المجتمع

مهرجان إيمينيك2026..حين تتوقف الهجرة عن أن تكون غيابًا وتصبح تراثًا

على مدى قرن من الزمن، أرسل سوس أبناءه نحو أوروبا. واليوم، يعود أبناؤهم حاملين أسئلة حول أصولهم ولغتهم وهويتهم. ويحاول مهرجان إيمينيك تحويل هذه التجربة الهجرية إلى ذاكرة جماعية، بعيدًا عن الحنين والفولكلور.
لفترة طويلة، جرى سرد قصة الهجرة من خلال ما كانت تدرّه: تحويلات مالية، ومنازل شُيدت في القرى، وسيارات تحمل لوحات تسجيل أجنبية، وزيارات صيفية.

لكن ما تركته الهجرة وراءها ظل أقل حضورًا في السرد: عائلات متفرقة، وقرى تغيرت ملامحها، ولغات نُقلت إلى الأجيال أو فُقدت، وهويات أعيد تشكيلها، وذاكرة يصعب نقلها من جيل إلى آخر. وهذه تحديدًا هي القصة الأخرى التي يسعى مهرجان إيمينيك إلى تسليط الضوء عليها.

في منطقة مثل سوس، لا تشكل الهجرة مجرد حلقة هامشية من التاريخ المحلي، بل تمثل إحدى أهم ركائزه الاجتماعية. فمنذ عقود، غادر رجال ونساء قراهم للالتحاق بالمراكز الصناعية والحضرية في أوروبا. اشتغلوا، وبنوا، وأرسلوا الأموال، وأسسوا أسرًا، وأسهموا، من بعيد، في تغيير مناطقهم الأصلية.

مهرجان إيمينيك2026..حين تتوقف الهجرة عن أن تكون غيابًا وتصبح تراثًا - اكادير اليوم

لكن سؤالًا يظل مطروحًا: ماذا يبقى من هذه القصة عندما يرحل أولئك الذين عاشوها؟

ذاكرة مهددة بالاندثار

لا تحافظ الأجيال الثانية والثالثة من المغاربة المولودين في أوروبا بالضرورة على العلاقة نفسها بالقرية أو اللغة أو الروايات العائلية التي كانت لدى آبائهم.

بالنسبة إلى البعض، المغرب هو مكان لقضاء العطلات. وبالنسبة إلى آخرين، هو بيت ثانٍ. أما بالنسبة إلى كثيرين، فهو قبل كل شيء تاريخ عائلي يحاولون فهمه.

ويفرض هذا التحول إعادة التفكير في مسألة نقل الذاكرة. فلم يعد من الممكن أن تعتمد الذاكرة الهجرية فقط على روايات الأجداد أو على اللقاءات الصيفية.

بل تحتاج إلى فضاءات جديدة للتعبير عنها: المهرجانات، والأرشيفات، والشهادات، والموسيقى، والأدب، والتصوير الفوتوغرافي، والسينما، والبحث العلمي، والمبادرات المحلية.

وهنا تحديدًا يمكن للثقافة أن تؤدي دورًا لا تستطيع السياسات الهجرية أن تقوم به: أن تمنح تاريخ الهجرة وجهًا وصوتًا وعمقًا إنسانيًا.

عدم تحويل الهجرة إلى فولكلور

لكن هذا الرهان يحمل في طياته خطرًا يتمثل في تحويل الذاكرة الهجرية إلى مجرد منتج ثقافي. فالاحتفاء بالأغاني والأزياء والرقصات واللقاءات لا يكفي.

إذ ينبغي لسياسة حقيقية للذاكرة أن تقبل أيضًا الحديث عن الوقائع الأقل راحة: تضحيات الأجيال الأولى، والتمييز الذي واجهته في أوروبا، والانفصال عن الأسر، وصعوبات الاندماج، والصراعات المرتبطة بالهوية، والتحولات العميقة التي أحدثتها الهجرة.

