
الحاج لحسن أزروال: من جبال إداوتنان إلى جبال الفحم في دينور.. سيرة مهاجر حمل معه تامازيرت، وربّى أبناءه على قيمها في قلب أوروبا
د. خالد ألعيوض * //
ولد الحاج لحسن أزروال سنة 1950 بقرية أكني بإداوتنان، في بيئة جبلية كانت الحياة فيها قاسية، والفرص محدودة، والتعليم امتيازًا لا يناله إلا القليل. وكحال عدد كبير من أبناء جيله، مرّ أزروال من المسجد مرورًا عابرًا؛ فقد التحق به لفترة قصيرة، لكنه لم يتعلم العربية، وظلت الأمازيغية، أو تاشلحيت، لغته الوحيدة.
لم يغادر جباله في طفولته، بل انخرط مبكرًا في سوق العمل، فاشتغل مساعدًا في البناء، وتعلم من الحياة أكثر مما تعلم من المدرسة.
سنة 1973: الطريق إلى دينور
في سنة 1973 وصل إلى إداوتنان خبر قدوم موغا، ذلك الرجل الذي كان يتنقل بين القرى والأسواق بحثًا عن الشباب الراغبين في الهجرة إلى فرنسا والعمل في مناجم الفحم، أو ما كان المغاربة السوسيون يسمونه آنذاك «دينور».
كانت قرية أزروال بعيدة، ووسائل النقل شبه منعدمة. لذلك خرج رفقة ابن عمه سيرًا على الأقدام، بعدما قررا أن يجربا حظهما في مغامرة لم يكن يعرفان إلى أين ستقودهما.
كانت الرحلة قاسية؛ ليلة كاملة من المشي، من دون طعام، حتى بلغ بهما الجوع والإعياء مبلغًا كبيرًا.
كان موغا ينتظر المرشحين للهجرة، ويخضعهم لفحص أولي للجسد والأسنان، بحثًا عن شباب قادرين على تحمل العمل الشاق في المناجم. كما كان من بين شروط الانتقاء أن يكون المرشح بعيدًا عن التعليم والقراءة والكتابة، لأن المطلوب كان أساسًا أيدٍ عاملة شابة قادرة على العمل في أعماق الأرض.
اجتاز أزروال الاختبار، وفرح عندما وضع على صدره الطابع الأخضر الذي كان يعني أنه أصبح من المرشحين للمرحلة التالية.
أما ابن عمه فلم يحالفه الحظ.
من مراكش إلى أعماق الأرض
كانت المرحلة الثانية مراكش، حيث خضع المرشحون لفحص طبي أكثر دقة. وهناك سقط ابن عمه من القائمة، ليجد أزروال نفسه وحيدًا في مغامرته الجديدة.
بعد ذلك اتجه نحو دينور.
لم يحتج إلى وقت طويل حتى وجد نفسه داخل عالم المناجم. كان العمل شاقًا، والظروف المناخية قاسية، لكن تجربته السابقة في الأعمال اليدوية والمرهقة ساعدته على التأقلم.
تدريجيًا، بدأ يتعرف إلى المكان، ويكوّن صداقات جديدة، ويتعلم كيف يدير حياته بعيدًا عن القرية التي ولد فيها.
وبعد مدة قصيرة، استقدم زوجته إلى فرنسا، وبدأت مرحلة جديدة من حياته الأسرية.
هناك ولد أبناؤه السبعة: ثلاثة ذكور وأربع إناث.
لكن أزروال لم يرد أن يرث أبناؤه المصير نفسه الذي عاشه. كان يشعر بأن الفقر حرمه من التعليم، ولذلك جعل من تعليم أبنائه نوعًا من الانتصار على ذلك الماضي.
كان يقول، في معنى تجربته، إنه لم يتردد في تعليم أبنائه جميعًا، وكأنه كان ينتقم من الفقر الذي حرمه هو من المدرسة.
تربية سوسية في قلب الهجرة
لم تكن هجرة أزروال مجرد بحث عن العمل والدخل. فقد حمل معه من تامازيرت منظومة كاملة من القيم والعادات واللغة والدين.
ومع عدد من المنجميين المغاربة، أسس جمعية لتسيير المسجد، وكان هاجسهم الأساسي هو الحفاظ على الهوية المغربية السوسية وتربية الأبناء على قيم الأسرة والجماعة.
