المجتمع

قرن من الهجرات المغربية..اليزيد بن إبراهيم، الرجل الذي فتح باب الهجرة من أيت ميمون إلى فرنسا

  • د.خالد العيوض*//

تبدأ حكاية الهجرة من أيت ميمون إلى فرنسا، وفقًا للذاكرة المحلية والرواية العائلية، من رجل واحد: اليزيد بن إبراهيم بن لحسين بن المير، المعروف ب”كبران” و”شكريد”. لم يكن اليزيد يعرف، وهو يغادر قريته في بدايات القرن العشرين، أنه سيصبح أول ميموني تطأ قدماه فرنسا، وأن رحلته ستتحول، مع مرور الزمن، إلى فاتحة لمسار طويل من الهجرة امتد قرابة قرن، وغيّر وجه الأسرة والقرية والمجال الاجتماعي المحيط بها. بحسب بطاقة فرنسية، وُلد اليزيد سنة 1888 في إفريان، حيث كان والده قد هاجر إليها من طرفاية، قادمين من لمسيد، المرتبطة بقبيلة أهل الحويلات أولاد تيدرارين. وبعد ذلك استقرت الأسرة في أيت ميمون، حيث نشأ اليزيد وتزوج في سن مبكرة، كما كان شأن معظم أبناء جيله. 

كانت الحياة في مطلع القرن العشرين قاسية. الفقر كان جزءًا من الحياة اليومية، والموارد محدودة، فيما كانت وفيات الأطفال تستنزف الأسر وتضاعف هشاشتها. وفي مثل هذه الظروف، لم تكن الهجرة في بداياتها مشروعًا واضح المعالم، بقدر ما كانت استجابة لحاجة ملحة إلى العمل والعيش.

ثم جاءت الحرب العالمية الأولى لتفتح أمام اليزيد طريقًا لم يكن مألوفًا لأبناء قريته. مع اندلاع الحرب، وجدت فرنسا نفسها في حاجة كبيرة إلى اليد العاملة لتعويض النقص الذي خلفه التحاق الجنود بالجبهات. وفي هذا السياق جرى نقل مجموعات من العمال المغاربة إلى فرنسا. وكان اليزيد ضمن مجموعة تضم نحو خمسة عشر شابًا مغربيًا، من بينهم أخوه العربي.

غادروا ميناء الدار البيضاء على متن سفينة متجهة إلى مرسيليا. لم يكونوا جنودًا، وإنما عمالًا جرى توجيههم إلى المصانع لتعويض الخصاص في اليد العاملة. وعند وصولهم إلى مرسيليا، ألبسوهم معاطف كبيرة شبيهة بملابس الجنود، ونُزعت عنهم جلابيبهم المغربية. وفي الميناء، خاطبهم أحد الضباط، وحين أجاب اليزيد عن سؤال يتعلق بأحد رفاقه الذي كان مريضًا، عُيّن مسؤولًا عن المجموعة، ومن هنا ارتبط به لقب “كبران”.

من مرسيليا بدأت مرحلة أخرى من الرحلة. نُقل العمال إلى إقليم موزيل، وبالتحديد إلى مدينة مارفيل، للعمل في مصنع للكبريت. كان العمل شاقًا وخطيرًا، وكانت ظروفه تهدد العمال بأمراض الصدر وغيرها من الأمراض المرتبطة بالعمل الصناعي.

وتحفظ الذاكرة العائلية تفصيلًا دالًا على تلك المرحلة: كان العمال يتلقون لترًا من الحليب يوميًا، في محاولة لمساعدتهم على تحمل ظروف العمل القاسية. لكن المصنع لم يكن وحده مصدر الغربة. حتى الشارع الفرنسي كان بالنسبة إلى هؤلاء الرجال فضاءً جديدًا. فعندما كانوا يخرجون إلى المدينة، كان الأطفال والنساء يخافون منهم في البداية، لأنهم لم يكونوا معتادين على رؤية رجال بملامحهم ولغتهم ولباسهم. غير أن الخوف سرعان ما تحول إلى اعتياد، ثم بدأ السكان يلقون عليهم التحية، لتنشأ تدريجيًا علاقة يومية بين المهاجرين الأوائل والمجتمع المحلي.

غير أن رحلة اليزيد ستظل مرتبطة إلى الأبد بمأساة شخصية ستفوق كل ما عداها من أحداث. بعد انتهاء عقد العمل، قرر اليزيد وأخوه العربي العودة إلى مرسيليا عبر القطار. وفي محطة الانتظار وقعت الحادثة التي سترافق اليزيد بقية حياته.

عند وصول القطار، وبسبب ضخامة المعطف الذي كان يرتديه، سقط العربي على السكة، فلقي حتفه في الحال. كانت الصدمة هائلة. عاد اليزيد إلى المغرب من دون أخيه، ومن دون أن يعرف حتى مكان قبره. لقد خرج من أيت ميمون رفقة أخيه، وعاد إليها وحيدًا، حاملاً معه ذاكرة مأساوية عن أول تجربة للهجرة المغربية من القرية إلى فرنسا.

