
عقيدة التوازن.. معادلة المغرب في مضيق البوغاز
- يوسف غريب //
بعيداً عن القراءات السطحية للتطورات المتسارعة في حوض البحر الأبيض المتوسط، لا يمكن فصل المطالبة المغربية الأخيرة بفتح ملف سبتة ومليلية والتي جاءت على لسان وزير العدل عن الاتفاق الأخير الخاص بتدبير جبل طارق بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي وإسبانيا.
هذا التزامن الزمني ليس محض مصادفة بل هو استدعاء مباشر لما يمكن تسميته بعقيدة التوازن التي صاغها الملك الراحل الحسن الثاني بدقة متناهية حين قال:
(.. في اليوم الذي تستعيد فيه إسبانيا جبل طارق من بريطانيا سيتعين عليها إرجاع سبتة ومليلية للمغرب لأنه لا يمكن إطلاقاً قبول وضع تسيطر فيه إسبانيا على ضفتي مضيق جبل طارق بالكامل شمالاً وجنوبا)
وهي القاعدة التي تجعل تسوية وضع جبل طارق مرتهنة تزامناً بحسم ملف المدينتين والجزر السليبة.
تلك العقيدة لم تكن مجرد مناورة كلامية بل تأسست على منطق يرى ان أي مكاسب سياسية أو أمنية أو تنظيمية تحرزها مدريد في الضفة الشمالية يجب أن يقابلها تحريك معادل لها في الضفة الجنوبية.
فالجغرافيا واحدة والمجال الحيوي لا يقبل التجزئة ولا يمكن للرؤية المغربية أن تقبل بفك الارتباط بين ترتيبات صخرة جبل طارق وبين ملف سبتة ومليلية والجزر السليبة.
تُعيد هذه الخطوة إلى الأذهان أحداث صيف 2002 إبان أزمة جزيرة ليلى حينها كانت حكومة طوني بلير في لندن وشيكة التوقيع على اتفاق سيادة مشتركة مع حكومة خوسيه ماريا أثنار بشأن جبل طارق غير أن اندلاع الأزمة فرمل المشروع برمته.
وقد ذهبت تحليلات غربية آنذاك إلى أن المغرب أوقع مدريد في فخ تكتيكي أعاد القضية الترابية للمملكة إلى الواجهة الدولية وهو ما كرسه الملك محمد السادس في خطاب العرش لسنة 2002
بعد اسبوعين من اندلاع الأزمة لا للحديث عن الصخرة بل عن مغربية المدينتين المحتلتين وبقية الجزر الأخرى داعيا إسبانيا إلى إحياء (خلية التفكير المشتركة) كما طرحها الملك الراحل الحسن الثاني.
غير أن الفرق الجوهري والحاسم بين أمس واليوم هو أن أدوات اللعبة قد تغيرت جذرياً في نسخة 2026.
خلال عقدين من الزمن جرت مياه كثيرة تحت جسر البوغاز فشمال المغرب لم يعد ذلك المجال الهامشي القائم على التهريب المعيشي والتجارة الحدودية الهشة بل تحول بقرار سيادي حاسم إلى قطب لوجستي وصناعي عالمي يتقدمه غول الموانئ «طنجة المتوسط»، وتكتمل حلقاته اليوم مع «الناظور غرب المتوسط».
هذا التحول الهيكلي أعاد تعريف العلاقة الاقتصادية برمتها وجعل سبتة ومليلية تخنقان ذاتياً تحت وطأة واقع جديد تحيط به مراكز نفوذ واقتصاد مغربية صاعدة.
من هنا فإن استدعاء معادلة مضيق البوغاز اليوم لا يحتاج إلى استعراض عسكري أو احتكاك ميداني على طريقة أزمة 2002.
فالمغرب الذي تحرر من أشكال الاعتمادية الاقتصادية السابقة بات يمتلك أوراق ضغط هادئة وناجعة لتدبير المجال، تسندها ندية سياسية واضحة ومكشوفة.
والرسالة الصريحة الموجهة اليوم إلى مدريد ومن خلفها بروكسل تتلخص في الآتي: إن الهندسة الجيوستراتيجية لمضيق جبل طارق لا يمكن اختزالها في مقاسات أحادية الجانب تُحاك في الضفة الشمالية.
فالجغرافيا لا تُكذب وواقع المصالح المتبادلة يفرض التعامل مع البوغاز كفضاء استراتيجي موحد استقراره الأمني والاقتصادي مرهون شرطاً بمعالجة الملفات العالقة في ضفته الجنوبية.
إن قوة معادلة المغرب اليوم لا تكمن في التلويح بأسلحة المواجهة بل في القدرة على تحويل الجغرافيا إلى ورقة تفاوض صلبة والاقتصاد إلى أداة نفوذ صامتة.
ليست هذه دعوة إلى التصعيد بقدر ما هي تذكير لمن يهمه الأمر بأن أي ترتيبات مستقبلية للمضيق ستظل ناقصة ومبتورة ما لم تأخذ بعين الاعتبار المصالح الإستراتيجية لبلدنا وقضايا سيادته الترابية.
فمغرب اليوم سيتفاوض من موقع “الدولة المركزية في البوغاز لا من موقع العتاب أو الانتظار… لأن معادلة المضيق قد تحوّلت من مقولة تاريخية إلى استراتيجية واقعية صلبة تستند إلى الموانئ والصناعة والموقع الجيوسياسي الفريد بالتوازي مع تعاظم وزنه الدولي والقاري
يوسف غريب كاتب صحفي
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



