
مئة حكاية وحكاية للتأريخ لقرن من الهجرات السوسية.. الحاج عياد بليزيد على خطى الأب المهاجر الأول
- د. خالد ألعيوض //
ولد عياد بايزيد سنة 1933 في أسرة عرفت الهجرة مبكراً، وأسهمت تجربتها في تحويل الرحيل من مغامرة فردية إلى تقليد عائلي واجتماعي راسخ. كان أخوه الأكبر، المحجوب، الذي يكبره بنحو عشر سنوات، قد رحل إلى فرنسا مباشرة بعد الحرب العالمية الثانية، فاتحاً أمام أخيه الأصغر طريقاً كان قد بدأ يتشكل بالنسبة إلى أبناء القرية.
كانت آيت ميمون، القرية التي ينتمي إليها عياد، قد تحولت تدريجياً إلى قرية للمهاجرين. ومع تراكم التجارب، لم تعد فرنسا أرضاً مجهولة بالنسبة إلى أبناء الدوار؛ فقد أصبح بعضهم يعرف الطرق، وأماكن العمل، وأحياء السكن، بل امتلك آخرون مساكن في ضواحي باريس. وهكذا تحولت الهجرة شيئاً فشيئاً إلى معرفة جماعية تتوارثها الأجيال.
في سنة 1958، قرر عياد وثلاثة من أبناء جيله أن يلتحقوا بمن سبقوهم إلى فرنسا. وكان لكل واحد منهم أخ أكبر في المهجر. لم تكن هذه المصادفة عابرة، بل كانت تعبيراً عن قاعدة اجتماعية أصبحت راسخة: الأول الذي يصل يفتح الباب للآخرين.
لقد كانت الهجرة، في تلك المرحلة، هجرة عائلية بامتياز. يهاجر الأخ الأكبر، ثم يلتحق به الأصغر، وبعده قريب أو ابن عم أو صديق من القرية. وهكذا كانت شبكة القرابة والجوار تتحول إلى شبكة للهجرة، تجعل الطريق إلى فرنسا أقل خطورة وأكثر وضوحاً.
من الدار البيضاء إلى أورلي
ركب عياد ورفاقه الطائرة من الدار البيضاء متوجهين إلى فرنسا. وعندما حطوا بمطار أورلي، لم يشعروا بأنهم وصلوا إلى بلد غريب تماماً؛ فقد كان في استقبالهم مهاجرون من آيت ميمون سبقوهم إلى هناك.
قادهم هؤلاء إلى المنزل الذي سيقيمون فيه، وهناك وجدوا الطاجين ينتظرهم. وكان البيت ممتلئاً بشباب الدوار المهاجرين، جاءوا لمعرفة أخبار القرية والأهل والأحباب.
كان هذا الاستقبال جزءاً من تقليد الهجرة السوسية في تلك المرحلة: القادم الجديد لا يصل وحيداً، ولا يترك لمصيره. يستقبله أبناء القرية، يوفرون له المبيت والطعام، ويبحثون له عن العمل، ويعرّفونه على المكان. كانت الهجرة شبكة تضامن قبل أن تكون انتقالاً جغرافياً.
كان المنزل يحمل الرقم 18 في جانفيليي. ومن الطريف أن منزلين كبيرين ومتقابلين كانا في ملك مهاجرين سوسيين: الرقم 18 كان يسكنه مهاجرون من دوار الخربة، بينما كان المنزل رقم 28 يأوي أبناء البريج.
كانت القريتان تنتميان إلى قبيلة أولاد ميمون، وتجمعهما أصول مشتركة، لكن المنافسة بينهما ظلت حاضرة حتى في المهجر. ومن المفارقات أن الحدود الرمزية التي كانت تفصل بينهما في الوطن بدت وكأنها قد عبرت البحر الأبيض المتوسط مع المهاجرين.
ومع ذلك، لم تمنع هذه المنافسة وجود مصالح مشتركة. فعندما يتعلق الأمر بالمقبرة أو بما يرتبط بالجد ميمون، كان أبناء القريتين يتعاونون ويجمعون المساهمات معاً. أما المصالح الخاصة بكل قرية، كالمسجد وغيرها، فكان لكل واحدة منها نظامها الخاص في جمع المساهمات، أو ما كان يعرف في أوساط المهاجرين بـ”الفريضة”.
كانت هذه المساهمات واجباً اجتماعياً على المهاجر، وكانت الحياة الجماعية هي الإطار الذي ينظم علاقته بالقرية حتى وهو بعيد عنها آلاف الكيلومترات.
“سأبقى سنتين فقط”
عندما وصل عياد إلى فرنسا، لم يكن يتصور أنه سيقضي فيها أكثر من بضع سنوات.
