المغرب اليوم

شحتان وأوزين.. حرب خرجت من حسابات الرجلين وأصبحت اختبارًا للصحافة والسياسة

  • بقلم: بوشعيب حمراوي //

من الدعم العمومي والمجلس الوطني للصحافة إلى الاتهامات الشخصية وإقحام الأسرة ووعيد «يتبع».. مواجهة تتسع ومن يملك الدليل عليه أن يضعه أمام القضاء

لم يعد السجال المفتوح بين محمد أوزين، الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، وإدريس شحتان، رئيس الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين ومدير «شوف تيفي»، مجرد خصومة عابرة بين سياسي وصحفي يمكن أن تنتهي بتوضيح أو حق في الرد أو حتى باعتذار متبادل، لأن المعركة اتسعت خلال الأيام الأخيرة بصورة لافتة، وخرجت من حسابات الرجلين ومن حدود «شوف تيفي» والحركة الشعبية، ودخلت إليها الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين، ومديرو نشر وصحف ومواقع إلكترونية، فيما أخذت اللغة المستعملة ترتفع إلى درجة أصبحت معها القضية تطرح أسئلة تتجاوز شحتان وأوزين معًا، وتمس علاقة السياسة بالإعلام، وحدود النقد، واستقلال الصحافة، ومصداقية التنظيم الذاتي للمهنة، ومسؤولية السياسي والصحفي عندما يملكان معًا أدوات تأثير كبيرة في الرأي العام.

والتطور الأهم أن محمد أوزين نشر في 13 غشت 2026 نصًا مطولًا بعنوان «إلى شحتان قبل أن يفوت الأوان»، وضمنه اتهامات شديدة اللهجة لرئيس جمعية الناشرين، وتحدث عن «الابتزاز» وعن السعي إلى الهيمنة على المجلس الوطني للصحافة، واعتبر أن للحركة الشعبية دورًا في إفشال هذا الأمر، كما أعلن بوضوح أن «معركتنا هي في مواجهة منبره»، قبل أن يختم النص بكلمة واحدة لها دلالة كبيرة في سياق التصعيد: «يتبع». وهذه كلها، باستثناء واقعة نشر النص نفسه، تبقى ادعاءات ومواقف صادرة عن أوزين، ولا يجوز صحفيًا تحويلها إلى وقائع مثبتة ما لم تسندها أدلة مستقلة أو تحسمها المؤسسات والقضاء.

وهنا بالضبط انتقلت القضية إلى مستوى آخر؛ لأن الأمين العام لحزب سياسي حين يعلن أن «المعركة» أصبحت مع منبر إعلامي، فإن الأمر لم يعد خصومة شخصية صرفة، كما أن حديثه عن دور الحزب في إفشال ما وصفه بمشروع للهيمنة على مؤسسة التنظيم الذاتي للصحافة يفتح بابًا مشروعًا للسؤال حول الحدود الفاصلة بين حق الحزب في إبداء موقف سياسي من قوانين الصحافة، وبين تحوله إلى طرف يعتبر نتيجة معركة مهنية داخل الجسم الصحفي انتصارًا سياسيًا له.

البداية لم تكن في غشت.. ودجنبر 2025 يكشف جذور المواجهة

من الخطأ اختزال ما يجري في منشورات الأيام الأخيرة، لأن الحرب لها جذور تعود على الأقل إلى دجنبر 2025، عندما أثير ملف الدعم العمومي للصحافة وتصريحات محمد أوزين بشأن استفادة مؤسسات إعلامية من المال العام، ورد إدريس شحتان بمراسلة إلى رئيس مجلس النواب نفى فيها حصوله على تمويلات حكومية غير مستحقة، وأعلن استعداده لإحداث لجنة استطلاع برلمانية للتحقق من الاتهامات الموجهة إليه.

وقال شحتان حينها، وفق ما نشر، إنه لم يحصل على دعم من المركز السينمائي المغربي، وإن استفادته المرتبطة بوزارة التواصل لا تتجاوز آلية الأداء المباشر لأجور الصحفيين التي تشمل مقاولات صحفية أخرى، معلنًا قبوله وضع الملف بكامله تحت رقابة البرلمان بدل تركه يدور في فضاء الاتهام والاتهام المضاد.

