الرأيالمجتمع

ساهرون… كي تستيقظ المدينة نظيفة

على غير عادتي اضطررتُ أول أمس للتنقل بسيارتي مساءً نحو مدينة أنزا ملبّياً دعوة حضور افتتاح نشاط ثقافي هناك.
ولم أكن أعلم وأنا أدير محرك سيارتي أن طريق العودة عند منتصف الليل لن يكون مجرد إسفلت أقطعه بل سيتحول إلى لوحة إنسانية كبرى تستدعي مني التأمل والمشاهدة
فاجأتني تلك الطوابير الممتدة من السيارات خيوط ضوئية تتشابك عن اليمين وعن الشمال كأن العائدين والذاهبين في الاتجاه المعاكس ينتمون إلى رحلة أبدية لا أول لها ولا آخر. أسفل البحر وعلى الشاطئ صخب إنساني هائل قد لا تجد له منافساً إلا في ذاك الضجيج الجميل الممتد على سفح الجبل هناك قرب الملعب دون أن ننسى المشاة الذين غصت بهم جنبات الطريق جماعات عائلات أطفال يركضون وشيوخ يتأملون.. منظر رهيب بأبعاد بشرية تثير في النفس الدهشة والفضول.
والغريب في الأمر أن هذا البطء الشديد في الحركة والذي يقل عن سير السلحفاة الوئيد لم يدفعني بتاتاً للتعصب أو النرفزة كما تفعل زحمات المرور بالناس عادة ببساطة شديدة لأنني تحررت من ثقل الزمن وسيكولوجية السرعة اللعينة منذ خمس سنوات تقريباً وأصبحت أنظر إلى الوقت كصديق لا كعدو يطاردني.. زاد من سكينتي وطمأنينتي ما لاحظته من هدوء عجيب يدعو للتأمل لدى مختلف السائقين الذين تقاسمت معهم هذه الطوابير فلا منبهات صوتية تزعج الصمت أو تعبر عن ضيق الصدر ولا احتجاجات تنم عن القلق بل كنت تلمس أحياناً روحاً من التضامن الإنساني النبيل حيث يساعد السائق الآخر في تغيير موقعه نحو وجهته بابتسامة وأريحية. وصلت متأخراً إلى دياري.. نعم، ولكن لا حدث فقد ربحت في المقابل متعة التأمل في هذه السيكولوجية الجماعية الهادئة.
هذه المشاهد الاستثنائية دفعتني بحكم الفضول الذي يفرضه الحس الصحفي لطرح سؤال مشروع:
هل تعيش مدينة أكادير وضعاً استثنائياً هذا الصيف؟ الجواب حملته لغة الأرقام الصماء وهي لغة لا تكذب ولا تجامل إذ تشير الإحصائيات الأولية التي توصلت إليها عبر مصادر رسمية إلى أن المدينة استقبلت إلى حدود الأسبوع الأول من هذا الشهر أكثر من مليون زائر.. توافدوا من مختلف المدن المغربية إلى جانب مغاربة العالم الذين يحملون الشوق في حقائبهم دون احتساب الآلاف المؤلفة من الوافدين إليها من المناطق المحيطة بالمدينة والتي تبعد بأقصاها كمدينة تارودانت حيث تبدأ ذروة الجولان البشري مع صلاة العصر ولا تنتهي إلا مع مطلع الفجر إلا قليلاً وكأن الليل في أكادير قد قرر أن يثور على النوم.
ولأن الفضول يقودني دائماً لمعايشة التجربة لا لسماعها فقط، فقد نزلت لأكتشف أن الشاطئ لم يعد نقطة اللقاء الوحيدة والمقدسة كما كان في السابق.. بل هناك فضاءات جديدة بدأت تثير اهتمام الساكنة وضيوفها وتغير عاداتهم في الترفيه حيث تحولت مختلف فضاءات الحدائق وفي جميع مناطق المدينة إلى منتزهات جماعية للترويح والاستجمام في شريط ممتد من النبض الإنساني ينطلق من حديقة الانبعاث أسفل المدينة وصولاً إلى محيط ملعب أدرار مروراً بكل المنتزهات الجميلة الموجودة بينهما من حديقة اولهاو وصولا إلى منتزه ع الرحمان اليوسفي حيث يفرش الناس الفرح والراحة فوق العشب الأخضر.
هذا التحرك البشري الهائل وهذا المليون زائر، يفرضان تلقائياً سؤالين مرتبطين أساساً بمخلفات وبقايا هذا الطوفان البشري اليومي.
وهنا يتجلى عمل بطولي استثنائي بكل المقاييس لعمال النظافة والصيانة وللمسؤولين بالجماعة الحضرية ذات الإشراف المباشر على هذا الجانب البيئي والصحي عمل يدفع حسّنا الأخلاقي والإنساني إلى رفع قبعة التقدير والاحترام لهؤلاء الأبطال المجهولين الذين أخروا عطلهم السنوية كي ينعم زوار المدينة وساكنتها بهذه الأجواء الصحية النظيفة وبذاك المستوى العالي من المسؤولية لدى ذوي القرار بالجماعة.
وهو ذات التقدير والاحترام الذي نوججهه لرجال الأمن أولئك الساهرين على تنظيم السير والجولان لهذه الطوابير الكيلومترية في مختلف المداخل والمخارج بكفاءة وهدوء أسطوري جعلت هذا الاكتظاظ الرهيب يمر دون أن تُسجل أي حادثة سير تُذكر.
قفلتُ راجعاً إلى دياري وأنا أتساءل بكثير من الارتياح والدهشة:
كيف سيكون الوضع لو بقيت هذه المدينة على حالها قبل سبع سنوات تقريباً؟
نعم… لقد تغيرت المدينة جذرياً وخلعت عنها ثوبها القديم لتلبس حلة جديدة جعلت منها مغناطيساً وقوة جذب سحرية في الداخل كما في الخارج.
ونحن اليوم على أبواب شهر غشت ولم نصل بعد إلى الذروة القصوى فيما تبقى من هذا الشهر خاصة مع مواعيد وطنية ودينية داخله ليبقى السؤال معلقاً على مشارف الفرح :
إلى أين يمكن أن يصل مدى هذا الجمال البشري وهذا الشغف الاستثنائي في أكادير؟ مدينة طردت النوم من ساحاتها لتظل نافذة مفتوحة على حب الحياة

  • يوسف غريب كاتب صحفي

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
situs toto dentoto dentoto