فالذاكرة لا تكتسب معناها إلا إذا قبلت بالتعقيد. ولهذا، يمكن لمهرجان مخصص للهجرة أن يكون أكثر بكثير من مجرد سلسلة من العروض. فقد يتحول إلى فضاء ينظر فيه المجتمع إلى ماضيه، ويتساءل عما يريد أن ينقله إلى أبنائه.

مهرجان إيمينيك2026..حين تتوقف الهجرة عن أن تكون غيابًا وتصبح تراثًا - اكادير اليوم

الأمازيغية في قلب عملية نقل الذاكرة

في حالة سوس، تكتسب هذه المسألة بعدًا خاصًا من خلال اللغة والثقافة الأمازيغيتين. وبالنسبة إلى جزء من الأجيال الجديدة من المغاربة المقيمين بالخارج، يمكن أن تصبح الأمازيغية علامة على الهوية، ولكن أيضًا مجالًا لإعادة الاكتشاف. فاللغة التي لم تعد تُتحدث يوميًا داخل بعض الأسر يمكن أن تتحول تدريجيًا إلى لغة للذاكرة.

ومن هنا تكتسب الورشات اللغوية واللقاءات الثقافية والتعبيرات الفنية أهمية خاصة، لأنها تتيح تحويل هوية موروثة أحيانًا بشكل سلبي إلى هوية مفهومة ومُعتزة بها ومعاد امتلاكها.

فالنقل من جيل إلى آخر لا يعني ببساطة الحفاظ على الماضي، وإنما يعني تمكين الأجيال الجديدة من منح هذا الماضي معنى معاصرًا.

من الهجرة إلى الإرث

ربما يكمن الرهان الحقيقي لمهرجان إيمينيك هنا. فبعد قرن من الهجرة، حان الوقت للنظر إليها ليس فقط باعتبارها ظاهرة اقتصادية أو ديموغرافية، وإنما باعتبارها تراثًا اجتماعيًا.

لقد ترك المهاجرون آثارًا في المناطق التي غادروها، لكنهم غيّروا أيضًا المناطق التي استقروا فيها. فقد أنشأوا جسورًا وشبكات وجمعيات وأسرًا عابرة للحدود وتبادلات ثقافية.

ولم تعد القرية الأصلية والمدينة الأوروبية عالمين منفصلين. بل أصبحتا تنتميان إلى جغرافيا عائلية وعاطفية واحدة.

وهكذا، أنتجت الهجرة فضاءً جديدًا: فضاءً عابرًا للحدود للذاكرة.

تحويل الذاكرة إلى مشروع للمستقبل

يتدخل مهرجان إيمينيك في هذا الفضاء الهش الذي تلتقي فيه ذاكرة الأجيال القديمة، وتجربة الأجيال الوسطى، وتساؤلات الشباب.

ويتمثل تحديه في جعل هذه الذاكرة أكثر من مجرد نظرة موجهة نحو الماضي. فنقل تاريخ الهجرة لا يعني مطالبة الشباب بإعادة إنتاج هوية آبائهم، بل يعني بالأحرى منحهم الوسائل لفهم من أين جاؤوا، حتى يتمكنوا بشكل أفضل من تحديد ما يريدون أن يصبحوا عليه.

وهنا تحديدًا يمكن للذاكرة الهجرية أن تتحول إلى تراث حي.

تراث لا يكتفي بالحفاظ.
تراث يتساءل.
تراث يربط.

تراث يتيح فهم أن وراء كل رحيل قصة، ووراء كل عودة ذاكرة، ووراء كل جيل طريقة جديدة في عيش هويته.
بعد مئة عام من الهجرة، لا يملك سوس مجرد تاريخ من الرحيل ليرويه.

بل يملك ذاكرة ينبغي أن ينقلها إلى الأجيال القادمة.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
situs toto dentoto dentoto