بل إن الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين تقول في بلاغها الأخير إن شحتان سبق أن تقدم منذ دجنبر 2025 بشكايات لدى وكلاء الملك بشأن جوانب من هذا الصراع، مضيفة أن هذه الملفات لم تصل بعد، وفق روايتها، إلى مرحلة الحسم القضائي. ومن المهم هنا التأكيد أن هذه المعلومة صادرة عن الجمعية نفسها، ولا تعني وجود حكم قضائي لصالح أي من الطرفين.

وهكذا يتضح أن ما نراه اليوم ليس شرارة مفاجئة، وإنما مرحلة أكثر سخونة من صراع ظل يتغذى منذ شهور على ملفات حساسة: الدعم العمومي، نفوذ الناشرين، المجلس الوطني للصحافة، طبيعة المحتوى الإعلامي، وحدود تأثير المؤسسات الصحفية في الحياة السياسية.

12 غشت.. الأسرة تدخل خط النار والجمعية تتحول إلى طرف مباشر

المنعطف الأخطر وقع يوم الأربعاء 12 غشت، عندما أصدرت الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين بلاغًا رسميًا هاجمت فيه بشدة مضمون منشور أوزين، معتبرة أن الاتهامات لم تعد تستهدف شحتان في صفته المهنية فقط، وإنما امتدت إلى أسرته الصغيرة، وأعلنت تضامنها معه ومساندتها لكل المساطر القانونية التي قد يقرر اللجوء إليها.

وهنا ينبغي أن نتوقف، بعيدًا عن منطق الانتصار لهذا الطرف أو ذاك.

فالأسرة لا يجب أن تصبح مستودعًا للذخيرة في الحروب السياسية والإعلامية، والحياة الخاصة لا ينبغي اقتحامها لمجرد إيلام الخصم، إلا عندما يتعلق الأمر بوقائع لها علاقة مباشرة بالمصلحة العامة ويمكن إثباتها.

ومن يوجه اتهامًا خطيرًا إلى مسؤول صحفي أو سياسي أو فرد من أسرته لا يكفيه أن يمتلك حسابًا واسع المتابعة أو منصبًا حزبيًا أو مؤسسة إعلامية قوية، بل يصبح مطالبًا بالدليل، لأن هناك فرقًا هائلًا بين نقد المواقف وبين اتهام الأشخاص بأفعال قد تمس شرفهم وسمعتهم وذممهم المالية.

وفي المقابل، التضامن المهني لا ينبغي بدوره أن يتحول إلى حكم بالبراءة قبل التحقيق.

الجمعية تستطيع الدفاع عن رئيسها، وهذا حقها، ولكن مصلحة الصحافة المغربية تقتضي أيضًا أن تقول بوضوح: إذا كانت هناك وثائق، فلتنشر أو توضع أمام الجهات المختصة، وإذا لم توجد، فلا يجوز استعمال الاتهام كسلاح سياسي.

13 غشت.. أوزين يرفع السقف ويقول «يتبع»

ثم جاءت خرجة أوزين الجديدة في 13 غشت لتؤكد أن الرجل لا يتجه، حتى الآن، إلى التهدئة.

فالنص لم يكن مجرد دفاع مختصر عن النفس، بل تضمن توصيفات قاسية لشحتان ومساره ومؤسسته، وأعاد طرح اتهامات تتعلق بالابتزاز والنفوذ داخل المجال الإعلامي، واعتبر أن شحتان أصبح عبئًا على الإعلام، كما تحدث أوزين عن رفض خصمه مناظرة مباشرة معه، وهي رواية أوزين التي تحتاج، مثل باقي عناصر النزاع، إلى وضعها في إطارها الصحيح: ادعاء طرف في خصومة، وليس حكمًا محايدًا على الوقائع.

لكن عبارتين في النص أخطر سياسيًا من بقية السجال.

الأولى هي تقديم الأمر باعتباره معركة مع المنبر.

والثانية هي إسناد فضل إلى الحركة الشعبية في إحباط ما وصفه أوزين بمحاولة السيطرة على المجلس الوطني للصحافة.

وهنا يصبح من حق كل صحفي، حتى لو كان مختلفًا جذريًا مع إدريس شحتان، أن يسأل محمد أوزين:

منذ متى تخوض الأحزاب السياسية معارك ضد المؤسسات الإعلامية؟

فالسياسي يستطيع مقاضاة صحيفة، والرد عليها، وتصحيح معلومة نشرتها، ومساءلة الحكومة عن الدعم الموجه إليها، وانتقاد خطها التحريري، بل وحتى الدعوة إلى مقاطعتها سياسيًا إذا أراد، لكن استعمال لغة «المعركة» بين حزب سياسي ومنبر إعلامي يجعل المسألة أكثر حساسية، خصوصًا ونحن على أبواب استحقاقات انتخابية.

