
مئة حكاية وحكاية للتأريخ لقرن من الهجرات السوسية: الدكتور إدريس.. طبيب المهاجرين وحارس ذاكرة التضامن بين المهجر والوطن
- د. خالد ألعيوض //
ليست كل حكايات الهجرة حكايات سفر من بلد إلى آخر، ولا تختزل في البحث عن العمل وتحسين الوضع الاجتماعي. هناك مسارات تتحول فيها الهجرة إلى مدرسة للحياة، ويصبح نجاح المهاجر مرتبطًا بقدرته على الجمع بين طموحه الشخصي، وانتمائه الثقافي، واستعداده لخدمة الآخرين.
تجربة الدكتور إدريس بلمحجوب بليزيد واحدة من هذه التجارب. فقد ولد في دوار الخربة بأولاد ميمون، داخل أسرة يمكن وصفها بأنها أسرة مهاجرة بامتياز. كان جده اليزيد من أوائل الذين فتحوا طريق الهجرة في الأسرة مع بداية القرن العشرين، ثم هاجر والده المحجوب مباشرة بعد الحرب العالمية الثانية، بينما التحق بهم عمه عياد في أواخر خمسينيات القرن الماضي. وهكذا لم تكن الهجرة بالنسبة إلى إدريس تجربة فردية طارئة، بل جزءًا من الذاكرة العائلية ومسارًا متوارثًا عبر الأجيال.
من إنزكان إلى كلية الطب بباريس
بدأ إدريس مساره الدراسي في إنزكان، حيث تابع دراسته في التعليم الابتدائي والإعدادي والثانوي بثانوية عبد الله بن ياسين. وبعد حصوله على شهادة البكالوريا، اجتاز بنجاح امتحان الالتحاق بكلية الطب بالدار البيضاء.
غير أن وفاة والدته شكلت نقطة تحول عميقة في حياته. فقد غادر المغرب متجهًا إلى فرنسا، والتحق بكلية الطب باريس 7، قبل أن يتخصص في علم الوبائيات السريرية بمدينة بوردو.
كان الانتقال إلى كلية الطب في فرنسا تحديًا كبيرًا. يقول إدريس إن دراسة الطب «صعبة وتحتاج إلى التركيز والتفرغ»، وإن الجمع بين الدراسة والعمل لم يكن أمرًا سهلًا. غير أن الظروف العائلية التي وجدها في المهجر شكلت بالنسبة إليه سندًا أساسيًا.
فقد وجد في عمه عياد وخالته امتدادًا للعائلة والوطن. كان يزور خالته أسبوعيًا، ويستفيد من دفء الأسرة الذي خفف عنه قسوة الغربة. كما ساعده والده وعمه على تحمل نفقات الدراسة.
يقول إدريس، وهو يستعيد تلك المرحلة “في المهجر وجدت أبًا وأمًا؛ كانا عمي وخالتي”
كانت هذه المساندة الاجتماعية والنفسية عاملًا مهمًا في نجاحه، خصوصًا داخل وسط طلابي شديد التنافس. وكان الطلبة المغاربيون، في نظره، مطالبين ببذل جهد مضاعف لإثبات الذات والنجاح في بيئة أكاديمية جديدة.
الطبيب الذي أصبح مساعدًا اجتماعيًا
بعد استكمال تكوينه وتخصصه، اشتغل الدكتور إدريس في عدد من مستشفيات باريس ونواحيها، كما انتقل لفترة إلى روان، قبل أن يعود إلى باريس لمواصلة مساره المهني إلى أن بلغ سن التقاعد.
لكن مساره لم يكن طبيًا فقط. فمنذ سنواته الأولى في فرنسا، انخرط في خدمة المهاجرين المغاربة، حتى أصبح بالنسبة إلى كثير منهم أكثر من مجرد طبيب.
كان يزور عمه كل يوم أحد، وكان المهاجرون يعرفون أن البيت رقم 18 سيكون مفتوحًا لهم في ذلك اليوم. كانوا يأتون إليه حاملين رسائل من المغرب، أو طلبات إدارية، أو وثائق تحتاج إلى شرح، أو حاجتهم إلى حجز موعد مع طبيب.
وهكذا وجد إدريس نفسه، بشكل عفوي، يؤدي دور المساعد الاجتماعي والمترجم والكاتب العمومي، إلى جانب دوره كطبيب.
كان يقوم بذلك مجانًا، وكثيرًا ما كان بعض المهاجرين يعرضون عليه المال مقابل خدماته، لكنه كان يرفضه، معتبرًا إياهم مثل أعمامه وأفراد أسرته.
البيت رقم 18 وذاكرة التضامن
غير أن دور البيت رقم 18 لم يكن مقتصرًا على مساعدة المهاجرين في شؤونهم الشخصية والإدارية. فقد كان يتحول، في مناسبات أخرى، إلى نقطة لتنظيم التضامن بين المهاجرين ودوارهم الأصلي.
