المجتمع

إبّا فاظمة1 : حكاية امرأة من جبال الأطلس الصغير عاشت الهجرة بين الضفتين

  • د.خالد ألعيوض //

في تاريخ الهجرة السوسية، هناك حكايات كثيرة كُتبت من زاوية الرجال الذين غادروا القرى نحو المناجم والمصانع والمدن الأوروبية. غير أن خلف كل مهاجر تقريبًا كانت هناك امرأة بقيت في القرية، تحمل وحدها أعباء الأسرة، وتدير تفاصيل الحياة اليومية، وتربي الأبناء، وتنتظر عودة الزوج. ومن بين هذه النساء تبرز حكاية إبّا فاظمة، امرأة من جبال الأطلس الصغير، عاشت الهجرة أولًا من موقع الانتظار، ثم انتقلت إلى بلاد المهجر لتصبح جزءًا من تجربة الاندماج والحفاظ على الهوية في آن واحد.
ولدت إبّا فاظمة في بيئة قروية جبلية، حيث كانت الطفولة بالنسبة إلى بنات جيلها قصيرة، وحيث يبدأ العمل في سن مبكرة. منذ طفولتها، التحقت بأعمال الحقل ورعي الغنم، ثم أصبحت تعتني بالبقرة، قبل أن تنتقل إلى أعمال أكثر مشقة عندما اشتد عودها.
كانت تكسر نواة الأركان، وتشارك في عصرها واستخراج زيتها الذي كان يجد طريقه إلى السوق، كما كانت تشارك في أعمال الحرث والعناية بأشجار اللوز. وفي غياب الرجال، لم تكن المرأة القروية تنتظر من يقوم بالعمل بدلًا عنها. كانت إبّا فاظمة، إلى جانب أمها وأخواتها، تحمل أدوات الحرث وتقوم بالأعمال الزراعية الشاقة التي كانت تبدو في الظاهر من اختصاص الرجال.
كانت تلك المدرسة الأولى التي تعلمت فيها إبّا فاظمة معنى المسؤولية والصبر وتدبير القليل، وهي قيم سترافقها طوال حياتها.
زواج مبكر وبداية حكاية الغياب