وماذا يعني أن يسجل حزب سياسي «انتصارًا» داخل المجلس الوطني للصحافة؟

هذه النقطة هي في تقديري قلب القضية كلها.

يمكن للحركة الشعبية أن تعارض قانونًا للصحافة، وأن تتقدم بتعديلات، وأن تناقش طريقة تشكيل المجلس الوطني للصحافة، وأن تنتقد تمثيلية هذه الهيئة أو تلك، وكل ذلك يدخل في صميم العمل الحزبي والبرلماني.

لكن حين يقدم الخلاف حول مؤسسة التنظيم الذاتي للصحافة كما لو كان معركة بين حزب وبين ناشر، فإن ذلك يستوجب التوقف.

لأن المجلس الوطني للصحافة، أيًا كانت الانتقادات الموجهة إليه، ليس فرعًا لحزب، ولا ينبغي أن يصبح ملعبًا تسجل فيه الأحزاب أهدافًا على الناشرين أو الصحفيين.

فالصحافة ظلت لسنوات تطالب باستقلال تنظيمها الذاتي عن السلطة التنفيذية، ومن غير المنطقي أن تطالب بإبعاد الحكومة ثم تسمح للأحزاب بالتدخل في حسابات انتخاب مؤسساتها المهنية.

وقد التقط المختار لغزيوي، مدير نشر «الأحداث المغربية» والكاتب العام للجمعية الوطنية للإعلام والناشرين، هذه النقطة تحديدًا في مقاله المنشور تحت عنوان «السياسة ليست التبوريدة على الصحافة»، عندما اعتبر أن المسألة تجاوزت شحتان كشخص إلى سؤال حدود العلاقة بين الحزب والمنبر الإعلامي، وتوقف عند عبارتي «معركتنا هي في مواجهة منبره» والحديث عن دور الحركة الشعبية في ملف المجلس الوطني للصحافة.

وهذا موقف صادر بطبيعة الحال عن مسؤول داخل الجمعية التي يرأسها شحتان، ولذلك ينبغي قراءته من هذا الموقع، لكنه يطرح رغم ذلك سؤالًا موضوعيًا يستحق النقاش.

الرد لم يعد رد شحتان.. بل بدأت جبهة إعلامية تتشكل

وهذه إحدى أهم مستجدات 13 و14 غشت.

فإدريس شحتان لم يعد وحده في مواجهة خطاب أوزين، إذ دخلت الجمعية رسميًا على الخط، ثم توالت مقالات صحفية تنتقد الأمين العام للحركة الشعبية وطريقة إدارته للصراع.

ونشر موقع Le360 مساء 13 غشت مادة مطولة رفض فيها رواية أوزين بشأن «الهيمنة» على القطاع، واعتبر أن اتهاماته لشحتان تفتقر، في تقدير هيئة تحرير الموقع، إلى الإثبات، كما استند إلى إعلان سابق من شحتان بعدم رغبته في الترشح لرئاسة الهيئة التنظيمية المقبلة في حالة فوز الجمعية، لتفنيد فرضية سعيه الشخصي إلى رئاسة المجلس. وهذا بدوره رد إعلامي وموقف تحريري، وليس حكمًا قضائيًا أو تقريرًا مستقلاً يطوي الملف.

ثم جاءت «الأحداث المغربية»، من خلال مقال المختار لغزيوي، لتدخل المواجهة بوضوح، قبل أن تنشر «كود» يوم الجمعة 14 غشت مادة بعنوان لافت هاجمت فيها طريقة أوزين في خوض هذه الحرب، ثم ظهرت لاحقًا على قسم الآراء بالموقع مادة أخرى بعنوان «العنصر الذي عاصرنا وشحتان الذي نعرفه وأوزين الذي عرفناه»، وهو ما يؤكد أن السجال أصبح في حد ذاته موضوعًا لنقاش إعلامي يتسع ساعة بعد أخرى.

وهنا يصبح التحول واضحًا:

بدأنا بشحتان ضد أوزين، وأصبحنا أمام أوزين في مواجهة دائرة آخذة في الاتساع من الناشرين والمنابر والأقلام.

