
عندما يعكس المنزل نجاح المهاجر..
- د.خالد ألعيوض //
تروي حكاية الحاج لحسن أزروال قصة مهاجر خرج من قرية أكني، المعزولة عن العالم ذات يوم في بداية السبعينيات من قمم جبال إداوتنان بالأطلس الكبير الغربي، ليعود إليها بعد عقود حاملاً معه ليس فقط ثمرة نجاحه، وإنما أيضاً تصوراً مختلفاً لمعنى النجاح.
رحل لحسن في إحدى ليالي مطلع سبعينيات القرن الماضي. لم يرَ المدرسة قط، ولم تتح له فرصة الدراسة في المسجد بما يمكنه من إتقان القراءة والكتابة. كان يحمل معه، مثل كثير من أبناء جيله، رصيداً أساسه اللغة والثقافة الشفوية، وقصة أمٍّ تحدثه بتاشلحيت، وقرية جبلية كانت تعيش آنذاك على هامش الطرق والخدمات ومظاهر الحياة الحديثة.
رحل مع موغا، ذلك الاسم الذي ارتبط في ذاكرة أجيال من أبناء سوس ببدايات الهجرة إلى فرنسا، وبدأ رحلة طويلة انتهت به إلى تحقيق ما يمكن تسميته بالنجاح الاجتماعي. لكن قصة أزروال لا تتوقف عند ما راكمه في المهجر، بل تبدأ أهم فصولها لحظة قرر أن يجعل من نجاحه وسيلة لإعادة الاعتبار إلى قريته.
لقد كانت أكني، في مرحلة من تاريخها، قرية تدفع أبناءها إلى الرحيل بسبب العزلة وقلة الإمكانيات: لا طريق بالمعنى الذي يربطها بالعالم، ولا إنارة، ولا مدرسة، ولا وسائل نقل كافية. ومع ذلك، لم يعد أبناؤها إليها محمّلين بالعتاب أو الحقد على المكان الذي غادروا مضطرين. عادوا وفي وجدانهم رغبة في رد الجميل.

وكان لحسن أزروال وأفراد أسرته وأبناء القرية من المقيمين والمهاجرين في مقدمة هذا المسار. انخرطوا في تأسيس جمعية تنموية، لتبدأ رحلة شاقة وممتعة في الوقت نفسه: فك العزلة، ثم الماء، فالطريق، فالمسجد، فالمدرسة، والنقل المدرسي.
في هذه القرية، لم يكن النجاح فردياً. كان يتحول إلى لحظة فرح جماعي. حين يتحقق مشروع أو يكتمل عمل، يجتمع سكان القرية، المقيمون والمهاجرون، حول مائدة جماعية (المعروف)، يحتفلون بما تحقق، ثم يبدأون مباشرة في التفكير في المشروع الموالي.
إنها ثقافة اجتماعية تستحق دراسات أنثروبولوجية معمقة لفهم منطقها الداخلي: كيف يتحول المال الذي يأتي من المهاجر إلى مورد جماعي؟ وكيف تتحول المبادرة الفردية إلى مشروع للقرية؟ وكيف يصبح الاحتفال بالنجاح مناسبة لتجديد التضامن والتفكير في المستقبل؟
ولعل مشروع الماء كان من أجمل تجليات هذه الروح. فقد أدى المهاجرون حصصاً من الاشتراك نيابة عن عدد من السكان المحليين الذين لم تكن إمكانياتهم تسمح لهم بذلك. لم يكن الأمر مجرد تمويل لمشروع تقني، بل كان تعبيراً عن التآزر بين أبناء القرية، مهما اختلفت أماكن إقامتهم.
كان الحاج لحسن، إلى جانب ابنه البكر الذي لم يغادر القرية إلا في سن الثامنة، من أبناء جيل آمن بأن الأرض لا تُترك لمن غادرها، وأن الهجرة لا ينبغي أن تعني القطيعة مع المكان.
ومع مرور السنوات، تغيرت أكني. تحسنت الطريق، ووصلت الخدمات، وتوسعت المدرسة، وتطورت وسائل النقل، وبدأ أبناء المهاجرين يعودون لا باعتبارهم ضيوفاً عابرين، وإنما باعتبارهم أبناء المكان.