كلما وصلت أخبار من الخربة أولاد ميمون تفيد بالحاجة إلى مساهمات مالية لتوسعة المسجد، أو إصلاح المقبرة، أو إقامة أحد أعمال المعروف، أو إنجاز مشروع جماعي يستدعي التضامن، كان الدكتور إدريس يحضر عند عمه، حيث يلتقي عدد من المتطوعين بالمهاجرين لجمع التبرعات.
كانت العملية تتم بطريقة منظمة؛ إذ تُسجل أسماء المساهمين، إلى جانب قيمة المبلغ الذي قدمه كل شخص.
وكانت الفرنكات الفرنسية هي العملة المتداولة آنذاك.
ويذكر الدكتور إدريس أنه لا يزال يحتفظ ببعض الدفاتر والمذكرات التي سجل فيها أسماء المساهمين والمبالغ التي قدموها. وتكتسب هذه المذكرات اليوم قيمة تاريخية كبيرة؛ فهي لا توثق فقط حركة مالية بسيطة، وإنما تحفظ أسماء أفراد من أجيال الهجرة الأولى، وتكشف طبيعة العلاقة التي ظلت تربطهم بدوارهم وأهلهم ومؤسساتهم المحلية.
لقد كان المهاجر، في تلك المرحلة، لا يرسل المال إلى أسرته فقط، بل كان يساهم أيضًا في بناء المسجد، وصيانة المقبرة، وتمويل أعمال الخير والمشاريع الجماعية. وبذلك تحولت الهجرة إلى أحد موارد التنمية المحلية، وأصبح المهاجر شريكًا في الحياة الاجتماعية لدواره، رغم وجوده على بعد آلاف الكيلومترات.
إن دفاتر الدكتور إدريس القديمة يمكن النظر إليها اليوم باعتبارها أرشيفًا مصغرًا لتاريخ الهجرة والتضامن في أولاد ميمون. فالفرنك الفرنسي المسجل في صفحاتها ليس مجرد رقم؛ إنه شاهد على مرحلة تاريخية كانت فيها التحويلات والمساهمات الفردية تتحول إلى أعمال جماعية، كما أن الأسماء المسجلة فيها تستعيد ذاكرة أشخاص ساهموا، من بعيد، في بناء جزء من الحياة الجماعية لقريتهم.
وهنا يظهر جانب آخر من شخصية الدكتور إدريس: فلم يكن طبيبًا للمهاجرين فقط، بل كان أيضًا أحد الوسطاء الذين حافظوا على خيط التضامن بين المهجر والوطن.
“الطبيب الأمازيغي الشتوكي”
داخل المستشفى، أصبح اسم إدريس معروفًا بين المهاجرين المغاربة، خصوصًا أبناء تزنيت وماسة وإداوتنان واشتُوكة. وكان بعضهم يقصده حتى عندما لا يكون المرض داخل مجال تخصصه، لمجرد أنه يعرف أنه سيجد عنده الفهم والمساعدة والتوجيه.
كان يستمع إليهم، ويوجههم إلى الطبيب المختص، ويرافقهم عند الحاجة، ويلعب أحيانًا دور المترجم.
وهكذا تحولت مهنته الطبية إلى فضاء للتواصل الاجتماعي والثقافي، وأصبح لقب “الطبيب الأمازيغي الشتوكي” المغاربي يحمل بالنسبة إلى المهاجرين معنى يتجاوز المهنة؛ فهو الطبيب الذي يفهم لغتهم وثقافتهم وخصوصية مسارهم في المهجر.
من تجربة شخصية إلى خدمة القنصلية
لم تتوقف مبادرات إدريس عند حدود المستشفى والعائلة. فقد قادته إحدى التجارب الإدارية إلى الاحتكاك بالقنصلية المغربية، بعد أن لاحظ خطأ في وثيقة مرتبطة بإجراءات جواز السفر، فطالب بتصحيحه، وأحيل إلى القنصل الذي استقبله بشكل جيد.
تحولت هذه الواقعة إلى بداية تعاون أوسع. فقد طلبت منه القنصلية لاحقًا المساعدة في بعض الإجراءات ذات الصلة بالملفات الطبية للمهاجرين، ولا سيما ما يتعلق بنقل جثامين المتوفين إلى المغرب واستكمال الوثائق الطبية والإدارية اللازمة.
وكان يقوم بهذا العمل، في كثير من الأحيان، بشكل تطوعي صباح يوم السبت.
وهنا يظهر مرة أخرى ذلك البعد الإنساني في تجربة الطبيب: فمهنته لم تكن مصدرًا للعيش فقط، بل تحولت إلى وسيلة لخدمة مجتمع المهاجرين في لحظات المرض والعجز وحتى الموت.