وهذا ليس بالضرورة أمرًا صحيًا.

لا نريد أن تتحول الصحافة إلى «قبيلة» تدافع عن واحد منها

إذا كان هناك خطأ ينبغي على الجسم الصحفي الحذر منه، فهو الانزلاق من التضامن المشروع إلى الاصطفاف الجماعي.

ليس مطلوبًا من كل صحفي أن يدافع عن شحتان لأنه صحفي.

وليس مطلوبًا من كل سياسي أن يدافع عن أوزين لأنه سياسي.

الصحافة ليست قبيلة، والسياسة ليست قبيلة.

فالصحفي الذي ينحاز تلقائيًا إلى ناشر دون البحث عن حقيقة الاتهامات يفقد جزءًا من وظيفته الرقابية، والسياسي الذي يتضامن مع أمين حزب لمجرد انتمائه إلى المجال السياسي يرتكب الخطأ نفسه.

لذلك أرى أن على الصحافة المغربية أن تحمي شحتان من أي تشهير غير مثبت، وفي الوقت ذاته أن تطالب شحتان نفسه بالإجابة عن كل سؤال مشروع يتعلق بتدبير المال العام أو الدعم أو المؤسسة المهنية التي يرأسها.

وأن تحمي أوزين كذلك من أي تشهير أو إساءة لا علاقة لها بالنقاش، لكنها في الوقت نفسه مطالبة بأن تطلب منه تقديم الأدلة على الاتهامات التي يوجهها.

هذه هي الصحافة.

أما تشكيل معسكرات، فليس صحافة.

وأوزين ليس مواطنًا عاديًا يكتب ما يشاء ثم يغادر فيسبوك

محمد أوزين أمين عام حزب سياسي له فريق وبرلمانيون ومناضلون وتنظيم وامتداد في مناطق مختلفة من المغرب، والحركة الشعبية ليست جمعية محلية صغيرة، وإنما حزب ارتبط لعقود بأسماء سياسية كبيرة وكان حاضرًا في الحكومات والبرلمان والحياة المؤسساتية.

ولذلك فإن الكلمات الصادرة عن أمينه العام تحمل وزنًا سياسيًا يتجاوز صفحته الشخصية.

وحين يقول رئيس حزب إن له «معركة» مع منبر، فالأمر مختلف عن شخص يقول إنه غاضب من موقع إلكتروني.

وحين يتحدث عن دور حزبه في إفشال مشروع داخل مؤسسة مهنية، يصبح مطلوبًا منه توضيح طبيعة ذلك الدور.

هل كان عبر التصويت البرلماني؟

أم عبر تعديلات تشريعية؟

أم عبر مواقف سياسية علنية؟

أم أن المقصود مجرد توصيف بلاغي للصراع؟

هذه أسئلة من حق الرأي العام أن يعرف أجوبتها.

وشحتان ليس صحفيًا عاديًا بلا سلطة إعلامية

وفي المقابل، لا يجوز بناء التحليل وكأن إدريس شحتان صحفي منفرد يجلس خلف حاسوبه في مواجهة حزب كامل.

شحتان يدير مؤسسة إعلامية واسعة الانتشار، ويرأس الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين التي تضم أسماء ومؤسسات مؤثرة في المشهد الإعلامي، وأعيد انتخابه رئيسًا للجمعية لولاية ثانية في شتنبر 2025.

وهذه سلطة بدورها.

إنها ليست سلطة تشريعية أو تنفيذية، لكنها سلطة التأثير في الرأي العام.

ولذلك فإن الشروط التي نطالب بها أوزين يجب أن نطالب بها شحتان أيضًا.

لا يجوز تحويل مؤسسة إعلامية بكاملها إلى أداة حرب شخصية.

إذا كان أوزين أخطأ، فلينشر الخطأ ويُفند بالحجة.

وإذا كانت لديه معلومة صحيحة، فلتدقق.

وإذا كانت الاتهامات كاذبة، فالقضاء موجود.

لكن الانتقال إلى حملة يومية تستهدف الشخص وتبحث في كل تفاصيله فقط لأنه في نزاع مع مالك المنبر سيكون خطأ مهنيًا بقدر الخطأ السياسي المتمثل في وضع حزب في مواجهة صحيفة.

اللغة بدأت تصبح أخطر من أصل المشكلة

من يقرأ المواد المتبادلة خلال الأيام الأخيرة قد ينسى أصل القضية تمامًا.