وعندما سئل عن المدة التي ينوي البقاء فيها، كان جوابه بسيطاً: سنتان فقط.
لكن السنتين تحولت إلى خمس، والخمس إلى عشر، والعشر إلى أربعين (40) سنة.
لقد كان هذا المصير شائعاً لدى جيل المهاجرين الأوائل. كانت فرنسا في البداية محطة مؤقتة، ومجرد وسيلة لتحسين الدخل والعودة إلى الوطن. لكن الزمن كان له منطق آخر. فالعمل يستمر، والالتزامات تتزايد، والأسرة تكبر، ومشاريع البناء تتوسع، حتى يصبح المؤقت إقامة طويلة.
في الغربة ظل صوت القرية حاضراً
لم يكن عياد وأبناء جيله يعيشون فرنسا باعتبارها قطيعة مع الوطن. كانت القرية حاضرة في الذاكرة، في الطعام، في اللغة، وفي الموسيقى والاحتفالات.
يتحدث عياد بحنين خاص عن أهياض، الذي كان يعتبره من أحب أشكال التراث إلى أبناء آيت ميمون. وكان من بين المهاجرين من يتقنون هذا الفن، يعزفون على الدف ويشاركون في الفرق، وكأنهم يحملون معهم جزءاً من القرية إلى المهجر.
وفي ستينيات القرن الماضي، برز اسم الرايس سعيد أشتوك باعتباره أحد أبرز رموز الأغنية السوسية. ويتذكر عياد حفلاً أقيم في فرنسا واستُقدم إليه الرايس سعيد، فحضر مهاجرون من أشتوكن ومن مناطق مختلفة للمشاركة في هذه المناسبة.
وكان حضور الفنان بالنسبة إلى المهاجرين أكثر من مجرد سهرة؛ لقد كان استعادة جماعية للهوية والذاكرة. حتى إن عياد يتذكر كرم الجمهور الشتوكي مع الرايس سعيد، إلى درجة أنه شبّه كثرة الأوراق النقدية التي قُدمت له بالمطر.
في مثل هذه المناسبات، كانت الأغنية تقوم بما لا تستطيع الكلمات العادية القيام به: تجمع المهاجرين حول ذاكرة مشتركة، وتمنحهم لحظة يشعرون فيها بأن القرية ليست بعيدة كما تبدو على الخريطة.
بين الغربة والاندماج
كان المهاجرون يشاركون كذلك في الأعياد الوطنية المغربية، وخاصة عيد العرش، التي كانت تنظمها القنصليات المغربية في فرنسا. وكان حضور الفرنسيين لهذه المناسبات وجهاً آخر من وجوه التواصل ومحاولة الاندماج في المجتمع الجديد دون التخلي عن الانتماء الأصلي.
أما الحياة اليومية فكانت مختلفة تماماً.
كان السكن جماعياً، وكانت الغرف تضم أحياناً عدة أشخاص. وكان من المعتاد أن يجتمع الإخوة في الغرفة نفسها، وأن يتقاسموا الطعام ويهيئوه بأنفسهم. كانت الحياة بسيطة، وأحياناً قاسية، لكنها كانت مبنية على التضامن وتقاسم الأعباء.
ولم يلتحق أبناء عياد به في فرنسا، رغم أنه عاش مرحلة التجمع العائلي. فقد اختار أن يتركهم في إنزكان، حيث اشتغل وحيث بنى بيتاً كبيراً. كما بنى بيتاً آخر في الدوار.
كان يقول، في معنى يلخص فلسفة جيله:
“الدار خاصها تكون موجودة، والحمد لله، أما فرنسا فغادي نبقاو فيها غير حتى نوجدوا الرجوع”.
كان بناء البيت في الوطن أحد أكبر هواجس المهاجرين. بل تحول البيت الفخم إلى معيار اجتماعي للنجاح. فالمهاجر الذي يعمل طوال السنة في غرفة مشتركة مع أربعة أشخاص كان يريد أن يعود إلى قريته ببيت يثبت أنه نجح.
لم تكن العمارة مجرد بناء من الإسمنت والحجر؛ كانت بالنسبة إلى المهاجر ترجمة مادية للنجاح والكرامة.
الحقيبة التي تحمل الوطن
كان الصيف هو الشهر الأكثر انتظاراً بالنسبة إلى المهاجرين.
وعندما يقترب موعد العودة، تبدأ رحلة أخرى: رحلة البحث عن الهدايا.
يتذكر عياد ذهابه إلى المتاجر لشراء مستلزمات العودة، وكيف كانت البداية دائماً مع الحقيبة الحديدية «الباليزا»، التي لا يزال يحتفظ بها في البيت.
ثم تُشترى الملحفة للأم أو الزوجة، والعطر، والصابون المعطر، واللوز، والشاي، والقرنفل، وسائر الأشياء التي كانت تحمل رائحة فرنسا إلى البيت المغربي.