بعد عودته، لم يستقر اليزيد مباشرة في قريته، بل ظل يتنقل في اتجاه الغرب بحثًا عن العمل والرزق وإعادة بناء حياته الأسرية. مر بمناطق مختلفة، منها الشياظمة وفاس، وجرادة وكان يروي لحفيده أنه قطع المسافة بين أيت ميمون والغرب في نحو خمسة عشر يومًا مشيًا على الأقدام.

وفي سنة 1923 رُزق بابنه البكر، والد الدكتور إدريس، الذي حفظ لنا جزءًا مهمًا من هذه الذاكرة العائلية. وبعد ذلك استقر اليزيد في ضيعته الصغيرة المعروفة باسم “بحيرة شكريد”.

ومن ذاكرة الطفولة بقيت صورته حيّة: رجل مسن دائم الحركة، يقضي معظم وقته في الضيعة، وكأن العمل ظل بالنسبة إليه ليس فقط وسيلة للعيش، بل أسلوبًا للحياة بعد سنوات الترحال والهجرة.

رزق اليزيد بثلاثة أبناء وبنت. ولم تتوقف الهجرة عنده، فقد حمل اثنان من أبنائه لاحقًا تجربة الأب نفسها واتجها إلى فرنسا. وهنا بدأت الهجرة تتحول من رحلة فردية إلى تقليد عائلي، ومن تجربة استثنائية إلى مسار اجتماعي متكرر.

أما ابنه محمد، فقد التحق سنة 1949 بأول مدرسة في أيت عميرة. وهناك احتك بالثقافة الفرنسية وتأثر بها، حتى أصبح يقدم نفسه باسم جون جاك  Jean jacques، وهكذا انتقلت آثار الهجرة من الجغرافيا إلى الثقافة، ومن السفر إلى اللغة والاسم والتعليم والهوية.

محمد أو جون جاك اتجه إلى مدينة أكادير، حيث اشتغل موظفًا ومحاسبًا في أحد معامل تصبير وتعليب السمك، لكنه توفي في سن مبكرة بعد إصابته بمرض خطير. 

أما اليزيد نفسه، فقد ظل حاضرًا في ذاكرة أسرته باعتباره الرجل الذي بدأ الرحلة، وفي سنواته الأخيرة أقام في بيت ابنه الحاج المحجوب بإنزكان، الذي كان قد تقاعد بعد سنوات قضاها في فرنسا.

وتروي الرواية العائلية أنه عاد من فرنسا دون أن يحصل على شيء يُذكر منها، وهي نهاية تختزل جانبًا من المفارقة التي طبعت تجربة أجيال من المهاجرين المغاربة، سنوات طويلة من العمل في الخارج، مقابل حصيلة مادية لم تكن دائمًا في مستوى التضحيات المبذولة.

توفي اليزيد، لكن موته لم يضع حدًا لمسيرته. فقد كان قد ترك وراءه أبناء وأحفادًا، وترك قبل ذلك مسارًا.

فهو، في الذاكرة المحلية، ليس مجرد أول رجل من أيت ميمون وصل إلى فرنسا، وإنما هو من فتح باب الهجرة على مصراعيه. فمنذ رحلته الأولى، بدأت فرنسا تتحول من مكان بعيد مجهول إلى وجهة يمكن التفكير فيها، ثم إلى خيار مألوف، ثم إلى مسار تتوارثه الأجيال.

وهكذا يمكن النظر إلى سيرة اليزيد باعتبارها نقطة البداية في تاريخ هجرة جماعية: رجل واحد عبر البحر في زمن الحرب، دخل مصنعًا للكبريت، عاش الغربة، فقد أخاه في حادث مأساوي، وعاد إلى قريته ليواصل حياته. لكنه، من حيث لم يكن يعلم، كان قد وضع قدميه على طريق سيسلكه بعده العشرات ثم المئات ثم الآلاف.

لقد فتح اليزيد الباب، ودخل من بعده جيل كامل.

ومن هنا تصبح سيرته مدخلًا أساسيًا لفهم “قرن من الهجرات المغربية”:  فالهجرة لا تبدأ دائمًا بقرار جماعي أو بسياسة رسمية، وإنما قد تبدأ أحيانًا من سيرة رجل واحد، تحملها الذاكرة من جيل إلى جيل، حتى تتحول الرحلة الفردية إلى تاريخ جماعي.

إن قصة اليزيد هي، في جوهرها، قصة انتقال أيت ميمون من قرية تنظر إلى فرنسا باعتبارها عالمًا بعيدًا إلى قرية أصبح السفر منها إلى فرنسا جزءًا من تاريخها الاجتماعي. وبين الرحلة الأولى لليزيد والأجيال التي جاءت بعده، امتد قرن من الحركة، والاغتراب، والعمل، والعودة، وانتظار العائدين، وبناء الأسر على ضفتي المتوسط.

كان اليزيد أول من عبر الباب، لكن الباب الذي فتحه ظل مفتوحًا على مدى قرن كامل..

*الدكتور خالد ألعيوض مدير مركز تاوسنا للد راسات والابحاث

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
dentoto dentoto dentoto dentoto dentoto dentoto dentoto