لم نعد نتحدث كثيرًا عن:

كيف يمول الإعلام المغربي؟

كيف يوزع الدعم؟

ما المعايير؟

كيف نضمن استقلال الناشر؟

كيف نمنع الابتزاز إن وجد؟

كيف نحمي الصحفي من الضغط السياسي؟

كيف نجعل المجلس الوطني للصحافة مؤسسة تحظى بثقة الصحفيين والناشرين؟

بل أصبح النقاش يدور حول: من الأقوى؟ ومن سيهزم الآخر؟ ومن سيكشف أسرار الآخر؟

وهذا أخطر ما يمكن أن يحدث.

لأن معركة بدأت بأسئلة جدية حول الصحافة قد تنتهي بتخريب ما تبقى من ثقة الجمهور في الصحافة.

ومعركة بدأت بنقد سياسي قد تنتهي بإضعاف صورة السياسة نفسها.

وعبارة «يتبع» ليست تفصيلًا صغيرًا

حين ختم أوزين مقاله بكلمة «يتبع»، أصبح من المشروع توقع أن تكون لديه حلقات أخرى في الرد أو معطيات إضافية يريد كشفها.

وهنا أقول لأوزين:

إذا كان ما سيأتي مجرد أوصاف جديدة وشتائم أقسى، فمن الأفضل ألا يأتي.

أما إذا كانت هناك وثائق ووقائع ذات مصلحة عامة، فمكانها الطبيعي ليس فقط منشورًا على فيسبوك.

ضعها أمام القضاء.

ضعها أمام البرلمان.

أرسلها إلى مؤسسات الرقابة المختصة.

واجعل المغاربة يعرفون الحقيقة.

والأمر نفسه أقوله لإدريس شحتان.

إذا كنت تعتبر نفسك ضحية حملة تشهير، فلا يكفي أن تصدر جمعيتك بلاغًا وأن ترد المنابر المتضامنة معك على أوزين.

دع القضاء يحسم.

وحين يصدر حكم، انشره كاملاً.

أخشى أن يكون المواطن المغربي هو الخاسر

المواطن العادي الذي يتابع هذه الحرب لا يعرف بالضرورة دهاليز المجلس الوطني للصحافة، ولا علاقات الناشرين، ولا تفاصيل الدعم العمومي.

ما يراه شيء أبسط.

يرى أمين عام حزب يتهم مسؤولًا إعلاميًا بأمور خطيرة.

ويرى جمعية للناشرين ترد وتتهم السياسي بالإساءة والتشهير.

ويرى صحفًا تنخرط في المعركة.

ثم ينتظر.

أين الحقيقة؟

إذا مرت الشهور ولم تظهر الحقيقة، فإن الاستنتاج الذي قد يصل إليه المواطن سيكون خطيرًا: السياسيون يتبادلون الاتهامات، والإعلاميون يحمون بعضهم بعضًا، ولا أحد يحاسب أحدًا.

وهذه الصورة تضر بالصحافة والسياسة معًا.

ما نحتاجه ليس مناظرة للصراخ بل مواجهة بالوثائق

أوزين يقول إن شحتان رفض مناظرته، وفق روايته المنشورة.

لكن السؤال: أي مناظرة نريد؟

هل نريد استوديو يتحول إلى حلبة، يتبادل فيها الرجلان الأوصاف والاتهامات ويرتفع عدد المشاهدات؟

لن نربح شيئًا.

أما إذا كانت مناظرة يحمل فيها كل طرف ملفاته ووثائقه، ويجلس أمام صحفيين مستقلين، ويقدم الأرقام والأدلة، ويمنح الطرف الآخر حق الرد، فقد تكون لها قيمة.

بل ربما الأفضل من المناظرة هو التحقيق.

فلجنة استطلاع برلمانية، أو تحقيق قضائي، أو افتحاص شفاف للدعم العمومي، أو نشر المعطيات المالية التي يسمح القانون بنشرها، يمكنها أن تقدم للمغاربة أكثر مما ستقدمه مائة تدوينة ومائة فيديو.

لا قداسة للصحفي ولا حصانة أخلاقية للسياسي

لا ينبغي أن نصل في نهاية هذه المعركة إلى فكرة أن نقد الصحفي هو اعتداء على حرية الصحافة.

الصحفي يُنتقد.

والناشر يُحاسب.

