الرأيالمجتمع

مئة حكاية وحكاية للتأريخ لقرن من الهجرات السوسية مولاي العربي بن بوجمع بن الطويهر: من مهاجر إلى مستثمر وفاعل اجتماعي

  • د. خالد ألعيوض //

قد تتشابه مسارات الهجرة إذا نظرنا إليها من زاوية تاريخية؛ فقد تتغير طرق السفر، ووسائل الانتقال، وأماكن العمل، وتتبدل السياسات والظروف الاقتصادية التي تدفع الناس إلى الرحيل. غير أن الهجرة، حين ننظر إليها من زاويتها الإنسانية، لا تعرف نمطاً واحداً. فكل مهاجر يحمل معه حكاية خاصة، وكل رحلة تعكس تجربة إنسانية واجتماعية واقتصادية لا تشبه بالضرورة تجربة غيره.

في هذه السلسلة، «مئة حكاية وحكاية للتأريخ لقرن من الهجرات السوسية»، تبرز حكاية مولاي العربي بن بوجمع بن الطويهر، المزداد سنة 1902، مع مطلع القرن العشرين.

إنها حكاية تنتمي إلى الجيل المبكر من المهاجرين السوسيين، لكنها تتميز بكون الهجرة لم تنته بالنسبة إلى صاحبها عند حدود العمل وجمع المال، بل تحولت إلى مشروع للعودة والاستثمار وبناء المكانة الاجتماعية والمساهمة في الشأن العام.

مئة حكاية وحكاية للتأريخ لقرن من الهجرات السوسية مولاي العربي بن بوجمع بن الطويهر: من مهاجر إلى مستثمر وفاعل اجتماعي - اكادير اليوم

  خالد العيوض رفقة الدكتور خالد بوغالم نجل الحاج العربي

النشأة في زمن الفقر والمجاعات

نشأ مولاي العربي في قرية آيت ميمون، في بيئة ريفية كانت تعاني، مثل كثير من مناطق سوس، من الفقر وتقلبات الإنتاج الزراعي والمجاعات المتعاقبة. وكانت فرص العمل محدودة، فيما كانت الأسرة والقرية تعتمدان بدرجة كبيرة على الفلاحة وتربية الماشية وما توفره الظروف من موارد.

غير أن شخصية مولاي العربي تبدو، منذ بداياتها، مختلفة عن الصورة التقليدية للشاب القروي المستقر في محيطه. فقد كان مغامراً ومحباً للترحال، جاب مناطق مختلفة من المغرب بحثاً عن فرص العمل. قصد ما كان السوسيون يسمونه آنذاك «الغرب»، أي المناطق الواقعة إلى الشمال من سوس، كما وصل إلى مراكش وغيرها.

وكانت تلك المرحلة متزامنة مع بدايات الاستعمار الفرنسي، في وقت كانت فيه التحولات الاقتصادية والاجتماعية تفتح مسالك جديدة أمام اليد العاملة المغربية. ومع فتح الطريق نحو فرنسا ووجود تقاليد هجرية سابقة في قريته، اتخذ مولاي العربي قراره بالرحيل إلى باريس.

من طرق المغرب إلى معامل فرنسا

كان مولاي العربي من أوائل أبناء آيت ميمون الذين وصلوا إلى فرنسا. وفي باريس اشتغل في معمل لالزسيين/كابل دو ليون، وهو المعمل الذي سيصبح لاحقاً محطة أساسية في ذاكرة مهاجري آيت ميمون، إذ استقبل عدداً كبيراً من شباب القرية في العقود اللاحقة، حتى أصبح معروفاً بينهم باسم «بولحبال».

هناك دخل مولاي العربي عالم العمل الصناعي الفرنسي، واكتسب تجربة جديدة في بيئة تختلف جذرياً عن عالم القرية. لم تكن الهجرة بالنسبة إليه مجرد انتقال جغرافي، وإنما كانت تجربة لتعلم طرق جديدة في العمل وتدبير المال والتعامل مع المجتمع الصناعي.

اشتغل، وادخر، وبدأ يبني رأسماله الأول.

لكن اندلاع الحرب أعاد ترتيب مساره، فعاد إلى المغرب، ولم يعد هذه المرة إلى القرية فقط، بل اختار إنزكان مجالاً للاستقرار والعمل. وهناك تزوج من أسرة بتراست، من الحاج مبارك، الذي ساعده في تطوير نشاطه التجاري.

من العامل المهاجر إلى التاجر والمستثمر

استقر مولاي العربي في إنزكان، وفتح دكاناً في زنقة السوق، وتخصص في تجارة الملابس. وهكذا تحولت الأموال والخبرة التي اكتسبها في الهجرة إلى رأس مال استثماري داخل المغرب.

