. أغاني الرايس ألبنسير، ثم فنانون وفنانات آخرون، من بينهم تالبنسيرت، وتاشنويت، وتباعمرانت، وغيرهم.

ثم جاءت الأفلام الأمازيغية: «تمغارت ءوورغ»، «بوتفوناست»، «موكير» وغيرها من الأفلام التي بدأت تنتشر بين الأسر المهاجرة.

أصبح البيت الفرنسي مملوءًا بأصوات تمازيرت وصورها وحكاياتها.

وحين كان يأتي ضيف من المغرب، كانت كلتومة تستقبله بالطعام واللوز والكرم الذي تعلمته في قريتها. لكن الضيف كان قد يجد، إلى جانب الطعام المغربي، شريطًا لفيلم أمازيغي أو تسجيلًا غنائيًا.

كان البيت يعيش فرنسا خارجه، وتمازيرت داخله. وهكذا بدأت كلتومة تكسر عزلتها.

النساء يصنعن مجتمعًا جديدًا

مع مرور السنوات، بدأت تتعرف إلى الجارات، ثم إلى زوجات مهاجرين يعشن التجربة نفسها.

كانت كل واحدة منهن تحمل قصة قريبة من قصة الأخرى: زوج يعمل، أبناء في المدرسة، لغة جديدة، حنين إلى الوطن، وبيت يحاول أن يحتفظ بذاكرته.

بدأت الزيارات المتبادلة.

وبدأت النساء يصنعن لأنفسهن شبكة اجتماعية صغيرة.
وحين كان يولد طفل جديد، كانت الطقوس المغربية تعود إلى البيت الفرنسي.

بعد اختيار الاسم في المستشفى وتسجيله، تبدأ الجارات في إعداد الطعام: الكسكس، والدجاج، والطواجن، وكل ما يحمل رائحة البيت المغربي.

تجتمع النساء، ثم الرجال، وفي النهاية تُقرأ السلكة ويُتلى القرآن تيمّنًا وتبركًا بالمولود الجديد.

كان الطفل يولد في فرنسا، لكن الاحتفال بميلاده كان يتم بروح القرية.

وهكذا كانت المرأة لا تحافظ فقط على الأسرة، بل كانت تحفظ معها الذاكرة الثقافية للأسرة المهاجرة.

المرأة ليست هامش الهجرة

تكشف حكاية كلتومة أن المرأة لم تكن شخصية هامشية في تاريخ الهجرة.

لقد كانت في قلب التجربة. عندما غاب الزوج، حملت مسؤولية البيت والأرض والأبناء.

وعندما التحقت به في فرنسا، حملت مسؤولية الحفاظ على اللغة والذاكرة والطقوس.

وعندما واجهت العزلة، بحثت عن وسائل للتغلب عليها: الصوت، والتلفزيون، والأغنية، والفيلم، والجارات، والزيارات، والاحتفالات.

ثم جاءت مرحلة جديدة مع تأسيس الجمعية التي كان يرأسها الحاج أزروال، حيث بدأ الانتقال من الحياة الخاصة إلى المجال الجمعوي، ومن العزلة الفردية إلى المشاركة الجماعية.

وهنا تظهر أهمية العمل الجمعوي في تجربة الهجرة، ليس فقط باعتباره وسيلة للتنظيم والتضامن، وإنما باعتباره أيضًا فضاءً لإعادة بناء العلاقات الاجتماعية، ومنح المهاجرين وأسرهم إحساسًا بالانتماء.

هجرة بلا حقيبة

إذا كان الرجل قد غادر القرية بحقيبة، فإن كلتومة عاشت هجرة مختلفة.

لم تحمل في البداية حقيبة سفر..حملت البيت.

حملت الأرض، والأطفال، والعادات، والخبز، واللغة، والذاكرة.
ثم، عندما عبرت الحدود بعد عشر سنوات، حملت كل ذلك معها إلى فرنسا.

لهذا فإن حكايتها تفرض علينا إعادة النظر في مفهوم المهاجر نفسه.

فالمهاجر ليس دائمًا ذلك الشخص الذي يعبر الحدود.
أحيانًا يكون المهاجر هو الذي ينتظر خلف الحدود.

وأحيانًا تكون المرأة قد عاشت الهجرة قبل أن تصبح مهاجرة بالمعنى القانوني للكلمة.

خاتمة: حين يصبح البيت وطنًا

تقدم حكاية الحاجة كلتومة أزروال صورة مكثفة لتجربة النساء في تاريخ الهجرة المغربية.

لقد عاشت الغياب قبل أن تعيش الاغتراب، وعاشت الانتظار قبل أن تعيش الرحيل، وعاشت مسؤولية الأسرة قبل أن تصبح جزءًا من الأسرة المهاجرة.

وفي القرية، كانت تواجه عزلة المرأة التي غاب زوجها.
وفي فرنسا، واجهت عزلة المرأة التي لا تعرف اللغة ولا المجتمع.

وبين العزلتين صنعت لنفسها ولأسرتها جسورًا صغيرة: شريطًا يحمل صوتًا، أغنية أمازيغية، فيلمًا من تمازيرت، طبقًا من الكسكس، زيارة جارة، احتفالًا بمولود، وجمعية تفتح بابًا نحو المجتمع.

لذلك فإن تاريخ الهجرة لا ينبغي أن يكتب فقط من خلال أسماء الرجال الذين غادروا، والمناجم التي اشتغلوا فيها، والأموال التي أرسلوها إلى الوطن.

ينبغي أن يُكتب أيضًا من خلال النساء اللواتي حافظن على البيت حين غاب الرجل، ثم حملن البيت معهن حين غادرن إلى أوروبا.

إن حكاية كلتومة أزروال ليست مجرد قصة امرأة مهاجرة.
إنها قصة جيل كامل من النساء اللواتي عشن الهجرة مرتين: مرة في انتظار الغائب، ومرة في مواجهة الغربة.

وإذا كان المهاجر قد حمل معه جسده إلى أوروبا، فإن المرأة حملت معها وطنًا كاملًا.

وهذا الوطن لم يكن مكانًا فقط؛ كان لغةً، وأغنيةً، وطعامًا، وطقوسًا، وذاكرةً، وصوتًا محفوظًا على شريط كاسيت.
كان وطنًا يمكن أن يسافر، حتى عندما لم يكن بالإمكان السفر.

الدكتورخالد ألعيوض مدير مركز تاوسنا للدراسات و الأبحاث
قرية أولاد ميمون اشتوكة أيت باها
المغرب

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
situs toto dentoto dentoto