والمؤسسة الصحفية تسأل عن المال العمومي إذا استفادت منه.

لكن هناك فرقًا بين المحاسبة والتشهير.

وبالمقابل لا ينبغي أن نتصور أن انتخاب شخص أمينًا عامًا لحزب يمنحه الحق في إطلاق أي اتهام بلا دليل.

السياسي يُنتقد ويحاسب ويقاضى مثل غيره.

هذه هي دولة المؤسسات التي نريدها.

بدل أن نبحث عن الفائز.. فلنبحث عن الحقيقة

قد ينتصر شحتان في هذه الجولة إعلاميًا.

وقد ينتصر أوزين سياسيًا.

وقد تنقلب المعادلة غدًا بوثيقة واحدة.

لكن لا أحد يعرف الآن، بناءً على ما هو منشور علنًا، نهاية المعركة.

ولذلك فإن واجب الصحفي ليس التنبؤ بمن سينتصر، ولا اختيار الطرف الذي يحب.

واجبه أن يسأل:

ما الدليل؟

هذه العبارة الصغيرة يجب أن تطارد الطرفين.

أوزين يقول: شحتان فعل كذا؟

ما الدليل؟

شحتان يقول: أوزين يشهر بي؟

أين المنشور؟ وما المسطرة التي اتخذت؟

جمعية الناشرين تقول إن هناك شكايات منذ دجنبر؟

ما مصيرها؟

الحركة الشعبية تقول إن لها موقفًا من تنظيم الصحافة؟

فلتشرحه للمغاربة.

الصحافة تقول إن المجلس مستقل؟

فلتحمه من كل نفوذ، سواء كان نفوذ حكومة أو حزب أو ناشر.

لا تجعلوا الصحافة والسياسة تخسران معًا

إلى حدود مساء الجمعة 14 غشت 2026، ما هو ثابت علنًا هو أن الصراع يتصاعد ويتسع؛ فهناك منشورات وتصريحات لأوزين، وبلاغ رسمي لجمعية الناشرين، ومقالات وردود من منابر ومسؤولين إعلاميين، وشكايات سابقة تقول الجمعية إن شحتان قدمها منذ دجنبر 2025، لكن لا يوجد في المصادر العلنية التي راجعتها حكم قضائي نهائي يحسم الاتهامات الجوهرية المتبادلة.

وهذه الحقيقة وحدها يجب أن تضبط خطاب الجميع.

ليس من حقنا أن ندين شحتان لأن أوزين اتهمه.

وليس من حقنا أن ندين أوزين لأن جمعية الناشرين هاجمته.

القضاء والوثائق والتحقيق هي التي تحسم.

أما نحن، فلا يجب أن نسمح بأن تتحول الصحافة إلى جيش لحماية ناشر، ولا السياسة إلى جيش لمعاقبة صحفي.

لأن المغرب لا يحتاج إلى صحافة خائفة من السياسي، كما لا يحتاج إلى سياسي خائف من الصحافة، وإنما يحتاج إلى صحفي يملك الشجاعة لمساءلة السلطة، وسياسي يملك الشجاعة لتحمل النقد، وناشر يقبل المحاسبة، وحزب يحترم استقلال الإعلام، وقضاء يحسم عندما تتحول الكلمات إلى اتهامات تمس الشرف والمال والسمعة.

وإذا كان محمد أوزين قد أنهى آخر حلقاته بكلمة «يتبع»، فإننا نقول له ولإدريس شحتان معًا:

نعم، ليتبع.

ولكن لتتبع هذه المرة الوثائق بدل الاتهامات، والحجج بدل التجريح، والقضاء بدل محاكم مواقع التواصل الاجتماعي.

لأن السؤال الذي سيبقى بعد انتهاء هذه الحرب لن يكون:

من أسقط من؟ شحتان أم أوزين؟

بل:

ماذا ربحت الصحافة المغربية وماذا ربحت السياسة المغربية من كل هذا؟

وإذا كانت الإجابة: لا شيء سوى مزيد من التشكيك والتشهير وانقسام الجسم الإعلامي وتراجع الثقة في السياسيين، فإن الطرفين، مهما أعلن كل واحد منهما انتصاره على الآخر، سيكونان قد خسرا معًا.. وسيكون الخاسر الأكبر هو المواطن الذي كان ينتظر من الصحافة الحقيقة، ومن السياسة الحلول.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
situs toto dentoto dentoto