لكن طموحه الاقتصادي لم يتوقف عند التجارة. فقد واصل الاستثمار في الفلاحة وتربية الماشية، وكانت له ضيعة كبيرة، عُرفت بما كان فيها من أبقار مستوردة، إضافة إلى نشاطه في تربية الأغنام والماعز.

وتروي الذاكرة الشفوية في القرية أن قطيعه كان يتجاوز ألف رأس، موزعاً بين آيت ميمون وتراست. وسواء تعلق الأمر بالعدد الدقيق أو بصورة تقريبية تناقلتها الذاكرة المحلية، فإن الرواية تكشف عن حجم التحول الذي عرفته حياة رجل بدأ مساره مهاجراً وعاملاً في فرنسا، وانتهى مستثمراً في التجارة والفلاحة وتربية الماشية.

وهنا تكمن إحدى أهم دلالات هذه الحكاية: لم تكن الهجرة عند الجيل الأول مجرد طريق للخروج من الفقر، بل كانت، في بعض الحالات، مدرسة لتكوين رأس مال عاد إلى القرية والمدينة في شكل مشاريع واستثمارات.

مئة حكاية وحكاية للتأريخ لقرن من الهجرات السوسية مولاي العربي بن بوجمع بن الطويهر: من مهاجر إلى مستثمر وفاعل اجتماعي - اكادير اليوم

 الحاج العربي بن الطويهر

الأسرة والتعليم: استثمار في المستقبل

كان لمولاي العربي تسعة أبناء. وتكشف بعض تفاصيل حياته الأسرية عن تحول آخر كان يعرفه المجتمع المغربي في تلك المرحلة، وهو الانتقال التدريجي من الأسرة التي تعتمد على الأبناء في العمل الزراعي والتجاري إلى الأسرة التي بدأت ترى في التعليم استثماراً للمستقبل.

وعندما رُزق ابنه الثاني سنة 1957، فرح بالمولود إلى درجة أنه اشترى سيارة جديدة احتفالاً به. وكان ذلك الطفل هو الدكتور خالد، الذي أصبح لاحقاً أحد الأطباء الاختصاصيين بمدينة الدار البيضاء.

قد تبدو هذه الواقعة تفصيلاً عائلياً بسيطاً، لكنها تحمل دلالة أوسع. فالمهاجر الذي خرج من قرية محدودة الإمكانات، وعاش تجربة العمل الصناعي في فرنسا، أصبح قادراً على توفير شروط اجتماعية واقتصادية مختلفة لأبنائه، وفي مقدمتها التعليم العصري.

لقد بدأ جيل من المهاجرين يكتشف أن أفضل ما يمكن أن يتركه لأبنائه ليس المال وحده، وإنما التعليم الذي يفتح لهم أبواباً لم تكن متاحة للجيل السابق.

«جندار» وذاكرة المقاومة

لم يكن مولاي العربي بعيداً عن الحياة السياسية والوطنية. فقد ربطته علاقات قوية بـحزب الاستقلال، وكان، وفق الروايات المتداولة داخل الأسرة والمحيط المحلي، من الداعمين مادياً للحزب.

وتذهب إحدى الروايات الشفوية إلى أنه ساهم في تهريب أسلحة من فرنسا لتسليمها إلى المقاومة المغربية، وهو ما جعل البعض يلقبه بـ«جندارم»، في إشارة إلى «الجندرمية» وإلى ما كان يحمله من مسدسات.

وتتحدث رواية عائلية أخرى عن زيارة بلّا فريج لبيته، وهي رواية تندرج ضمن الذاكرة السياسية والاجتماعية للأسرة.
ومثل هذه الروايات تحتاج، بطبيعة الحال، إلى مزيد من التحقق من خلال الوثائق والأرشيفات والشهادات المتقاطعة، لكنها تظل ذات قيمة بالنسبة إلى دراسة الذاكرة الشفوية للهجرة، لأنها تكشف كيف ارتبطت بعض تجارب المهاجرين بالنضال الوطني، وكيف لم يكن المهاجر بعيداً بالضرورة عن القضايا السياسية التي كانت تشغل بلده الأصلي.

المهاجر الذي حمل قريته معه

كان مولاي العربي معروفاً كذلك بكرمه. وكلما عاد إلى آيت ميمون كانت سيارته، بحسب الذاكرة المحلية، محملة بالمواد الغذائية التي كان يوزعها على المحتاجين.

