أكادير اليوم

السير والجولان بين الرباط وأكادير.. سؤال بسيط يكشف الكثير عن تدبير المدينة

  • محمد العسري  //

قد تبدو ملاحظة انسيابية حركة السيارات في شوارع الرباط مقارنة ببعض محاور أكادير مجرد انطباع عابر، لكنها تفتح، في الواقع، سؤالاً أوسع حول كيفية تدبير المجال الحضري وجودة القرار الترابي. فالرباط، رغم كثافتها ووظيفتها الإدارية والاقتصادية، تبدو في عدد من محاورها أكثر قدرة على توزيع حركة المرور والحفاظ على قدر من الانسيابية. في المقابل، تطرح أكادير، بما تتوفر عليه من شوارع واسعة ومؤهلات سياحية ومجالية، سؤالاً مشروعاً حول مدى استثمار هذه الإمكانات في بناء حركة حضرية أكثر سلاسة.

المسألة لا تتعلق بالطرق وحدها، ولا بالسائق وحده، ولا حتى بالمطبات التي أصبحت حاضرة في عدد من الشوارع لفرض تخفيض السرعة. السير والجولان نتيجة لمنظومة كاملة: تصميم التقاطعات، تنظيم الوقوف، الإشارات، توزيع الأنشطة، النقل العمومي، مسارات الراجلين، المراقبة، وسلوك مستعملي الطريق. ولذلك، فإن الحديث عن لجنة السير والجولان الترابية ينبغي أن يتجاوز منطق معالجة الطلبات المتفرقة، إلى التفكير فيها كآلية للحكامة: تشخيص الاختناقات، تحليل أسبابها، قياس أثر القرارات، ومراجعة الإجراءات التي لا تحقق النتائج المطلوبة.

السؤال الذي يستحق أن يطرح اليوم ليس فقط: أين نضع مطباً جديداً أو إشارة إضافية؟ بل كيف نعرف، قبل التدخل، أين توجد المشكلة وما سببها؟ كم يستغرق المواطن لعبور محور معين في أوقات الذروة؟ أين يتكرر الوقوف العشوائي؟ ما التقاطعات التي تستنزف وقت مستعملي الطريق؟ وما أثر كل إجراء تتخذه الجماعة على انسيابية الجولان وسلامة الراجلين؟ عندما تصبح هذه الأسئلة جزءاً من صناعة القرار، نكون قد انتقلنا من تدبير رد الفعل إلى تدبير قائم على المعطيات والنتائج.

ومن هنا، لا ينبغي أن تكون المقارنة مع الرباط بحثاً عن مدينة مثالية أو دعوة إلى استنساخ تجربة أخرى، وإنما فرصة لطرح سؤال بسيط وعميق في الوقت نفسه: هل نستثمر ما تتوفر عليه أكادير من مؤهلات مجالية لصناعة مدينة أكثر انسيابية وأسهل في التنقل؟ فالمدينة السياحية لا تُقاس فقط بجمال كورنيشها واتساع شوارعها، وإنما أيضاً بسهولة الوصول إليها، وسرعة التنقل داخلها، وأمان الراجلين، وانتظام الوقوف، وفعالية النقل العمومي.

في النهاية، قد تكون جودة الحكامة الترابية أقرب إلينا مما نتصور. إنها تظهر في تفاصيل الحياة اليومية: سيارة تتحرك دون اختناق غير مبرر، راجل يعبر بأمان، موقف منظم، إشارة في مكانها، وطريق لا يحتاج إلى سلسلة من المطبات حتى يُحترم القانون. وحين تصبح هذه التفاصيل نتيجة لتخطيط مسبق، ومعطيات دقيقة، وتنسيق بين المتدخلين، فإننا لا نتحدث فقط عن تدبير السير والجولان، بل عن جودة تدبير المدينة نفسها.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
situs toto dentoto dentoto