الرأيالمجتمع

التواصل والإعلام كرافعة لتفعيل الآليات الأممية لحقوق الإنسان وتعزيز أدوار المجتمع المدني

  • أكادير اليوم – الحسن باكريم //

تقديم :

حضرت مساء أمس الجمعة 14 غشت 2026 في لقاء يتعلق بيوم دراسي  نظمه منتدى إيفوس للديمقراطية وحقوق الإنسان مع شركائه، حول موضوع: ​”التقارير الموازية بين الطموح والممارسة: تحديات مشاركة المجتمع المدني في تعزيز منظومة حقوق الإنسان”، عرف اللقاء تقديم كلمات وعروض حول الموضوع، كانت جد هامة وتناولت قضايا مرتبطة بكل جوانبه إلا نقطة واحدة تبدو لي لها دور أساسي وأهمية كبيرة في الموضوع ، ليس فقط على مستوى التتبع فقط بل على كل المستويات بل كوحدة مهمة داخل تفاصيل  منظومة حقوق الإنسان والمجتمع المدني، وهي دور  التواصل والإعلام كرافعة لتفعيل الآليات الأممية لحقوق الإنسان وتعزيز أدوار المجتمع المدني.

دور التواصل والإعلام

لم تعد علاقة المغرب بالآليات الأممية لحقوق الإنسان تقتصر على تقديم التقارير والمشاركة في جلسات الحوار أمام هيئات الأمم المتحدة، بل أصبحت مساراً متكاملاً يتطلب التفاعل المستمر بين المؤسسات العمومية، والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، وجمعيات المجتمع المدني، والباحثين ووسائل الإعلام.

وفي هذا المسار، يكتسي التواصل والإعلام أهمية خاصة، باعتبارهما وسيلتين لتحويل الالتزامات والتوصيات الحقوقية من وثائق ومصطلحات تقنية إلى معرفة عمومية قابلة للفهم والنقاش والمتابعة.

ويكتسب هذا الدور أهمية أكبر بالنظر إلى تعدد الآليات الأممية المعنية بحقوق الإنسان، من الاستعراض الدوري الشامل إلى هيئات المعاهدات والإجراءات الخاصة. وتوفر مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان قاعدة «المؤشر العالمي لحقوق الإنسان» التي تجمع التوصيات والملاحظات الصادرة عن هذه الآليات، وتتيح للفاعلين الوطنيين، بمن فيهم المجتمع المدني والباحثون، تتبعها وتحليلها.

من نقل التوصيات إلى متابعة تنفيذها

يتمثل أحد الأدوار الأساسية للإعلام في الانتقال من إعلام ينقل التوصية الأممية إلى إعلام يتابع مسار تنفيذها.

فالإعلان عن قبول المغرب لتوصيات معينة خلال الاستعراض الدوري الشامل لا ينبغي أن يكون نهاية القصة الإعلامية، وإنما بدايتها. إذ يحق للرأي العام أن يعرف ماذا حدث بعد ذلك: ما هي الإجراءات التي اتخذت؟ وما هي المؤسسات المكلفة بالتنفيذ؟ وما هي النتائج المحققة؟ وما هي الصعوبات التي تعترض التنفيذ؟

وتؤكد مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان أهمية متابعة التوصيات المقبولة، كما تدعو المجتمع المدني إلى التواصل مع وسائل الإعلام بشأن آلية الاستعراض الدوري الشامل وتوصياته، وتنظيم الندوات والمؤتمرات الصحفية ونشر المعلومات ذات الصلة.

ومن هنا يمكن للإعلام أن يؤدي وظيفة تتجاوز الخبر إلى المساءلة العمومية، عبر طرح الأسئلة ومقارنة الالتزامات بالسياسات العمومية والنتائج الميدانية.

المجتمع المدني يحتاج إلى إعلام حقوقي قوي

لا يمكن تعزيز أدوار جمعيات المجتمع المدني في علاقتها بالآليات الأممية دون تعزيز قدرتها على التواصل مع المجتمع والرأي العام.

فالجمعيات تملك معطيات ميدانية وخبرات متراكمة وتقارير موضوعاتية، كما تستطيع تقديم مساهمات وتقارير موازية إلى الآليات الأممية. لكن هذه المعرفة قد تبقى محدودة التأثير إذا لم تصل إلى المواطن وإلى صناع القرار وإلى وسائل الإعلام.

وهنا يبرز الإعلام باعتباره فضاءً لتوسيع أثر العمل المدني، من خلال تقديم التقارير الحقوقية بلغة مفهومة، وإتاحة المجال أمام الجمعيات لعرض مواقفها ومعطياتها، ومناقشة السياسات العمومية المرتبطة بحقوق الإنسان.

كما أن إشراك المجتمع المدني في مراحل إعداد التقارير الوطنية ومتابعة التوصيات يشكل عنصراً أساسياً في هذه العملية. وقد شددت آليات أممية على أهمية استمرار التشاور والحوار مع منظمات المجتمع المدني في إعداد التقارير ومتابعة الملاحظات والتوصيات.

الإعلام كوسيلة للحق في الوصول إلى المعلومة الحقوقية

إن الحديث عن التواصل في مجال حقوق الإنسان يقود بالضرورة إلى قضية الحق في الوصول إلى المعلومة.

فالمواطن لا يستطيع المشاركة في النقاش العمومي إذا كانت التقارير والتوصيات والبيانات والمؤشرات الحقوقية بعيدة عن متناوله أو تقدم له بلغة تقنية يصعب فهمها.