كانوا يريدون لأبنائهم أن يحافظوا على الصلوات الخمس، وأن يصوموا رمضان، وأن يتعلموا تاشلحيت، إلى جانب لغة الدراسة والاندماج في المجتمع الفرنسي.
ولذلك لم يتعاملوا مع المسجد باعتباره مكانًا للصلاة فقط، بل حولوه إلى فضاء للتربية والتعليم والتضامن.
أقيمت فيه دروس القرآن والعربية للأطفال، كما استفادت منه النساء في محو الأمية، ونظمت خلال شهر رمضان أنشطة جماعية، من بينها الإفطار الجماعي للطلبة المغاربة في الجامعة.
كما أصبح المسجد فضاءً للاحتفال بعيد الفطر وعيد الأضحى، ومكانًا لتدبير لحظات الوفاة، من غسل الموتى وتكفينهم، إلى إعداد الوثائق والإجراءات اللازمة لنقلهم إلى المغرب أو دفنهم في المقبرة الإسلامية بالمدينة.
ويذكر أزروال أن عدد القبور في المربع المخصص للمسلمين بلغ اليوم نحو 25 قبرًا، وهو ما يكشف عن انتقال جزء من الجماعة المغربية من مرحلة الهجرة المؤقتة إلى الاستقرار الدائم.
المسجد الذي صنعته الجالية
لم تتوقف المبادرة عند المسجد الأول.
فقد اشترى المنجميون المغاربة ضيعة، وبنوا فيها مسجدًا ومركزًا إسلاميًا بتكلفة تقارب ملياري سنتيم، بحسب رواية أزروال.
ويؤكد أن هذا المشروع لم يكن ممولًا من جهة رسمية، بل من أموال أفراد الجالية، وخصوصًا أبناء المنطقة الذين اشتغلوا في المناجم وتمكنوا من بناء أوضاع اقتصادية مستقرة.
ومن التفاصيل اللافتة في هذه التجربة أن المصلين جميعًا كانوا يؤدون مساهمة شهرية تقارب 20 يورو، تخصص لتغطية أجرة الفقيه، الذي لم يكن يؤدي وظيفة دينية فحسب، بل كان يقوم أيضًا بتعليم القرآن والعربية، ويتولى عددًا من المهام المرتبطة بتسيير المسجد.
وهكذا تحول المسجد إلى مؤسسة اجتماعية حقيقية، تؤدي أدوارًا تتجاوز العبادة إلى التعليم والتأطير والتضامن والمحافظة على الروابط الجماعية.
جيل الأبناء: نجاح الهجرة في امتحانها الأصعب
ربما كان نجاح تجربة أزروال الأهم هو أبناؤه.
فبعد أن عاش الأب طفولة بلا تعليم تقريبًا، أصر على أن يحصل أبناؤه على تعليم جيد، وأن يفتح لهم المجال أمام مسارات مهنية مختلفة.
أحد أبنائه أصبح مدربًا محترفًا، وحصل على دبلومات في مجاله، بينما توزع الآخرون بين الوظائف والتجارة ومجالات مهنية مختلفة.
وهنا تظهر إحدى المفارقات المهمة في تاريخ الهجرة المغربية: فقد بدأ الأب مهاجرًا أميًا، يدخل المناجم بحثًا عن عمل شاق، بينما أصبح أبناؤه جزءًا من جيل جديد يمتلك التعليم والشهادات والمهارات، وينخرط في المجتمع الأوروبي دون أن يقطع صلته بجذوره.
لقد نجح أزروال، كما يقول، في أن يمنح أبناءه ما لم يستطع هو الحصول عليه في طفولته.
بين دينور وتامازيرت
رغم عقود طويلة قضاها في فرنسا، ظلت حياة أزروال موزعة بين ضفتين.
كلما عاد إلى المغرب، لم يكن يعود للسياحة فقط، بل كان يعود للعمل.
كانت العزلة وضعف البنية التحتية من أكبر المشكلات التي عرفتها قريته، ولذلك انخرط سنة 2005، رفقة عدد من أصدقائه، في تأسيس جمعية تنموية تهدف إلى خدمة القرية وفك عزلتها.