إبّا فاظمة1 : حكاية امرأة من جبال الأطلس الصغير عاشت الهجرة بين الضفتين - اكادير اليوم
في السادسة عشرة من عمرها، وفي بداية ستينيات القرن العشرين، تزوجت إبّا فاظمة من مهاجر كان يعمل في مناجم الفحم بشمال فرنسا. كان الزواج في تلك المرحلة، وفي ذلك الوسط الاجتماعي، يتم في سن مبكرة، وكانت الهجرة قد بدأت ترسم مسارات جديدة لأبناء القرى السوسية.
غادر الزوج نحو مناطق المناجم، بينما بقيت إبّا فاظمة في القرية.
وهنا بدأت مرحلة أخرى من حياتها: حياة المرأة التي تعيش الهجرة دون أن تهاجر.
بعد سنة واحدة، أصبحت أمًا. وجدت نفسها مسؤولة عن طفل صغير في بيئة قروية فقيرة، وفي ظل غياب الزوج لأشهر طويلة. كانت رعاية الطفل مسؤوليتها الكاملة. فإذا مرض، لجأت إلى ما كان متاحًا من طرق العلاج التقليدية، وإذا احتاج إلى شيء، كانت عليها أن تدبره من القليل الذي توفره الأسرة.
وكان الزوج يعود بعد أحد عشر شهرًا تقريبًا من الغياب، فيتحول يوم العودة إلى مناسبة عائلية واجتماعية كبيرة. تنتشر الفرحة في القرية، ويتوافد الأهل والأحباب، ويستقبل المهاجر محملًا بالهدايا التي كانت بالنسبة إلى الأسرة والقرية أكثر من مجرد أشياء. كانت رموزًا للعودة، ولصلة لم تنقطع رغم طول الغياب.
لكن الفرح كان مؤقتًا، وسرعان ما يعود الزوج إلى المناجم، وتعود إبّا فاظمة إلى انتظار جديد.
ستة عشر عامًا من الانتظار والعمل
استمر هذا الوضع سنوات طويلة. أنجبت إبّا فاظمة خمسة أبناء، وحاولت منذ البداية أن تمنحهم ما لم تستطع هي أن تحصل عليه في طفولتها.
فهي، التي لم تكن قد عرفت المدرسة كما عرفها أبناؤها لاحقًا، أدركت مبكرًا أن التعليم يمكن أن يكون طريقًا إلى مستقبل مختلف. لذلك حرصت على تسجيل أبنائها في المدرسة، وتابعت تعليمهم، وسهرت على ألا يحرموا من فرصة لم تتح لها.
وفي الوقت نفسه، كانت تنتظر التحويلات المالية القادمة من فرنسا، وتدبر مصاريف الأسرة، وتعتني بالأرض، وتحافظ على ما تبقى من الممتلكات الزراعية حتى لا تضيع. كانت تقوم بوظائف متعددة في وقت واحد: أمًا، وفلاّحة، ومدبّرة للبيت، وحارسة لممتلكات الأسرة، وشريكة غير معلنة في مشروع الهجرة.
هكذا مرت أكثر من ستة عشر سنة من حياتها بين العمل والانتظار وتربية الأبناء.
من القرية إلى شمال فرنسا
في سنة 1976 تقريبًا، وفي إطار التجمع العائلي، تغير مسار حياتها. التحقت بزوجها في شمال فرنسا، بمدينة ديوشي، إحدى المدن المرتبطة بتاريخ الهجرة والعمل المنجمي.
كانت تلك بداية حكاية جديدة تمامًا.
إذا كانت إبّا فاظمة قد تعلمت في القرية كيف تواجه غياب الزوج، فإن عليها الآن أن تتعلم كيف تواجه حضورًا جديدًا في مجتمع غريب عن لغتها وثقافتها.
لم تكن تعرف الفرنسية، وكانت لغتها الأمازيغية هي اللغة التي عاشت بها طفولتها وشبابها وحياتها الأسرية. وفجأة وجدت نفسها في مجتمع جديد، إلى جانب أبنائها الذين التحقوا بالمدارس الفرنسية.
كانت المدرسة إحدى أكبر تحديات الأسرة. فالأبناء دخلوا عالمًا لغويًا وثقافيًا مختلفًا، وكان عليهم أن يتعلموا لغة جديدة وأن يحققوا النجاح في مؤسسة تعليمية لا تشبه المدرسة التي عرفوها في القرية.
لم يتمكن الابن الأكبر من متابعة المسار الدراسي بالشكل الذي كانت الأسرة تأمله، فالتحق بمراكز التكوين المهني وأصبح ميكانيكيًا. أما الأبناء الصغار، فقد كان مسارهم مختلفًا. تابعوا دراستهم، وانتقلوا إلى المرحلة الثانوية، وحصل بعضهم على شهادة البكالوريا، ثم واصلوا طريقهم إلى الجامعة.
وهكذا تحولت الهجرة بالنسبة إلى إبّا فاظمة من مجرد وسيلة لتحسين الوضع الاقتصادي للأسرة إلى مشروع اجتماعي وتعليمي للأبناء.
بيت مغربي في قلب شمال فرنسا
لكن الاندماج بالنسبة إلى إبّا فاظمة لم يكن يعني التخلي عن القرية.
على العكس، كلما ابتعدت جغرافيًا عن الجبل، ازدادت حاجتها إلى استحضاره في حياتها اليومية.
في بيتها بشمال فرنسا، صنعت لنفسها «أفارنوا» على شاكلة ذلك الذي تركته في القرية، وكانت تعد الخبز التقليدي كما كانت تفعل في المغرب. أما البيت من الداخل، فكان يحمل ملامح البيت المغربي: الفراش التقليدي، والصينية، والطاجين، والأواني القادمة من المغرب.
