
زلزال “لقجع” في معقل “أخنوش”: تكنوقراط أحرق أوراقه السياسية قبل بدء المعركة!
- بقلم: حسن كرياط //
لم يكن التحاق فوزي لقجع بحزب “الأصالة والمعاصرة” سوى إشهارٍ مؤجل لواقع مقضيّ؛ فالرجل غير المفاجئ نزل إلى الحلبة في المكان والزمان المتوقعين. غير أن المفاجأة الحقيقية تجسدت في جسارة الاختيار: أن يفتتح أولى معاركه الحزبية من سوس، القلعة العاتية لرئيس الحكومة عزيز أخنوش. وكأنما أراد “الوافد الجديد” إرسال إشارة صريحة لأنصار “البام” مفادها أن الغريم الحقيقي في القادم من الاستحقاقات ليس إلا الشريك الأكبر في التحالف الحكومي الموشك على انقضاء ولايته.
لكن، هل وُفّق لقجع في رسم خطوط مساره السياسي؟ أم أنه سقط في فخ الإرباك التنظيمي وتناقض الرسائل؟
قراءة أولية في خطاب الرجل تكشف عن تعثر بليغ في نقطة الانطلاق؛ فقد أغرق كلماته بالإحالات المتكررة على التوجيهات والخطب والأوراش الملكية. وإن كانت هذه الإحالات مقبولة في أدبيات التكنوقراط، فإنها تشكل مجازفة كبرى لفاعل حزبي يتطلع لصدارة الانتخابات وقيادة حكومة يُفترض أنها تنفذ برنامجها الخاص أو رؤية أغلبيتها. فالإفراط في الاختباء خلف المشاريع الملكية يطرح سؤالاً مبدئياً حارقاً: إذا كان دور الأحزاب يتلخص في مجرد التنفيذ الإداري، فما الجدوى من العملية الانتخابية والتنافس السياسي من الأساس؟
ولم يقف الارتباك عند حدود الخطاب الناقص جديداً، والذي اجتر شعارات القرب والاستماع للهموم الجماهيرية ـ وهي معزوفة تتقنها كافة الدكاكين السياسية ـ بل امتد إلى غياب الشجاعة السياسية. فلقجع، بصفته مكلفاً بميزانية البلاد، كان مطالباً بوقفة نقد ذاتي جريئة تجاه حصيلة حكومية كان طرفاً أساسياً فيها، وساهمت بقراراتها في إثقال كاهل الفئات الهشة. والأدهى من ذلك، أنه أغمض عينيه عن مراجعة الخطايا التاريخية للحزب الذي اختار مظلته، وهو الحزب الذي ارتبطت باسم ونواب ووزراء مشروعه أزمات مريرة لا تزال أثارها قائمة.
تجلت السريالية السياسية في أبهى صورها حين أطل لقجع من صالون حزبي محاطاً بنفس وجوه الأزمة؛ برلمانيون غابوا عن النبض الشعبي طيلة ولاية كاملة، ليتحولوا فجأة إلى منصتين لـ “موعظة” الإصلاح وترميم الأعطاب. إن جلوس “مهندس التغيير المفترض” مع صناع الفشل في صورة واحدة لا يخدم سوى تعميق هوة العزوف وتدمير ما تبقى من ثقة لدى المواطن في العمل الحزبي.
على أن الخطأ الجسيم الذي أجهز على مصداقية هذا الخروج الأول، تجسد في الصمت المريب عن مأساة “سبتة”؛ تلك الفاجعة الإنسانية والاجتماعية غير المسبوقة التي هزت وجدان المغاربة. كيف لسياسي يرفع شعار الثقة وتغيير قواعد اللعبة أن يتجاهل مشاهد الإحباط ومحاولات الهرب الجماعي لآلاف الشباب؟ أي رسالة وجهها هذا التجاهل لضحايا السياسات العمومية المتعاقبة وللأسر المكلومة؟ لقد كان الصمت هنا بليغاً، وبطعم الخيبة.
إن مدركي كواليس المشهد السياسي على يقين بأن هندسة تواجد لقجع داخل حكومة أخنوش دون غطاء حزبي صريح أو حقيبة سيادية، لم تكن مجرد تقديس لكفاءته الذاتية، بقدر ما كانت ترجمة لإرادة نافذة فرضته كـ “وزير فوق العادة”. واليوم، تقف نفس الجهة والمطابخ الخلفية وراء تموقع القيادي الجديد داخل المكتب السياسي لـ “البام”، لإعادة إحياء العقيدة الأولى للحزب: ألا يكون مجرد رقماً تكميلياً في الأغلبيات، بل أداة للهيمنة وقيادة البلاد.
في المحصلة، أعادت جولة لقجع بجهة سوس ماسة (بين أكادير وتزنيت) إلى الأذهان صيف عام 2007، حين نزل مؤسس الحزب فؤاد عالي الهمة إلى منطقة الرحامنة لإطلاق مشروعه الحزبي. نفس النبرة، نفس الرسائل المتشابهة، والأسلوب المباشر واللباس البسيط.. غير أن إعادة إنتاج الماضي بوجوه جديدة وأدوات مستهلكة قد لا تؤدي بالضرورة إلى نفس النتائج، فالشارع المغربي اليوم أشد وعياً، والقصة التي يدرك الجميع نهايتها لم تعد قادرة على صناعة الأمل.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News


