
سبتة ومليلية المحتلتان..هل بدأ العدّ التنازلي لتدويل القضية؟
- يوسف غريب //
خلال الساعات الأربع والعشرين الأخيرة برز تطور يستحق التوقف عنده طويلاً في مسار العلاقات المغربية الإسبانية فملف المدينة المحتلتين سبتة ومليلية والذي ظل محاطاً بحساسية سياسية كبيرة عاد هذه المرة إلى واجهة النقاش الرسمي بعدما أعاد المغرب التأكيد على مغربيتهما مع التشديد في الوقت نفسه على أن معالجة القضية ينبغي أن تتم عبر الحوار السياسي.
في المقابل سارعت إسبانيا إلى رفع سقف ردها السياسي والعسكري، مؤكدة أن أي اعتداء على سبتة ومليلية سيُنظر إليه باعتباره اعتداءً على إسبانيا نفسها وهنا تكمن إحدى أهم دلالات التطور الأخير:
فبمجرد أن أعاد المغرب وضع القضية فوق الطاولة وجدت إسبانيا نفسها مضطرة إلى إعلان موقفها والرد عليه بتشنج واضح ومكشوف
هذا الرد يدفعنا إلى التساؤل لماذا ترفض إسبانيا حتى مناقشة القضية؟
فمدريد التي تطالب منذ عقود بالتفاوض مع بريطانيا بشأن جبل طارق وتعتبر وجود السيادة البريطانية على الصخرة قضية تاريخية وسياسية قابلة للنقاش والتفاوض لكن عندما يتعلق الأمر بسبتة ومليلية يصبح الموقف الإسباني مختلفاً يصل حد التهديد من أعلى مؤسسة عسكرية هناك
لكنه تهديد وفي هذا التوقيت بالذات أعطى من حيث لا تدرى وزيرة الدفاع الإسباني زخما دوليّا غير مسبوق
خاصة وأن التوقيت والسياق العام يفرض نفسه مع اقتراب انعقاد الدورة الجديدة للجمعية العامة للأمم المتحدة منتصف سبتمبر المقبل حيث يجتمع قادة العالم في أكبر منصة دبلوماسية سنوية لمناقشة قضايا السيادة والأمن والنزاعات الدولية تحت يافطة :
” الاسبوع رفيع المستوى ”
مما يدفعنا إلى القول بأن الدبلوماسية المغربية ستسثمر- لاشك – هذه المنصة ليس للمطالبة بقرار أممي مباشر ولا الدخول في مواجهة دبلوماسية مفتوحة مع إسبانيا وإنما طرح السؤال نفسه أمام المجتمع الدولي :
إذا كانت إسبانيا تعتبر التفاوض بشأن جبل طارق خياراً مشروعاً فلماذا ترفض حتى مبدأ الحوار عندما يتعلق الأمر بسبتة ومليلية؟
مثل هذا الطرح لا يحتاج إلى تهديد ولا إلى تصعيد عسكري ولا إلى لغة مواجهة.
يحتاج فقط إلى نقل النقاش إلى المكان الذي تصبح فيه المواقف أكثر عرضة للمساءلة السياسية والأخلاقية.
وهنا تحديداً قد تكمن الاستراتيجية المغربية
فالمعركة في هذه المرحلة ليست بالضرورة معركة حول تغيير الوضع القائم على الأرض وإنما معركة حول من يملك حق تعريف القضية.
إسبانيا تريد تثبيت سبتة ومليلية باعتبارهما جزءاً من الأراضي الإسبانية وبالتالي اعتبار مسألة السيادة مغلقة وغير قابلة للتفاوض.
أما المغرب فيسعى إلى إعادة تعريف القضية باعتبارها ملفاً تاريخياً وسياسياً لم يُغلق بعد وبالتالي من حقه أن يطرحه وأن يطالب بمناقشته.
وإذا ما نحجت الدبلوماسية المغربية في تحويلها إلى نقاش أوسع حول الازدواجية في التعامل مع النزاعات الإقليميةوإرث الاستعمار والحدود التاريخية في إفريقيا فإن طبيعة المعركة نفسها تتغير.
ولهذا فإن ما يحدث حالياً لا ينبغي قراءته باعتباره مقدمة لمواجهة عسكرية بل باعتباره اختباراً جديداً للاسلوب المغربي في تدبير الأزمات بنفسه الطويل الهادئ الواثق
فبلدنا لا تحتاج في هذه المرحلة إلى دبابة كي تضع سبتة ومليلية على جدول الأعمال يكفي أن تضع السؤال فوق الطاولة وأن تدفع إسبانيا إلى الإجابة عنه.
وقد يكون هذا هو التحول الحقيقي الذي بدأنا نشهده:
من قضية بقيت طويلاً خلف الأبواب المغلقة إلى قضية يُختبر الآن مدى إمكانية وضعها فوق الطاولة الدولية.
وهنا بالضبط لا يكون الانتصار الأول هو الحصول على الإجابة بل إجبار الطرف الآخر على أن يجيب عن السؤال..
ماذا تفعلين في إفريقيا
يوسف غريب كاتب صحفي
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News


