
الأمازيغ وشجرة أركان..
- بقلم الأستاذ أبرايم ادريس//
شجرة الأركان: الكنز البيئي الذي يغذي الاقتصاد والمجتمع في وسط المغرب .
أركان ” Argania Spinoza ” هو شجرة ذات قيمة تاريخية وبيئية، لا تتواجد سوى في جنوب المغرب وتحديدا في المثلث الذي يربط بين مدينة أسفي شمالا إلى مدينة كلميم جنوبا وتالوين شرقا في إقليم تارودانت. تتوزع غابات الأركان في المغرب على مساحة تقدر ب 800 ألف هكتار، وتعتبر ثاني
أكبر غابة بالمغرب بعد غابة البلوط الأخضر كما تتميز هذه الأشجار بتأقلمها مع المناخ الجاف الذي يميز مناطق سوس في وسط المغرب.
تتجلى القيمة البيئية للغاية الأركان في كونها تمثل خزانا التنوع البيولوجي النباتي والحيواني، كما أنها تقف كجدار صامد امام تمدد الصحاري وزحف الرمال، اضافة إلى أنها تساعد في تحسين الخصائص الفيزيائية والكيمائية للتربة مما يساعد في الرفع من مقاومتها للتعرية والانجراف.
تشكل غابة الأركان نظام بيئيا فريدا من نوعه يحظى باهتمام وطني وعالمي ، لاسيما بعد ما تم اكتشاف فوائده الصحية و الطبية و الغذائية، وهناك إسم مغربي ساهم بدوره في التعريف بالأهمية البيئية و الاقتصادية والاجتماعية لهذه الشجرة، فالدكتور فؤاد المساندة ، استاذ باحث في كلية العلوم جامعة ابن زهر بمدينة أكادير، خاض أبحاثا علمية متعددة نشرت على شكل مقالات علمية في أرقى و أفخم المجلات العلمية الأكاديمية سواء الوطنية والدولية، كما تميز بمشاركاته المتميزة في المؤتمرات والندوات العلمية داخل وخارج الوطن من أجل التعريف بهاذ الموروث البيئي الوطني.
شجرة الأركان والاعتراف الأممي:
قابلت الأمم المتحدة في سنة 2021 طلب المغرب بالقبول من أجل الاحتفاء بشجرة الأركان، إضافة إلى منحها إعترافا عالميا، وحددت يوم العاشر من ماي من كل سنة كيوم عالمي لشجرة الأركان، ويعتبر هد اليوم مناسبة من أجل تبادل المعارف والخبرات والممارسات من أجل الحفاظ عليها واستغلالها بشكل مستدام، كما يترجم هذا الإعتراف الجهود العالمية لتعزيز التنمية المستدامة بأبعادها المتعددة.
جدير بالذكر أن الدولة المغربية تنبهت الى ضرورة الحفاظ على هذه الثروة الوطنية، فبادرت سنة 2010 الى تأسيس الوكالة الوطنية لتنمية مناطق الواحات وشجرة الأركان، باعتبارها ثراتا وطنيا وبلورة مشاريع اقتصادية واجتماعية من أجل تحسين مردودها الإنتاجي وتطوير أساليب تسويقها توزيعها.
الأركان مكون أساسي للهوية الثقافية الأمازيغية.
يكتسي البعد الثقافي للأركان أهمية بالغة من أجل كشف وفهم طبيعة التفاعلات بين القبائل الأمازيغية ومحيطها الطبيعي، باعتبار أن المناطق التي ينتشر فيها الأركان تسكنها القبائل الأمازيغية، وبناء على هدا المعطى الجغرافي فاش الأركان يميز الهوية الثقافية الأمازيغية.
في الذاكرة الجماعية الأمازيغ يعتبر الأركان مثالا حيا للقوة والصمود والحرية والآنفة والتكيف مع ظروف الطبيعية القاسية، فالأمازيغ يعتبرون أن الأركان يجسد صورة الأم الشجاعة، الصبورة التي تغدق على أفراد أسرتها بالحنان والعطف والعطاء الغير مشروط كما تقييهم حر الصيف وبرد الشتاء.
في الأدب الأمازيغي يعتبر التفريط في شجرة الأركان بمثابة عقوق الوالدين وجريمة أخلاقية وعرفية جسيمة، ومن أجل صون هذه الشجرة وضع الأمازيغ قواعد عرفية صارمة كعرف” الأكدال” وهو عبارة عن مجموعة من القواعد العرفية التي تؤسس لمبداء الحكامة والإستدامة لتدبير غابة الأركان وخيراتها.
يهدف عرف الأكدال إلى ضبط جميع العمليات المرتبطة بجني الثمار الأركان واستخلاص زيوته، ويقوم هذا العرف على مبداء الموازنة بين احتياجات سكان القبيلة والحفاظ على التنوع البيولوجي.
لا يمكن ان نغفل عن الدور الإجتماعي لهذه الاعراف والمتمثل في العدالة من حصول جميع أسر القبيلة على حصة عادلة من ثمار الأركان بالإضافة إلى تعزيز التكافل الاجتماعي وتنمية الشعور بالمسؤولية تجاه الأرض والموارد الطبيعية.
أركان والأغنية الأمازيغية
وجد الأركان نفسه رفيقا مؤنسا للقبائل الأمازيغية ومعاونا لهم على شظف العيش ومقاومة الظروف المناخية القاسية، وأصبح موضوعا للغناء والقصيدة مما عزز ظهور أصوات شعرية أمازيغية تنادي بأهمية الحفاظ على هذ الموروث الوطني النادر.
كرم الشاعر الكبير مولاي علي شوهاد شجرة الأركان عبر قصيدة جميلة تحمل عنوان ” أركان” وغناها رفقة أعضاء مجموعة أرشاش سنة 1990.
الفنان الكبير وملك الشعراء علي شوهاد إعتمد في قصيدته على أسلوب استنطاق الغابة من أجل أن تدافع عن نفسها بعد سكوت مفروض عليها، لكن الوقت حان من أجل أن تقول الغابة كلمتها وكأنها كائن حي يتألم، يشتكي ويعاتب الإنسان على جفاء المعاملة.
من خلال قصيدته إعتبر الشاعر الأركان كرمز فلسفي وإنساني من أجل الحديث عن الإنسان والهوية والأرض، كما تحمل القصيدة بعدا توعويا يحذر من الإهمال والرأسمالية الإستغلالية.
خطط الشاعر في قصيدته أبياتا شعرية شاهدة على تحول الموروث الشفاهي الفلكلوري الى أداة للمقاومة الثقافية ومرآة يرى فيها المجتمع اختلالاته القيمية والبيئية.
بقلم الأستاذ أبرايم ادريس
10/08/2026
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News




