
طردٌ بالمثل… فكرامة صحفيينا ليست للمساومة
ليس ثمة ما هو أسهل في أدبيات الصحافة الغربية من إشعال مكبرات الصوت الحقوقية وإصدار البيانات الجاهزة حين يتعلق الأمر بالدول الناشئة أو دول الجنوب… تُصاغ المفردات بعناية فائقة وتُرفع المبادئ الكونية كسيوف مسلطة فوق الرقاب
حرية التعبير.. حق الوصول إلى المعلومة… حماية الصحفيين
لكن إذا أخذنا هذه المبادئ البراقة ووضعناها على المحك الميداني في الشريط الحدودي الفاصل بين الفنيدق وسبتة المحتلة سنكتشف بسرعة قياسية حجم الهشاشة الأخلاقية التي تخترق مفاصل هذا الخطاب الإعلامي للإسبان وللكثير من الهيئات التي تدعي حراسة معبد الحرية
فعندما أقدمت السلطات المغربية صباح هذا اليوم على إبعاد طواقم إسبانية بينها وكالة الأنباء الرسمية (إيفي) من محيط الفنيدق وطالبتهم بمغادرة البلاد فوراً وبلغة الحسم والتهديد بسحب أوراق الإعتماد الصحفي.. لم تتأخر الماكينة النقابية والإعلامية في مدريد عن ممارسة هوايتها المفضلّة:
بيان تنديدي شديد اللهجة واتهامات مباشرة لبلدنا بالتضييق على الصحافة وخنق الحقيقة.
جميل جداً..
نحن أول من يدافع عن حق أي صحفي إسبانياً كان أم مغربيا في التغطية بحرية ونقل الصورة كما هي دون وصاية أمنية.
لكن المسألة هنا ليست مسألة مبدأ أصيل يُدافع عنه ببديهية بل مسألة استعلاء إعلامي مقيت يستغل المبدأ حين يكون في صالحه ويدوس عليه بالأقدام حين يُكشف المستور في حدائقه الخلفية
أين كانت هذه الحميّة الحقوقية وهذه الغيرة الإعلامية قبل أيام فقط حين أُغلق الباب في وجه طاقم القناة الثانية المغربية (2M) وإخراجه من وسط سبتة فقط من أجل متابعة ملف إنساني يرتبط بالعائدين المغاربة؟
بل أين كانت هذه الوكالات والجمعيات حين تعرّض صحفي مغربي لإهانة ميدانية واعتداء جسدي داخل سبتة وهو الذي دخلها بقوة القانون محصناً بتراخيص رسمية لإنجاز تحقيق استقصائي حول وضعية القاصرين وظروف عيشهم الكارثية في مراكز الإيواء؟
وهنا تحديداً نشد على أيادي السلطات المغربية التي تعاملت بندية عالية ليس خوفاً من الحقيقة أو هروباً من عدسات الإعلام بل بمبدأ المعاملة بالمثل واحتراماً لكرامة مواطنيها الصحفيين الذين تعرضوا لهكذا مضايقات وانتهاكات صارخة على الطرف الآخر.
إن الرسالة هنا واضحة ولا تحتمل التأويل:
السيادة الإعلامية والكرامة المهنية للصحفي المغربي ليستا ورقة ملحقة يمكن تجاوزها أو التغاضي عن إهانتها دون ثمن
غير أن هذا التناقض الإسباني لم يأت من فراغ فـالحقيقة التي يحاول الإعلام الإسباني التعامي عنها هي أن سبتة ليست مجرد نقطة جغرافية بل هي بؤرة سوداء أخلاقية في السياسة الداخلية لمدريد وفي علاقتها مع أوروبا
عندما يُراد تسويق الصورة للإعلام الأوروبي، تُصور سبتة قلعة للقيم ولحقوق الإنسان.
وعندما يقترب صحفي مغربي بكاميرته ليتفحص الثقوب في تلك الصورة ويرصد واقع أطفال يُعاملون كالمهملات خلف الأسوار — تتحول الحرية إلى خط أمني أحمر ويتحول الترخيص الرسمي إلى مجرد ورقة لا تحمي صاحبها من هراوات الأمن أو تضييق السلطات الإسبانية!
هذا الانفصام المهني هو ما يجعل بيانات التنديد الإسبانية تجريداً خاوياً من أي مشروعية أخلاقية..
إذ لا يمكنك أن تطالب بالحرية الكاملة لنفسك في أرض الجيران بينما تمارس القرصنة الإعلامية وتكميم الأفواه داخل سبتة المحتلة
إن حرية الصحافة ليست حقاً استعمارياًيُمنح لطرف ويُحرم منه آخر ولا هي تأشيرة دخول تُستخدم في اتجاه واحد.
إذا كانت مدريد ونقاباتها تريدان حقاً الدفاع عن حرية الإعلام فعليهما أولاً امتلاك شجاعة الاعتذار للصحفي المغربي المعتدى عليه في سبتة ولطاقم القناة الوطنية المشمول بالمنع.
أما الاستمرار في لعب دورالضحيةعند الحدود والجلادخلف أسوار سبتة فهو سلوك لا يمت للصحافة بصلة بل هو مجرد سياسة إعلامية عرجاء تسقط ما تبقى من أقنعة وتُثبت أن زمن الاستعلاء الإعلامي قد انتهى بلا رجعة وأن كرامة صحافتنا الوطنية ليست جداراً قصيراً يستغله الآخرون متى شاؤوا
يوسف غريب كاتب صحفي
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