غير أن أكثر ما يلفت الانتباه في تجربة لحسن أزروال هو المنزل.
سألته: لماذا بنيت هذا المنزل بهذه الفخامة في قرية تعرف جيداً أنك لا تستطيع بيع المنزل فيها، وأنه من الناحية الاقتصادية ليس مشروعاً مربحاً؟
كان جوابه بسيطاً وعميقاً:
“هذا المنزل هو سبب تحبيب القرية لأبنائي.”
خلف هذه الجملة تختصر فلسفة كاملة في العلاقة بين المهاجر ومكانه الأول.
فأبناء لحسن السبعة، وهم ثلاثة ذكور وأربعة إناث، لم يكونوا في البداية يفضلون قضاء عطلاتهم في القرية. كان لهم في المغرب منزل كبير في تكوين، وكان الوصول إلى أكني يتطلب مشقة ومسالك جبلية وعرة. لكن بعد أن اكتمل المنزل، قبل نحو عشر سنوات، بدأ شيء ما يتغير.
لقد كلف بناء المنزل، كما يقول لحسن، نحو ثلاثة أضعاف ما كلفه منزله في أكادير، بسبب وعورة المسالك وصعوبة نقل مواد البناء ومختلف تكاليف الإنشاء. ومع ذلك، لم يكن المنزل استثماراً عقارياً بالمعنى التقليدي؛ كان استثماراً في الذاكرة والانتماء.
بدأ الأبناء يكتشفون جبال إداوتنان من جديد. صاروا يقضون فيها عطلاتهم مع أصدقائهم، بل إنهم في أحيان كثيرة يأتون مباشرة من المطار إلى إداوتنان دون المرور بأكادير. يقضون وقتهم في الجبال، ويعيشون المكان، ويكتشفون الطبيعة التي كان والدهم يعرف قيمتها جيداً.
وهكذا تحول المنزل إلى نواة سياحية عائلية غير ربحية، لكنه قبل ذلك تحول إلى فضاء لإعادة بناء العلاقة بين الجيل الجديد والقرية.
بالنسبة إلى لحسن، المنزل ليس حجراً وإسمنتاً. إنه عودة الأبناء إلى حضن قريتهم، ومكان لاجتماع العائلة الممتدة، خصوصاً خلال عيد الأضحى والمناسبات العائلية، وفضاء يلتقي فيه أبناء الأسرة بالسكان، ويتشاورون حول شؤون القرية ومستقبلها.
من هنا يمكن فهم منزل أزروال باعتباره أكثر من بناية فاخرة في قرية جبلية. إنه وثيقة اجتماعية تلخص مسار مهاجر بدأ حياته من قرية فقيرة ومعزولة، ووجد في الهجرة طريقاً لتحسين وضعه، ثم عاد ليحول جزءاً من نجاحه إلى رأسمال اجتماعي وثقافي.
إن نجاح لحسن أزروال لا يقاس بمساحة المنزل ولا بكلفته، وإنما بما أحدثه المنزل من تحول في علاقة أبنائه بالمكان.
لقد أراد أن يبني بيتاً، فبنى في الحقيقة جسراً بين الأجيال.
بيتاً يربط أبناء المهجر بالقرية، والحاضر بالماضي، والنجاح الفردي بالمسؤولية الجماعية.
ولذلك فإن منزل الحاج لحسن أزروال يلخص فلسفته في الحياة، تلك الفلسفة التي صاغتها الهجرة والتجربة والعلاقات التي نسجها هناك، في بلاد المهجر، وهنا، في جبال أداوتنان.
فالهجرة، في نهاية المطاف، لا تقاس فقط بعدد من غادروا القرية، ولا بحجم الأموال التي أرسلوها إليها، وإنما بما إذا كان المهاجر قادراً على تحويل نجاحه إلى معنى جديد للمكان.
وفي أكني، يبدو أن منزل أزروال يقول ذلك بوضوح:
يمكن للمهاجر أن يغادر القرية، لكن القرية لا ينبغي أن تغادر أبناءها.
الدكتور خالد ألعيوض، مدير مركز تاوسنا للدراسات والأبحاث ..
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