كان عبور عتبة بيت إبّا فاظمة أشبه بعبور الحدود في الاتجاه المعاكس. فمن الخارج أنت في شمال فرنسا، لكنك ما أن تدخل حتى تجد نفسك في بيت مغربي، وربما في قرية من قرى الأطلس الصغير.
لقد كان البيت بالنسبة إليها أكثر من مكان للسكن. كان فضاءً لإعادة بناء الوطن في المهجر.
الموسيقى والذاكرة
وفي ساعات غياب الزوج والأبناء في العمل والمدرسة، كانت الموسيقى إحدى وسائلها لمقاومة الغربة.
كانت مرحلة أشرطة الفيديو قد بدأت تفرض نفسها على الأسر المهاجرة، وكانت إبّا فاظمة تستمع إلى أغاني عائشة تاشينويت ورقية تلبنسيرت، وتشاهد أفلامًا أمازيغية مثل أفلام «موكير» و«بوتفوناست» و«تامغارت ءووغ» وغيرها من الأعمال التي كانت تصل إلى المهاجرين على أشرطة الفيديو.
كانت تلك الأشرطة بالنسبة إليها أكثر من وسيلة للترفيه. لقد كانت نافذة على اللغة التي تتحدثها، وعلى الثقافة التي جاءت منها، وعلى عالم تركته خلفها.
وذلك في فترة لم تكن فيها القنوات التلفزيونية المغربية قد وفرت بعد حضورًا منتظمًا للغة والثقافة الأمازيغيتين في بيوت المهاجرين.
كانت إبّا فاظمة، من خلال الأغنية والفيلم والخبز والطاجين والكانون واللغة، تبني عالمها الخاص في المهجر، وتحافظ على خيط رمزي يصلها بالقرية والجبل.
امرأة تدبر القليل لتصنع الكثير
لم تكن إبّا فاظمة مجرد ربة بيت في المهجر. فقد ظلت، كما كانت في القرية، امرأة تدبر الموارد وتعرف كيف تجعل القليل يكفي الجميع.
وبتدبيرها ومشاركة زوجها، استطاعت الأسرة أن تحقق جزءًا من حلم الهجرة. اقتنت منزلًا في أكادير، لتصبح الأسرة مرتبطة بفضاءين: فضاء العمل والاستقرار في فرنسا، وفضاء الانتماء والجذور في المغرب.
وبعد التقاعد، لم تنته علاقتها بالضفتين. أصبحت حياتها موزعة بين المغرب وفرنسا. تقضي أشهرًا في المغرب، ثم تعود إلى فرنسا حيث الأبناء والأحفاد، قبل أن تعود مرة أخرى إلى القرية، إلى ما تبقى من الأهل والأحباب والعائلة الممتدة.
لم تعد الهجرة بالنسبة إليها مجرد سفر من بلد إلى آخر، بل أصبحت طريقة في العيش بين مكانين وذاكرتين وانتماءين.
إبّا فاظمة… المرأة التي بقيت في الظل
تختصر حكاية إبّا فاظمة جانبًا أساسيًا من تاريخ الهجرة السوسية ظل طويلًا خارج دائرة الاهتمام.
فالهجرة لم تكن فقط قصة رجال غادروا القرى نحو المناجم والمصانع الأوروبية. كانت أيضًا قصة نساء بقين في الخلف، يربين الأبناء، ويحرثن الأرض، ويحافظن على الممتلكات، وينتظرن التحويلات، ويستقبلن الأزواج العائدين محملين بالهدايا، ثم يعشن من جديد مرارة الغياب.
وبعد سنوات، عندما التحقن بأزواجهن، لم تنته مسؤولياتهن. بل بدأت مرحلة جديدة من التحديات: اللغة، والمدرسة، والاندماج، وتربية الأبناء، والحفاظ على الثقافة والهوية.
إبّا فاظمة واحدة من هؤلاء النساء.
امرأة بدأت حياتها في جبال الأطلس الصغير وهي ترعى الغنم وتكسر نواة الأركان وتحرث الأرض، ثم وجدت نفسها في شمال فرنسا، وسط عالم من المناجم والمهاجرين والمدارس الفرنسية. وبين القرية والمهجر، لم تتخل عن دورها في رعاية الأسرة وصناعة مستقبل الأبناء.
إن حكاية إبّا فاظمة ليست حكاية امرأة واحدة فقط. إنها صورة لجيل كامل من النساء المهاجرات اللواتي عشن الهجرة مرتين: مرة حين غادر الرجال، ومرة حين التحقن بهم.
وإذا كان تاريخ الهجرة قد احتفى كثيرًا بمن غادروا، فإن الوقت قد حان لكتابة تاريخ من بقين في الظل. تاريخ النساء اللواتي حملن نصف عبء الهجرة، دون أن تحمل كتب التاريخ أسماءهن بالقدر الذي يستحققن.
ومن هنا تأتي أهمية توثيق سيرهن، لأن كتابة تاريخ الهجرة السوسية لا تكتمل إلا عندما نسمع أصوات النساء اللواتي حافظن على الأسرة في القرية، وحافظن عليها في المهجر، وحافظن معها على الذاكرة واللغة والهوية.

الدكتور خالد ألعيوض مدير مركز تاوسنا للدراسات والأبحاث

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
situs toto dentoto dentoto