وبفضل هذه المبادرات، تغيرت أشياء كثيرة. وصلت المياه والكهرباء، وشُيدت المدرسة، وتعبدت الطريق، وأصبح الوصول إلى القرية أكثر سهولة.
ثم بنى أزروال منزله في القرية، وجعله يستجيب لحاجات أبنائه وأحفاده، حتى يشجعهم على العودة وقضاء العطل في بلدهم الأصلي.
واليوم، يقول بفخر إن أبناءه وبناته يقضون عطلهم في تامازيرت، يمارسون هواياتهم، ويكتشفون الجبال، ويأتون أحيانًا رفقة أصدقائهم الفرنسيين.
ولم يعد المنزل بالنسبة إليه مجرد بيت عائلي، بل أصبح فضاءً لاستقبال الأصدقاء وتعريفهم بالقرية والجبال والثقافة المحلية، بل أصبح له أيضًا بعد سياحي، إذ يرى أزروال في ذلك وسيلة أخرى للمساهمة في تنمية المنطقة.
«دخلت من الجهل وخرجت بالتعلم»
حين يُسأل أزروال عن حصيلة حياته، لا يتحدث عن المال باعتباره الإنجاز الأكبر.
يقول إنه سعيد بما حققه.
دخل عالم الهجرة شابًا لا يعرف القراءة والكتابة، لكنه تعلم لاحقًا القراءة والكتابة، ثم تعلم المعلوميات، وأتقن استعمالها، وتعلم الفرنسية مع احتفاظه بلكنته المغربية والسوسية.
وأصبح ناشطًا في جمعيات هنا وهناك، يشارك في العمل الجماعي، ويجد متعة خاصة في مساعدة الناس.
بالنسبة إليه، لم تكن الهجرة مجرد انتقال جغرافي من جبال إداوتنان إلى جبال الفحم في دينور، بل كانت مدرسة طويلة للحياة.
دخلها شابًا فقيرًا وأميًا، وخرج منها رجلًا يحمل تجربة واسعة، وشبكة من العلاقات، وأبناء متعلمين، وذاكرة جماعية، وإيمانًا قويًا بقيمة العمل التطوعي.
وطنان… لكن تامازيرت واحدة
يقول أزروال إنه أصبح يمتلك، بالمعنى الرمزي، وطنين: فرنسا التي عاش فيها عقودًا، والمغرب الذي ظل حاضرًا في وجدانه.
له أصدقاء من جنسيات مختلفة، وعاش جزءًا كبيرًا من حياته في مجتمع متعدد الثقافات.
لكن عندما يُسأل عن أحب بقعة إلى قلبه، لا يتردد:
تامازيرت.
هناك، في تلك القرية الصغيرة من جبال إداوتنان، أطلق صرخته الأولى.
ومنها بدأ كل شيء.
من المسجد الذي لم يتعلم فيه العربية، إلى ورش البناء، ثم إلى رحلة المشي الليلية بحثًا عن موغا، ومن الطابع الأخضر على صدره إلى أعماق مناجم الفحم، ومن حياة المنجمي إلى أبٍ لسبعة أبناء، ومن عامل مهاجر إلى فاعل جمعوي، ومن شاب لم يعرف القراءة والكتابة إلى رجل تعلمها في منتصف الطريق، ثم إلى مواطن يحمل ثقافتين ولغتين وذاكرتين.
إن قصة الحاج لحسن أزروال ليست قصة هجرة فردية فقط؛ إنها صورة مكثفة لجيل كامل من أبناء سوس الذين غادروا الجبال بحثًا عن العمل، لكنهم حملوا معهم قراهم، ولغتهم، ودينهم، وذاكرتهم، ثم أعادوا بناء جزء من تلك القرى داخل مدن ومناجم أوروبا.
وفي النهاية، ربما تختصر جملة واحدة فلسفة حياته كلها:
«بلادنا تقدمت بشكل كبير، ولذلك يجب أن نفتح المجال أمام الشباب، وأن نعطيهم الأمل في المستقبل.»
أما هو، فقد اختار أن يظل جسرًا بين الضفتين:
عاملًا سابقًا في مناجم الفحم، وأبًا لأبناء أوروبا، وابنًا وفيًا لتامازيرت.
* الدكتور خالد ألعيوض رئيس مركز تاوسنا للدراسات والأبحاث
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