وكانت أدوات إعداد الشاي لها مكانة خاصة: الصينية، والبراد، والكؤوس.
لقد أصبحت الصينية الفرنسية رمزاً للنجاح. لم تكن مجرد أداة منزلية، بل كانت شيئاً يعرضه المهاجر أمام أهله، شاهداً على أن الغربة لم تذهب سدى.
كانت العودة إلى القرية طقساً سنوياً، وكان المهاجرون يعيشون العطلة باعتبارها أجمل أيام السنة. ففيها يستعيدون الأسرة، والأصدقاء، والدوار، واللغة، والموسيقى، ودفء العلاقات التي غابت عنهم طوال أشهر العمل.
“جانبي”… أغنية جيل كامل
لعل تجربة عياد وأبناء جيله تختصرها أغنية عموري مبارك “جانبي”، التي كانت تحيل، في نطق المهاجرين، إلى جانفيليي، الحي الذي عاش فيه عدد منهم.
لم تكن الأغنية مجرد عمل فني؛ كانت مرآة لجيل كامل خرج من سوس إلى الضواحي الصناعية لباريس، يحمل معه الفقر والطموح والحنين.
يقول معنى القصيدة إن أبناء البلدة لم يألفوا أجواء الغربة، وإن العمل كان شاقاً ومتعباً، لكنهم واجهوا ذلك بالصبر والرجولة، وظل الحنين إلى الوطن يسكنهم. وكان الانتصار الأكبر هو يوم العودة إلى الشمس، لأنهم أبناء الشمس.
بهذا المعنى، كانت «جانبي» أغنية الهجرة السوسية بامتياز: تعب في الغربة، وصبر في العمل، وحنين إلى الأرض، وحلم بالعودة.
جيل الخمسينيات: الهجرة من أجل العودة
حكاية عياد بايزيد هي في جوهرها حكاية جيل الخمسينيات.
جيل تغيرت أمامه شروط الهجرة تدريجياً. تحسنت الأجور، وأصبح هناك فائض يمكن ادخاره واستثماره، خصوصاً في بناء المنازل. وتحولت المنافسة في البناء إلى ظاهرة اجتماعية؛ فكل مهاجر يريد أن يكون بيته أفضل من بيت الآخر، لأن البيت أصبح مقياساً للنجاح أمام المجتمع.
لكن خلف هذه المنافسة الظاهرة كانت توجد منظومة أعمق من القيم.
كان المهاجرون حريصين على البقاء ملتصقين ببلداتهم. كانوا يتضامنون فيما بينهم، ويستقبلون القادمين الجدد، ويؤوونهم، ويبحثون لهم عن العمل، ويجمعون المساعدات لفائدة القرية، ويساهمون في مشاريعها.
وكان لديهم أيضاً حلم مشترك: أن يكون أبناؤهم أفضل منهم.
فالهجرة لم تكن، بالنسبة إلى هذا الجيل، مجرد بحث عن المال. كانت مشروعاً عائلياً واجتماعياً متكاملاً: تحسين مستوى العيش، بناء بيت، مساعدة الأسرة، دعم القرية، وتعليم الأبناء وفتح آفاق جديدة أمامهم.
عياد… على خطى الأب المهاجر الأول
عندما غادر عياد آيت ميمون سنة 1958، كان يسير على الطريق الذي فتحه قبله أخوه المحجوب، كما سار المحجوب بدوره على طريق من سبقه.
وهكذا تتضح إحدى أهم خصائص الهجرة السوسية: المهاجر الأول لا يهاجر وحده؛ إنه يفتح طريقاً لعائلة كاملة، ثم لدوار، ثم لقبيلة.
من منزل إلى منزل، ومن أخ إلى أخ، ومن قرية إلى فرنسا، تشكلت شبكة بشرية عابرة للحدود.
كانت الهجرة تبدأ بشخص، ثم تتحول إلى تقليد، ثم إلى ذاكرة جماعية.
وحكاية عياد بايزيد ليست فقط قصة رجل قضى سبعاً وعشرين سنة في فرنسا. إنها قصة جيل آمن بأن الغربة وسيلة، وأن العمل طريق، وأن البيت عنوان للنجاح، وأن العودة هي الحلم الذي يمنح سنوات الغربة معناها.
لقد هاجروا بعيداً عن الشمس، لكنهم ظلوا يحلمون بالعودة إليها.
كانوا أبناء الشمس، ولذلك لم تكن فرنسا بالنسبة إليهم وطناً بديلاً، بل طريقاً طويلاً نحو الوطن.
* الدكتور خالد ألعيوض مدير مركز تاوسنا للدراسات والأبحاث
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



