الثقافة

فرقة آيت لمان.. مسار يجمع ذاكرة الأمازيغ ونبض الحاضر في نغم عابر للحدود

في المشهد الموسيقي الأمازيغي، هناك تجارب لا تحتاج إلى ضجيج كبير حتى تفرض حضورها، لأنها ببساطة تنتمي إلى الناس وإلى ذاكرتهم. ومن بين هذه التجارب تبرز فرقة آيت لمان، التي ارتبط اسمها بمدينة إنزكان منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي، واستطاعت على امتداد عقود أن تجعل من الموسيقى جسراً بين أصالة الماضي ونبض الحاضر.

بدأت حكاية آيت لمان على يد الشقيقين سعيد وعبد الله شرع، في زمن كانت فيه الأعراس والحفلات الشعبية فضاءً حقيقياً لصناعة الفنان وبناء علاقته بالجمهور. ومن هناك بدأت المجموعة تشق طريقها، قبل أن تنتشر تسجيلاتها الصوتية بين الناس، فتتحول الأغاني المسجلة في المناسبات إلى وسيلة لتعريف جمهور أوسع بتجربتها.

ولعل ما يلفت في مسار آيت لمان أن نجاحها لم يكن وليد لحظة عابرة، بل نتيجة سنوات طويلة من الحضور والممارسة والاحتكاك المباشر بالجمهور. فقد أمضت المجموعة نحو عقدين في العمل الفني قبل أن تصدر أول ألبوم لها سنة 2010، لتواصل بعد ذلك إنتاج عدد من الأغاني والأعمال التي رسخت حضورها، من بينها «Taglla»، و«L3î Ighkik Iriz»، و«Manzakin Awa»، و«Madak Skerghi»، و«Al Jouher»، و«Akal Inou»، وغيرها.

لكن اختزال تجربة آيت لمان في أسماء الأغاني سيكون ظلماً لمسارها.

فالفرقة اختارت لنفسها لوناً موسيقياً يقوم على التلاقح بين مجموعة من التعبيرات الفنية الأمازيغية، مستفيدة من فنون «تيروبا» و«تزنزارت» والنَفَس الكناوي، إلى جانب مدرسة «الروايس». وهذا التنوع منح تجربتها خصوصيتها، وجعلها قادرة على الجمع بين إيقاعات متعددة وروح واحدة عنوانها التشبث بالهوية والانفتاح على التجديد.

ومن وجهة نظرنا، فإن هذه النقطة تحديداً هي إحدى أهم أسرار استمرار آيت لمان.

فالفنان الذي يكتفي بتكرار الماضي قد يحافظ على جمهوره القديم، لكنه يجد صعوبة في الوصول إلى الأجيال الجديدة. أما الفنان الذي يقطع صلته بجذوره بحثاً عن التجديد، فقد يفقد جزءاً من هويته. وآيت لمان حاولت أن تسلك الطريق الأصعب: أن تحافظ على الذاكرة، وفي الوقت نفسه تفتح نوافذها على الحاضر.

ولم يبق هذا الحضور محصوراً في المغرب، إذ حملت المجموعة تجربتها إلى عدد من المنصات داخل المملكة وخارجها، ووصل صداها إلى جمهور في فرنسا وبلجيكا وكندا. وهنا تتحول الموسيقى من مجرد أداء فني إلى وسيلة للتعريف بالثقافة والهوية، خصوصاً لدى أبناء الجالية المغربية والأمازيغية الذين يجدون في هذه الأغاني شيئاً من الوطن والذاكرة والانتماء.

من أشرطة الأعراس إلى فضاء أوسع

عندما بدأت آيت لمان مسيرتها، لم تكن المنصات الرقمية موجودة بالشكل الذي نعرفه اليوم، ولم يكن الوصول إلى الجمهور العالمي يتم بضغطة زر. كانت الأغنية تحتاج إلى وقت كي تنتشر، وكانت أشرطة التسجيل وسيلة أساسية لحفظ الأعمال وتداولها.

اليوم تغير كل شيء.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل تستطيع التجارب الفنية القديمة الاستمرار في عصر السرعة الرقمية؟

تجربة آيت لمان تقدم جواباً إيجابياً، خصوصاً أن المجموعة لم تتوقف عند حدود الماضي، بل عملت على امتلاك أدواتها الخاصة، من خلال استوديو آيت لمان، بما يتيح لها مواصلة الإنتاج والتجريب والتواصل مع جمهورها.

فرقة آيت لمان.. مسار يجمع ذاكرة الأمازيغ ونبض الحاضر في نغم عابر للحدود - اكادير اليوم

وهذا التحول مهم، لأنه يعكس قدرة الفنان الأمازيغي على الانتقال من زمن الشريط إلى زمن المنصات، دون أن يتخلى عن الروح التي صنعت بدايته.

آيت لمان.. ذاكرة لا تريد أن تتحول إلى ماضٍ

ما يجعل تجربة آيت لمان جديرة بالتوقف عندها ليس فقط عدد سنواتها، ولا عدد المنصات التي وقفت عليها، وإنما قدرتها على الحفاظ على علاقة خاصة مع الجمهور.

فالأغنية التي تُولد من الأعراس والمناسبات الاجتماعية تحمل معها شيئاً من حياة الناس. إنها ليست مجرد كلمات وألحان، بل ذاكرة مرتبطة بوجوه وأماكن ومناسبات وذكريات. ولذلك فإن استمرار المجموعة هو، بشكل من الأشكال، استمرار لجزء من الذاكرة الموسيقية والاجتماعية لمدينة إنزكان والمنطقة.

ومن هنا، يمكن النظر إلى آيت لمان باعتبارها أكثر من مجرد فرقة موسيقية؛ إنها تجربة فنية تختصر رحلة طويلة للأغنية الأمازيغية من الفضاء المحلي إلى الأفق الدولي.

رحلة بدأت من إنزكان، من الأعراس والحفلات، ومرت عبر أشرطة الكاسيت، ثم الألبومات والأغاني المنفردة، وصولاً إلى الاستوديو وفضاء التواصل الحديث، دون أن تفقد البوصلة الأساسية: الإنسان، واللغة، والإيقاع، والذاكرة.

وفي زمن تتغير فيه الموسيقى بسرعة، تبقى قيمة التجارب التي تعرف من أين بدأت وإلى أين تريد أن تصل.

فرقة آيت لمان.. مسار يجمع ذاكرة الأمازيغ ونبض الحاضر في نغم عابر للحدود؛ تجربة تؤكد أن الأصالة لا تعني الوقوف في الماضي، وأن التجديد الحقيقي لا يبدأ من القطيعة مع الجذور، بل من القدرة على حملها إلى المستقبل.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
situs toto dentoto dentoto