لذلك فإن نشر التقارير والوثائق الرسمية، وتوفيرها باللغات الأكثر استعمالاً، وتبسيط مضامينها، وإنتاج محتويات رقمية وسمعية وبصرية حولها، كلها عناصر تساعد على جعل حقوق الإنسان جزءاً من الثقافة العامة وليس موضوعاً نخبوياً يظل محصوراً في المؤتمرات والندوات المتخصصة.

وقد أوصت إحدى هيئات الأمم المتحدة بإتاحة تقارير المغرب وملاحظات اللجان للجمهور بصورة يسهل الوصول إليها، وهو ما يؤكد أهمية نشر المعلومة الحقوقية وتعميمها.

مسؤولية خاصة للإعلام في قضايا الهجرة والتمييز وخطاب الكراهية

تتضاعف مسؤولية الإعلام عندما يتعلق الأمر بالقضايا الحقوقية الحساسة، مثل الهجرة واللجوء والتمييز والعنف ضد النساء والأطفال وخطاب الكراهية.

فالمصطلح الإعلامي ليس محايداً دائماً؛ وقد يؤدي اختيار كلمة واحدة إلى تكريس صورة نمطية عن فئة اجتماعية أو مهاجرين أو ضحايا انتهاكات حقوقية.

ومن ثم، فإن الإعلام الحقوقي مطالب باعتماد لغة دقيقة لا تنتج الوصم أو التمييز، وبالتمييز بين الوقائع والأحكام والتفسيرات، واحترام كرامة الأشخاص، والتحقق من المعلومات قبل نشرها.

وفي هذا السياق، تشير المعطيات الرسمية المقدمة إلى منظومة الأمم المتحدة إلى الدور الذي تضطلع به الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري في تعزيز التعددية وحرية الرأي والتعبير، ونشر ثقافة مناهضة للتمييز، ومواجهة مضامين العنف والكراهية والمضامين النمطية.

نحو صحافة تتبع التوصيات الأممية

المطلوب اليوم، إذن، ليس فقط تكوين الصحفي في مفاهيم حقوق الإنسان، وإنما تطوير صحافة متخصصة في تتبع تنفيذ الالتزامات الحقوقية.

ويمكن للمنابر الإعلامية أن تطور مثلاً ملفات دورية حول كل مجموعة من التوصيات الأممية، تتضمن:

التوصية، الجهة المسؤولة، الإجراءات المتخذة، المؤشرات، رأي المجتمع المدني، المعطيات الرسمية، والوضع الميداني.

وبذلك يصبح الصحفي وسيطاً معرفياً بين الوثيقة الأممية والمواطن، وليس مجرد ناقل لبلاغ أو تصريح.

كما يمكن للإعلام الرقمي أن يفتح آفاقاً جديدة أمام هذا النوع من الصحافة، من خلال الإنفوغرافيك والبودكاست والفيديوهات التفسيرية والبيانات المفتوحة والمنصات التفاعلية التي تجعل التوصيات الأممية أكثر قرباً من الجمهور.

من التواصل المؤسساتي إلى الحوار المجتمعي

إن تعزيز التواصل في مجال حقوق الإنسان لا يعني فقط أن تقوم المؤسسات بإصدار البيانات والبلاغات، وإنما يعني بناء تواصل في اتجاهين: المؤسسات تتواصل مع المجتمع، والمجتمع المدني والإعلام يطرحان الأسئلة ويقدمان الملاحظات والمعطيات.

وفي هذا الاتجاه، أوصت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، في ملاحظاتها عقب الجولة الرابعة من الاستعراض الدوري الشامل للمغرب، بمواصلة تعزيز المشاركة المدنية، بما في ذلك حماية حرية التعبير والتجمع وتكوين الجمعيات، وإشراك مختلف الأطراف، ومن بينها المجتمع المدني، في متابعة تنفيذ التوصيات.

وهنا تبرز أهمية الإعلام المستقل والمهني باعتباره جزءاً من المجال العمومي الذي تتم داخله مناقشة قضايا حقوق الإنسان وتقييم السياسات العمومية.

الخلاصة: الإعلام شريك في بناء ثقافة حقوق الإنسان

إن مستقبل العلاقة بين المغرب والآليات الأممية لحقوق الإنسان لا يرتبط فقط بعدد الاتفاقيات المصادق عليها أو التوصيات المقبولة، وإنما أيضاً بقدرة المجتمع على معرفة هذه الالتزامات ومناقشتها وتتبع تنفيذها وتقييم أثرها.

وفي هذه العملية، يشكل الإعلام والتواصل حلقة وصل أساسية بين المؤسسات الأممية والوطنية والمجتمع المدني والمواطن.

ومن ثم، فإن الرهان الحقيقي يتمثل في الانتقال من «إعلام حقوق الإنسان» إلى «إعلام من أجل حقوق الإنسان»؛ أي إعلام لا يكتفي بتغطية الأحداث والندوات، وإنما يساهم في نشر الثقافة الحقوقية، ومواجهة التضليل والوصم وخطاب الكراهية، وإتاحة المعلومة، وإعطاء صوت للمجتمع المدني، وتتبع تنفيذ التوصيات الأممية، وفتح النقاش العمومي حول مدى تحول الالتزامات الحقوقية إلى سياسات وممارسات ملموسة.

فحين تصبح التوصية الأممية موضوعاً للتحقيق الصحفي، وحين يصبح التقرير الحقوقي مادة للنقاش العمومي، وحين يستطيع المواطن معرفة ما تحقق وما لم يتحقق، يكون التواصل والإعلام قد انتقلا من موقع نقل المعلومة إلى موقع المساهمة في حماية حقوق الإنسان وتعزيز آليات المساءلة والمشاركة.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
dentoto dentoto dentoto dentoto dentoto dentoto dentoto