من الخدمة الفردية إلى العمل الجماعي
انخرط الدكتور إدريس كذلك في العمل الجمعوي والمهني، وكان من المشاركين في تأسيس جمعية الأطباء المغاربيين، التي شكلت فضاء للتواصل والتكوين والدفاع عن قضايا الأطباء المغاربة في المهجر.
وشارك في لقاءات ومؤتمرات مهنية، من بينها لقاء بالحمامات في تونس وآخر بمراكش، بما يعكس انتقال تجربته من المبادرة الفردية إلى العمل الجماعي والمؤسساتي.
لقد أدرك مبكرًا أن نجاح الطبيب المهاجر لا ينبغي أن ينفصل عن قضايا الجالية، وأن الكفاءة المهنية يمكن أن تكون مدخلًا لخدمة المجتمع والدفاع عن مصالحه.
باريس بيت ثانٍ دون فقدان الجذور
بعد عقود طويلة في فرنسا، أصبح إدريس مندمجًا بشكل كامل في المجتمع الفرنسي. يتحدث الفرنسية بطلاقة، وعمل إلى جانب أطباء كبار دون أن يشعر بأي نقص بسبب أصله أو مساره المهاجر.
ومع ذلك، لم يكن الاندماج بالنسبة إليه يعني التخلي عن الجذور.
فعندما يلتقي عمه أو أبناء الجالية، يعود إلى الأمازيغية والعربية. ويحافظ على ممارساته الدينية، يصوم رمضان ويحافظ على صلواته، وفي الوقت نفسه يحترم قوانين البلد المضيف ويشارك في الحياة المهنية والاجتماعية بشكل طبيعي.
بالنسبة إليه، لا توجد ضرورة للاختيار بين الانتماء إلى المجتمع المضيف والوفاء للثقافة الأصلية. فالاندماج الحقيقي، في نظره، هو القدرة على بناء موقع داخل المجتمع الجديد دون انسلاخ عن الجذور ودون الانغلاق داخلها.
بعد التقاعد: العودة بالعطاء
رغم وصوله إلى مرحلة التقاعد، لا يرى إدريس أن علاقته بالطب قد انتهت. بل يفكر في العودة إلى المغرب من أجل المساهمة بخبرته في تكوين الأطباء الشباب، وتقاسم تجربته المهنية، وإلقاء محاضرات في مجال تخصصه.
إنها عودة مختلفة عن عودة المهاجر التقليدية؛ فالمهاجر هنا لا يعود فقط إلى المكان الذي غادره، وإنما يعود محملًا برصيد علمي ومهني وإنساني يريد أن يضعه في خدمة الأجيال الجديدة.
الهجرة مدرسة للحياة
تلخص تجربة الدكتور إدريس فلسفة خاصة في فهم الهجرة. فهو يرى أن الهجرة مدرسة للحياة، والنجاح فيها يكون لمن استطاع الموازنة بين هويته وثقافة البلد المضيف، دون انسلاخ ولا تقوقع على الذات.
وهذه الخلاصة تختصر مسارًا امتد لعقود: شاب غادر أولًا من أجل الدراسة، ثم أصبح طبيبًا، ثم تحول إلى طبيب للمهاجرين، ومترجمًا ومساعدًا اجتماعيًا ومتطوعًا، وفاعلًا جمعويًا، ومنظمًا لحملات التضامن، وأخيرًا صاحب مشروع للعودة بالعطاء.
من دوار الخربة بأولاد ميمون إلى مدرجات كلية الطب بالدار البيضاء، ومن باريس 7 وبوردو إلى مستشفيات باريس ونواحيها، ومن عيادة الطبيب إلى البيت رقم 18 حيث كان المهاجرون يجدون من يكتب لهم رسالة أو يشرح لهم وثيقة أو يساعدهم في حجز موعد، تتشكل حكاية الدكتور إدريس باعتبارها أكثر من سيرة مهنية.
إنها حكاية مهاجر تحول علمه إلى خدمة، ومهنته إلى رسالة، ووجوده في المهجر إلى جسر دائم بين فرنسا والمغرب.
وإذا كان الطبيب يعالج المرض، فإن إدريس مارس، إلى جانب ذلك، نوعًا آخر من العلاج: مداواة شيء من قسوة الغربة، وتعقيدات الإدارة، ووحشة المسافة، وحاجة الإنسان إلى من يفهمه بلغته وثقافته وذاكرته.
ولعل دفاتره القديمة، التي ما زالت تحمل أسماء المساهمين ومبالغهم بالفرنك الفرنسي، تختصر هذه الحكاية كلها: أرقام صغيرة في ظاهرها، لكنها في الحقيقة ذاكرة جيل كامل من المهاجرين الذين ظلوا، رغم المسافة، جزءًا من حياة قريتهم، وبنوا بين المهجر والوطن جسرًا من العلم والعمل والتضامن.
خالد العيوض مدير مركز تاوسنا للدراسات والابحاث
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



