الرأيالمغرب اليوم

سبتة ومليلية… معركة النّفس الطّويل

في العلاقة بين دول الجوار يحدث أحيانًا أن يرفع طرفٌ صوته كلما شعر بأن ثمة شيئاً يتحرك تحت قدميه.
وربما لهذا السبب تبدو نبرة مدريد اليوم كلما عاد ملف سبتة ومليلية المحتلتين إلى الواجهة أقرب إلى التوجس والقلق منها إلى الثقة والاستقرار.
فالهجوم الإسباني المتواصل حد الساعة منذ تصريحات وزير العدل المغربي بشأن مغربية المدينتين لا يعكس فقط تمسكًا بالموقف الرسمي التقليدي بل يكشف أيضًا عن حساسية عميقة ومكبوتة تجاه سؤال السيادة ومستقبل الثغرين.
ومن الوقائع التي يجدر بهذه النخبة الإسبانية التوقف عندها اليوم تلك الوثيقة الدبلوماسية الأمريكية التي أُفرج عنها سنة 2014 والتي توثق حديثًا دار سنة 1979 بين الملك الإسباني خوان كارلوس والسيناتور الأمريكي إدموند موسكي.. ووفق ما أورده المؤرخ تشارلز بأول في كتابه ( ملك الديمقراطية) فقد أبدى خوان كارلوس آنذاك استعدادًا للنظر في التخلي عن مليلية بينما طرح بالنسبة إلى سبتة احتمال تدويلها على غرار طنجة الدولية مع توقعه اعتراضًا قويًا من المؤسسة العسكرية.
لا تعني هذه الوثيقة أن إسبانيا كانت على وشك التخلي عن المدينتين في تلك اللحظة لكنها تكشف عن اعتراف صريح ومبكّر من العرش الإسباني بأن وضع الثغرين يوجد خارج منطق السيادة الوطنية الصلبة كما تدعي المؤسسة العسكرية هناك.
بل يوثق الكتاب طبيعة الحوار الهادئ والصريح الذي كان يدور بين الملك الراحل الحسن الثاني والملك خوان كارلوس حيث كان الحسن الثاني يؤكد دائمًا على أن الجغرافيا والديمغرافيا والتاريخ تحسم مغربية المدينتين وأن ملف الثغرين حتمي الحل لكنه ملف متروك لتفاعلات الزمان وستتولى الأجيال القادمة حسمه لا محالة
فهل نعيش اليوم زمن تنبؤ الملك الراحل؟
قد لا اخطئ حين أجيب
نعم
خاصة إذا تأملنا حجم الألم والحسرة في تصريح رئيس الحكومة المحلية لسبتة المحتلة قبل أيام وبنبرة المهزوم :
( هناك ضربات متتالية للمدينة حتى سقوطها النهائي) .
فما الذي تغير إذن حتى أصبحت الأدبيات الإسبانية داخل سبتة تتحدث عن وشك السقوط النهائي؟
هو محيط المدينة والمجال الجغرافي للشمال المغربي برمته.
فمجمع طنجة المتوسط على سبيل المثال لم يعد مجرد ميناء نفعي، بل أضحى عصب منظومة اقتصادية ولوجستية دولية أعادت توجيه حركة التجارة والاستثمار في المنطقة بأكملها.
وهنا تكمن المفارقة:
قد لا تسقط المدن بالمدافع والقذائف لكنها تتغير وتتهاوى عندما تتغير الشرايين التي تغذي اقتصادها وتضمن استمرارها.
فالطريق لم يعد مجرد مسفلت للعبور والميناء ليس مجرد رصيف للسفن والمنطقة الصناعية ليست مشروعاً معزولاً وعندما تتراكم هذه العناصر الهيكلية فإنها تعيد رسم خريطة المال والحركة والمصالح وتدفع المدن التي اعتادت الاعتماد على النظام القديم إلى مواجهة سؤال المستقبل المعقد.
ولعل هذا ما يجعل التصريحات القادمة من داخل سبتة أكثر دلالة وعمقاً من كل الضجيج الإعلامي الصادر عن مدريد
فمعركة النفس الطويل ليست في الصراخ ولا في المواجهة المباشرة وإنما في إعادة تشكيل الجغرافيا بهدوء… وصمت.
وعندما يصل قطار التاريخ إلى لحظة الحسم لن يكون السؤال:
من صرخ أكثر؟
بل من غيّر الواقع على الأرض؟
فسبتة ومليلية لا تحتاجان إلى رصاصة واحدة كي تعودا إلى مجراهما الطبيعي في مستقبل المغرب
وربما يكون هذا بالذات هو ما يجعل التحولات الهادئة نحو المستقبل مصدر القلق الأكبر هناك.

  • يوسف غريب كاتب صحفي

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
situs toto dentoto dentoto