وهنا تتحول الهجرة مرة أخرى من تجربة فردية إلى علاقة مستمرة بالقرية.

فالمهاجر لم يغادر المكان نهائياً؛ كان يعود إليه بالمال والخبرة والسلع، وأحياناً بالمساعدة المباشرة. ولذلك شكلت الهجرة في سوس، منذ بداياتها، شبكة اقتصادية واجتماعية عابرة للحدود، تربط القرية بالمدينة وبفرنسا.

وفي أواخر خمسينيات القرن العشرين عاد مولاي العربي إلى فرنسا، حيث استقبله أخوه لحسن وصهراه عياد والمحجوب استقبالاً يليق بمقامه. وزار معمل بولحبال الذي كان قد أصبح جزءاً من ذاكرة مهاجري آيت ميمون، كما أقام خلال وجوده هناك في المنزل الشهير رقم 18.

كان ذلك الرجوع مختلفاً عن رحلة المهاجر الأولى. فقد عاد هذه المرة ليس بوصفه عاملاً يبحث عن مكان في مجتمع صناعي غريب، وإنما باعتباره رجلاً ناجحاً له مكانته الاجتماعية والاقتصادية وعلاقاته الواسعة.

حين تتحول الهجرة إلى مشروع جماعي

تكشف حكاية مولاي العربي بن بوجمع بن الطويهر عن مرحلة مهمة من تاريخ الهجرة السوسية. فقد استطاع بعض أبناء الجيل الأول أن يحولوا الهجرة من تجربة فردية للنجاة الاقتصادية إلى مسار لبناء الرأسمال والاستثمار وتغيير وضع الأسرة.

ومن خلال التجارة والفلاحة وتربية الماشية، استطاع مولاي العربي أن يعيد توظيف ما راكمه في الهجرة داخل المغرب. ومن خلال تعليم أبنائه، ساهم في الانتقال من نموذج الأسرة التي تحتاج أبناءها للعمل في الحقول والدكاكين إلى نموذج الأسرة التي تراهن على التعليم والوظائف الحديثة.

كما أن حضوره في الحياة العامة ودعمه، وفق الروايات المتداولة، للحركة الوطنية، يعكس جانباً آخر من شخصية المهاجر السوسي في النصف الأول من القرن العشرين: مهاجر يعيش بين بلدين، لكنه لا يقطع صلته ببلده الأصلي، بل يحمل قريته معه أينما ذهب.

لقد كان مولاي العربي واحداً من أولئك الذين لم يجعلوا من الهجرة نهاية لعلاقتهم بالمكان، وإنما جعلوا منها وسيلة لإعادة بناء تلك العلاقة على أسس جديدة.

من تجربة فردية إلى أثر اجتماعي

إذا كانت الحكاية التاريخية للهجرة السوسية تُروى عادة من خلال أعداد المهاجرين، ومسارات السفر، وأسماء المعامل والمناجم، فإن حكاية مولاي العربي تذكرنا بأن التاريخ الحقيقي للهجرة يوجد أيضاً في التفاصيل الصغيرة: في دكان الملابس، وفي الضيعة، وفي قطيع الأغنام، وفي السيارة التي حملت الغذاء إلى القرية، وفي طفل أصبح طبيباً.

إنها تفاصيل تكشف أن آثار الهجرة لا تقاس فقط بما يرسله المهاجر من تحويلات مالية، وإنما بما يحدثه من تحول في أنماط العيش، وفي طموحات الأسرة، وفي التعليم، وفي الاستثمار، وفي المكانة الاجتماعية، وفي علاقة الفرد بقريته ووطنه.

ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن بعض أبناء الجيل الأول من المهاجرين استطاعوا، رغم قسوة الظروف الاستعمارية وصعوبة البدايات، أن يحولوا تجربة الهجرة إلى فرصة لإعادة بناء الذات والأسرة والمحيط.

لم يكن مولاي العربي مجرد رجل غادر آيت ميمون إلى فرنسا. لقد كان واحداً من جيل فتح الطريق، ثم عاد ليترك على جانبيه آثاراً امتدت إلى التجارة والفلاحة والأسرة والتعليم والعمل الوطني.

وهكذا تصبح حكايته جزءاً من تاريخ أوسع: للتأريخ لقرن من الهجرات السوسية التي بدأت برحلة فردية بحثاً عن العمل، ثم تحولت تدريجياً إلى ظاهرة أعادت تشكيل الأسرة والقرية والمدينة والمجتمع المغربي.

الدكتور خالد ألعيوض مدير مركز تاوسنا للدراسات والأبحاث

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
situs toto dentoto dentoto