
إسبانيا.. من التهديد العسكري إلى الابتزاز الطاقوي
الذين يتابعون ما يجري في مدريد هذه الأيام يُدركون أن الجار الشمالي يعاني من حُمّى قديمة.. حُمّى الخوف من الواقع…
تارة تخرج وزيرة الدفاع بتهديدات عسكرية تشبه طلقات الصوت وتارة يُستفز المغاربة بالغمز واللمز في رموز سيادتنا.. وعندما لم يجد كل هذا نفعاً أمام هذا الصمت الرسمي الرهيب والبليغ في نفس الوقت التفت الإعلام الإسباني إلى الابتزاز بالمفتاح الكهربائي وقالوا في نشوة المفلس: سنقطع عنهم الكهرباء.. هكذا ببساطة تحول الخطاب من رنين السلاح إلى تهديد بالظلام.
ورغم أن الحكومة هناك سارعت إلى مسح هذا التهديد بنفي رسمي إلا أن مجرد التفكير فيه ينطق بالحقيقة: مدريد تعيش عجزاً استراتيجياً وتحاول تصدير أزماتها الداخلية بأسلوب الابتزاز الرخيص.
ويبدو أن الذاكرة هناك أُصيبت بنوع من العدوى فقد تناسوا كيف ارتدّت هذه الشيطنة من قبل على الجار الشرقي حين أوقف ضخ أنبوب الغاز بنية إدخالنا في الظلام فإذا به يسقط في ظلم نفسه وظلام بلده بعدما قطع كل الأواصر وحاصر نفسه بنفسه وما زال يمارس صراخه العقيم أمام صمت المغرب البليغ.
لكن العقلاء في مدريد يعلمون قبل غيرهم أن ورقة الطاقة حبلٌ مشدود من الطرفين فالربط الكهربائي والغاز العكسي ليسا إحساناً ولا صدقة بل حركة تجارة ومصالح تعيش عليها شركاتهم وموانئهم.
والذاكرة القريبة تُصاب أحياناً بـ(الزهايمر السياسي) فقد تناسوا أيضاً أن الشبكة المغربية هي التي أنقذت الأندلس والجنوب الإسباني مراراً من غياهب الظلام الدامس عندما تهاوت شبكتهم الطاقية..
الحكاية لم تكن يوماً نوراً يأتيهم من الشمال فقط بل كان الجار الجنوبي هو الشمعة التي أضاءت لياليهم عند الطوارئ
لذلك لن ننظر إلى غبار هذه المعركة بل إلى أين تتجه أقدام بلدنا
فالمغرب اليوم لا يضيع وقته في الرد على المراهقة السياسية بل يبني بدائله في صمت.. ولم يعد يراهن على تقلب الجو في أوروبا بل يتجه نحو الخرسانة والحديد ويبرز ميناء الناظور غرب المتوسط كقلعة لوجستية جديدة لتخزين الطاقة وإدارة الملاحة ليقول للجميع بعد أشهر فقط:
لقد كبرنا على الارتهان والإعتماد على الغير.
لقد تغيّرت المعادلة جذرياً ولم نعد ننتظر الضربة لنصبر عليها بل نملك البديل كي لا تصيبنا.. والمنطق نفسه ينطبق على البحر وأسماكه فالاتحاد الأوروبي كان يظن أن شواطئنا مجرد سوق مفتوح لكن الربط الصارم بين أي اتفاق وبين الاعتراف الصريح بمغربية الصحراء ورفض الاستجابة لطلبهم الأخير منذ يومين أثبت لهم أن الأسماك تسبح في مياه السيادة.. والسيادة لا تُباع ولا تُشترى باليورو.
لقد انتهى زمن الانتظار ونحن اليوم أمام عقيدة جديدة عنوانها الاعتماد على النفس وبناء عناصر القوة الذاتية.
لا أحد يدعي أننا نملك كل الأوراق في هذا التدافع الجواري شمالا
لكن المؤكد والمُؤلم للبعض.. أننا لم نعد نلعب بأوراق غيرنا.
وتلك هي الندية في أقصى تجلياتها:
أن تتوقف عن الجدال لتثبت وجودك وتتفرغ لبناء ذاتك.. حتى يجد الجميع أنفسهم مجبورين على أن يحسبوا لك ألف حساب.
يوسف غريب كاتب صحفي
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



