
أكادير… المدينة التي قررت ألا تورّث أبناءها الحزن
في مدن كثيرة، تستطيع أن ترى التاريخ في الجدران القديمة.
أما في أكادير، فالتاريخ موجود في شيء آخر تماماً: في غياب الجدران.
هذه مدينة هدمها الزلزال ذات ليلة، حتى كاد اسمها يصبح خبراً قديماً في الصحف.. لكنها فعلت شيئاً مغربياً جداً: دفنت موتاها، واحتفظت بذاكرتها، ثم ابتعدت خطوات قليلة عن الركام وبدأت تبني نفسها من جديد.
ولهذا تبدو أكادير مختلفة عن بقية مدن المغرب.
لا تتعب نفسك في البحث عن أزقة عمرها خمسمائة عام، ولا عن بيت قديم يروي لك حكاية جدته؛ فهنا ستجد الشوارع الواسعة، والعمارات الحديثة، والبحر مفتوحاً أمام المدينة كأنه نافذة كبيرة.
لكن اصعد قليلاً إلى أكادير أوفلا.
هناك فقط ستفهم الحكاية.
من فوق، تبدو أكادير الجديدة هادئة ومضيئة، بينما تقف القصبة القديمة شاهدة على المدينة التي كانت هنا قبل ليلة 29 فبراير 1960.. منظر غريب ومؤثر: مدينة تنظر من حاضرها إلى قبر ماضيها، ثم تكمل حياتها.
وربما لهذا أحببت في أكادير أنها لا تتاجر بالحزن.
حتى اسمها في الذاكرة المغربية الحديثة ارتبط بجملة لم تكن مجرد شعار لإعادة الإعمار: «لئن حكمت الأقدار بخراب أكادير، فإن بناءها موكول إلى إرادتنا».
والإرادة هنا أصبحت مدينة.
في الصباح يخرج البحر برائحة السمك والميناء، وفي المساء تمتلئ الواجهة بأناس جاؤوا من سوس ومن مدن المغرب ومن نصف أوروبا، وخلف هذا كله تقف الثقافة السوسية بهدوئها وصلابتها: الأمازيغية في اللسان، والتجارة في الذاكرة، والعمل في الطباع.
أكادير ليست أجمل لأنها نجت من الزلزال.
بل لأنها تعلمت درساً نادراً: أن الوفاء للماضي لا يعني أن تسكن فيه.
بعض المدن تحتفظ بآثارها في المتاحف، وأكادير تحتفظ بأثرها الأكبر في طريقتها في الحياة.
كل صباح تفتح أبوابها للبحر، كأن شيئاً لم يحدث.
لكنها لم تنسَ شيئاً.
عماد فواز | إعلامي مصري مقيم في المغرب
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



