
أمنيك: عندما يحتفي الفن بالمهاجر وتصبح الهجرة ذاكرةً وهويةً وثقافة
- د. خالد ألعيوض //
ليس «أمنيك» مجرد مهرجان فني عابر، ولا مجرد موعد للاحتفال والموسيقى. إنه تجربة ثقافية تجعل الهجرة في قلب المشهد، وتتعامل معها باعتبارها جزءًا أساسيًا من الذاكرة الجماعية ومن تاريخ المجتمع المغربي، بكل ما تحمله من حكايات الرحيل والانتظار، ومن آلام الفراق وأحلام العودة.
اختار المهرجان في هذه الدورة شعارًا بالغ الدلالة: «100 عام من الهجرة». مئة سنة ليست مجرد مدة زمنية، وإنما قرن كامل من الحكايات والمسارات والتحولات. قرن ترك أثره في الأسر والقرى والمدن، وفي الاقتصاد والثقافة واللغة، وصنع أجيالًا من المغاربة الذين عاشوا بين ضفتين، بين أرض الأجداد وبلدان الاستقرار.
ومن هنا جاءت خصوصية «أمنيك»: فقد حاول أن يحول هذه المئة سنة من التاريخ إلى مادة حية للفن والبحث والنقاش والذاكرة.
على مدى أربعة أيام، لم تكن الهجرة موضوعًا جانبيًا داخل البرنامج، بل حضرت في مختلف مكونات المهرجان. تناولتها الندوات والنقاشات، واستعادتها المعارض التي وثقت مسارات المهاجرين، كما حضرت في السينما والموسيقى واللقاءات الفنية. وكان حضور المهاجرين وأسرهم، سواء المقيمين في المغرب أو القادمين من بلدان الهجرة، يمنح للمهرجان بعدًا إنسانيًا خاصًا؛ إذ لم يعد المهاجر مجرد موضوع للحديث، بل أصبح فاعلًا وشاهدًا وشريكًا في صناعة الذاكرة.
وكان من أبرز لحظات المهرجان عرض شريط سينمائي حول جراح موغا، الشخصية المرتبطة بمرحلة مهمة من تاريخ الهجرة المغربية إلى فرنسا. فاستعادة موغا لم تكن مجرد استحضار لشخصية من الماضي، وإنما محاولة لفتح جراح ذاكرة الهجرة، والعودة إلى البدايات الأولى لمسارات الرحيل، حين كانت الهجرة بالنسبة إلى كثير من الشباب مغامرة محفوفة بالمجهول، قبل أن تتحول لاحقًا إلى ظاهرة اجتماعية كبرى.
وفي المقابل، حضر في المهرجان عمال المناجم وأبناء وشباب الجيل الرابع من الهجرة. وهنا تتقاطع الأجيال: جيل عاش تجربة الهجرة الأولى بكل قسوتها، وجيل ولد في بلدان الاستقرار، وجيل رابع يبحث عن معنى علاقته بأرض الأجداد. وبين هذه الأجيال، يصبح المهرجان فضاءً لإعادة بناء الذاكرة وربط الحاضر بالماضي.
لكن الهجرة في «أمنيك» لم تكن ذاكرة فقط؛ كانت أيضًا لغة وهوية.
فالمهرجان اهتم بتعليم تيفيناغ لفائدة أبناء الجالية، ونظم نقاشات حول الترجمة من الأمازيغية وإليها، وطرح أسئلة مرتبطة بالكتابة والتصوير والتوثيق. وهذه المبادرات تكشف أن الأمازيغية تحتل مكانة أساسية في تصور المهرجان، باعتبارها إحدى أهم حلقات الوصل بين المهاجر وأرض الأجداد.
فالجيل الجديد من أبناء المهاجرين قد يكون بعيدًا جغرافيًا عن المغرب، لكنه يستطيع عبر اللغة والثقافة أن يعيد بناء علاقته بالأصل. ومن هنا يصبح تعليم تيفيناغ والترجمة والتوثيق أدوات للحفاظ على الذاكرة، وليس مجرد أنشطة موازية للبرنامج الفني.
كما أن النقاش حول الترجمة والكتابة والتصوير يفتح سؤالًا مؤسساتيًا أوسع: كيف يمكن توثيق ذاكرة الهجرة الأمازيغية وحمايتها ونقلها إلى الأجيال القادمة؟ وهو سؤال يزداد أهمية في ظل الحاجة إلى مؤسسات ثقافية متخصصة تتولى جمع الشهادات والصور والوثائق وتسجيل الروايات الشفوية للمهاجرين وأسرهم.
