المجتمع

مئة حكاية وحكاية للتأريخ لقرن من الهجرات السوسية: نساء الهجرة.. حكايات مؤجلة خلف الغياب

  • د.خالد ألعيوض * //

حين نتحدث عن الهجرة، غالبًا ما تتجه الذاكرة إلى صورة الرجل الذي يغادر القرية بحثًا عن العمل، أو إلى مساره في بلدان الاستقبال، وما راكمه من تجارب في المصانع والمناجم وورشات البناء وغيرها. غير أن هذه الصورة تظل ناقصة ما لم نستحضر الطرف الآخر من الحكاية: المرأة التي بقيت في القرية، تحمل وحدها أعباء الغياب وتدير تفاصيل الحياة اليومية في انتظار عودة المهاجر.

لقد كانت الهجرة، في كثير من الحالات، مشروعًا عائليًا يقوم على تقسيم غير متكافئ للأدوار. يغادر الزوج، بينما تبقى الزوجة في القرية، لتجد نفسها أمام مسؤوليات تتجاوز أحيانًا ما كانت مستعدة له. ومع ولادة الأبناء، تتحول الأم تدريجيًا إلى أب وأم في آن واحد؛ فهي التي ترعى الأطفال، وتتابع نموهم، وتواجه متطلبات الحياة اليومية، وتحافظ على استمرارية الأسرة في غياب الزوج.

ولم يكن الغياب وحده هو التحدي. فقد كانت التحويلات المالية القادمة من بلدان الهجرة محدودة، ومتقطعة في أحيان كثيرة، كما أن وسائل تحويل الأموال في العقود الأولى من الهجرة لم تكن بالسهولة والسرعة التي نعرفها اليوم. لذلك اضطرت نساء كثيرات إلى تدبير الحياة بمنطق الاقتصاد الصارم، والاعتماد على الكفاف، وترتيب الأولويات وفق ما تسمح به الإمكانات المتاحة. كانت المرأة تدبر القليل ليكفي الكثير، وتحوّل محدودية الموارد إلى أسلوب في العيش قائم على الصبر والتدبير والاعتماد على الذات.

وفي قلب هذه الحياة اليومية كان هناك انتظار طويل. انتظار رسالة، أو خبر، أو تحويل مالي، والأهم انتظار ذلك الموعد الذي يصبح بالنسبة إلى الأسرة مناسبة استثنائية: عودة الزوج والمهاجر إلى القرية خلال عطلة الصيف. كان الصيف، بالنسبة إلى كثير من الأسر، أكثر من مجرد فصل من فصول السنة؛ كان موعدًا للفرح ولمّ الشمل واستعادة الحياة العائلية لبعض من توازنها.

لكن خلف هذا الفرح المؤقت تختبئ حكايات كثيرة لا تظهر في السرديات التقليدية للهجرة. حكايات نساء واجهن المرض وحدهن، وربين أبناءهن في غياب الأب، وتدبرن شؤون الأسرة، وتحملن مسؤوليات اجتماعية واقتصادية كانت موزعة في الأصل بين الزوجين.

وحكايات أخريات عشن سنوات طويلة من الانتظار، حتى أصبح الغياب جزءًا من الحياة اليومية، وأصبح حضور الزوج في الصيف أشبه بعودة مؤقتة إلى حياة كانت قد اعتادت على غيابه.

إن تاريخ الهجرة لا يمكن أن يُكتب من خلال حكايات الرجال المهاجرين وحدهم. فخلف كل مهاجر غادر القرية، كانت هناك في الغالب امرأة بقيت فيها، تدفع ثمن الغياب بصمت، وتشارك في بناء المشروع العائلي للهجرة دون أن تغادر مكانها.

ومن هنا تأتي أهمية إعادة قراءة تاريخ الهجرة من زاوية النساء، ليس باعتبارهن شخصيات هامشية في قصة الهجرة، وإنما باعتبارهن فاعلات أساسيات فيها. فالمرأة التي بقيت في القرية لم تكن مجرد زوجة تنتظر عودة زوجها، بل كانت تدير الأسرة، وتربي أبناءها، وتحافظ على الروابط الاجتماعية، وتدبر الموارد، وتتحمل أعباء الغياب، وتعيد إنتاج الحياة في انتظار أن يعود المهاجر.

ولذلك، فإن مشروع «مئة حكاية وحكاية» لا ينبغي أن يكتفي بتوثيق مسارات الرجال الذين عبروا الحدود، بل عليه أن يفتح مساحة لسير النساء اللواتي عشن الهجرة من موقع مختلف: الهجرة التي لم يعبرن حدودها، لكنهن عشن آثارها يومًا بيوم.

هذه السير النسائية ليست مجرد شهادات شخصية، وإنما تشكل مادة أساسية لفهم البعد الاجتماعي والإنساني للهجرة المغربية. ومن خلال أصوات هؤلاء النساء يمكن استعادة جانب من تاريخ الهجرة ظل طويلًا خارج الكتابة والتوثيق: تاريخ الانتظار، وتاريخ التدبير، وتاريخ الأم التي أصبحت أبًا وأمًا، وتاريخ امرأة بنت جزءًا من مستقبل أسرتها من خلف رجل غائب.

إن كتابة هذه السير هي محاولة لإعادة المرأة إلى المكان الذي تستحقه في ذاكرة الهجرة؛ فالهجرة لم تكن رحلة من غادر فقط، بل كانت أيضًا تجربة من بقي ينتظر، ويصبر، ويربي، ويدبر، ويحافظ على البيت مفتوحًا إلى أن يعود الغائب.

  • الدكتور خالد ألعيوض مدير مركز توسنا للدراسات والأبحاث

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
situs toto dentoto dentoto