ولعل إحدى أهم دلالات المهرجان أن مديره نفسه عاش تجربة الهجرة؛ فقد قضى الجزء الأكبر من حياته في بلجيكا، قبل أن يعود إلى أرض الأجداد ليس فقط لاستعادة علاقته بالمكان، وإنما ليمنح دفعة جديدة للفن والثقافة الأمازيغيين.
وهنا تتحول الهجرة من تجربة اغتراب إلى رأسمال ثقافي. فالمهاجر لا يعود فقط بما راكمه من موارد مادية، وإنما يمكن أن يعود بالتجربة والمعرفة والعلاقات والأفكار، ويعيد استثمارها في خدمة مجتمعه وثقافته.
ومن أجمل ما ميز «أمنيك» أيضًا طريقة تعامله مع الجمهور. فقد بدا أن المسافة التقليدية بين الفنان والجمهور تتراجع إلى حد كبير. كانت هناك لقاءات ونقاشات وصور تذكارية، وفنانون قريبون من الناس، بحيث اختفت تقريبًا الجدران الرمزية التي تفصل عادة بين المنصة والجمهور.
لقد تحولت المنصات إلى منصات للقرب.
وكانت منصة أيت سوس مثالًا واضحًا على ذلك. فالجلوس على الزرابي لم يكن مجرد اختيار تنظيمي، بل أعاد إلى الذاكرة صورة القرية و«أسايس» و«أسرير»، حيث تجلس الجدة إلى جانب بناتها وأحفادها في فضاء مفتوح للحوار والحكاية.
في تلك اللحظة، بدا المهرجان وكأنه يستعيد صورة الأسرة الممتدة، ويمنح الهجرة فرصة للمصالحة مع الذات ومع الأصل ومع الذاكرة. فالهجرة التي ارتبطت طويلًا بالمسافة والغياب، أصبحت هنا وسيلة للعودة واللقاء.
واللافت كذلك أن هذه الأجواء الاحتفالية الجماعية مرت في أجواء هادئة، دون أن تسجل، حسب ما عاينته، حالات تجاوز تذكر. كان الجميع يعيش لحظة فرح جماعي، يتقاسمون الموسيقى والصور والذكريات والحكايات. وهذا يعكس قدرة الثقافة والفن على خلق فضاء للتعايش والتقارب، وتحويل المهرجان إلى مجال للالتقاء بدل الانقسام.
لذلك فإن قيمة «أمنيك» لا تقاس فقط بعدد الحفلات أو الفنانين المشاركين، وإنما بقدرته على إعادة وضع المهاجر في قلب الحكاية.
المهاجر هنا ليس مجرد ممول للأسرة، ولا مجرد شخص يعيش خارج الوطن، ولا مجرد رقم في إحصائيات الهجرة. إنه إنسان له قصة، وله ذاكرة، وله لغة، وله أسرة، وله علاقة بالأرض التي غادرها والتي يعود إليها.
وهذا ما يجعل «أمنيك» إضافة حقيقية إلى المشهد الثقافي للمدينة والجهة. فقد جمع في فضاء واحد الهجرة والفن والأمازيغية والسينما والذاكرة والبحث والنقاش والاحتفال، وفتح الباب أمام لقاء أجيال مختلفة من المهاجرين وأسرهم.
بعد قرن من الهجرة، لم يعد السؤال فقط: لماذا هاجر المغاربة؟ وإلى أين ذهبوا؟
بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحًا: كيف نحفظ ذاكرتهم؟ وكيف ننقل حكاياتهم إلى أبنائهم وأحفادهم؟ وكيف نحول تجربة الهجرة من ذاكرة فردية إلى ذاكرة جماعية؟
ربما هنا تكمن فرادة «أمنيك»: أنه لا يحتفي بالمهاجر من بعيد، بل يجعله موضوعًا وصاحبًا للذاكرة، وشريكًا في إنتاج الثقافة.
إنه مهرجان يقول، من خلال الفن واللغة والسينما والحكاية: إن قرنًا من الهجرة لا ينبغي أن يظل مجرد تاريخ، بل يجب أن يتحول إلى ذاكرة حية، وإلى معرفة، وإلى ثقافة، وإلى جسر يصل بين المهاجر وأرض الأجداد، وبين الماضي والحاضر، وبين الأجيال القديمة والجديدة.
وهكذا يصبح «أمنيك» أكثر من مهرجان؛ يصبح احتفالًا بقرن من الهجرة، وفضاءً لاستعادة الذاكرة، ومنصةً للغة والهوية، وجسرًا ثقافيًا بين المغرب وأبنائه في العالم.
* الدكتور خالد ألعيوض مدير مركز تاوسنا للدراسات والأبحاث
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



