الرأي

مداخل تعزيز موقع الشباب ودورهم في الحياة السياسية بالمغرب

أكادير اليوم / لشهب محمد باحث في التدبير العمومي والمالية العامة

ملخص

أصبحت مشاركة الشباب في الحياة السياسية من القضايا التي تفرض نفسها بقوة في النقاش المتعلق بمستقبل الديمقراطية وتجديد النخب وتعزيز الحكامة والرفع من جودة السياسات العمومية. وإذا كان الاهتمام بهذه المشاركة قد ارتبط، لفترة طويلة، بمؤشرات الانخراط في الانتخابات والأحزاب السياسية والمؤسسات المنتخبة، فإن التحولات التي عرفها المجال السياسي والاجتماعي أفرزت أشكالاً جديدة للمشاركة، تتجاوز القنوات التمثيلية التقليدية لتشمل الديمقراطية التشاركية، والعمل المدني، والفضاء الرقمي، والاحتجاج السلمي.

وفي الحالة المغربية، يكتسي هذا الموضوع أهمية خاصة بالنظر إلى المكانة التي منحها دستور 2011 للشباب، ولا سيما من خلال الفصل 33 الذي ألزم السلطات العمومية باتخاذ التدابير الملائمة لتوسيع وتعميم مشاركتهم في التنمية السياسية للبلاد. غير أن الاعتراف الدستوري بأهمية المشاركة الشبابية، وتعدد الآليات القانونية والمؤسساتية المتاحة أمامها، لا يعني بالضرورة تحقق مشاركة سياسية مؤثرة وفاعلة.

وانطلاقاً من ذلك، يقوم هذا المقال على أطروحة أساسية مفادها أن الإشكال الذي تواجهه المشاركة السياسية للشباب في المغرب لا يرتبط أساساً بندرة قنوات المشاركة، وإنما بالفجوة القائمة بين تعدد هذه القنوات وبين قدرتها الفعلية على تحويل المشاركة الشبابية إلى تأثير مستدام في صناعة القرار العمومي. ولذلك، يناقش المقال أربعة مداخل رئيسية للمشاركة السياسية للشباب، تتمثل في الديمقراطية التمثيلية، والديمقراطية التشاركية والفعل المدني، والمشاركة الرقمية، والاحتجاج السلمي، مع محاولة الكشف عن حدود كل مدخل وإمكانات التكامل بينها.

ويخلص المقال إلى أن تعزيز موقع الشباب في الحياة السياسية لا يقتضي فقط توسيع دائرة مشاركتهم، وإنما يستوجب الانتقال من منطق الحضور والمشاركة إلى منطق التمكين والتأثير، بما يجعل الشباب فاعلين في إنتاج القرار العمومي وليسوا مجرد متلقين له.

الكلمات المفتاحية: الشباب؛ المشاركة السياسية؛ التأثير السياسي؛ الديمقراطية التمثيلية؛ الديمقراطية التشاركية؛ المشاركة الرقمية؛ الاحتجاج السلمي؛ المغرب.

مقدمة: من سؤال المشاركة إلى سؤال التأثير

لم يعد حضور الشباب في الحياة السياسية مجرد موضوع مرتبط بتجديد النخب أو ضمان استمرارية الفعل السياسي، بل أصبح أحد المؤشرات الأساسية التي يمكن من خلالها قياس قدرة النظام الديمقراطي على استيعاب التحولات الاجتماعية والثقافية والسياسية التي تعرفها المجتمعات المعاصرة.

فالشباب يمثلون فئة اجتماعية واسعة، ويشكلون جزءاً أساسياً من البنية الديموغرافية للمجتمع، كما أنهم الأكثر احتكاكاً بالتحولات التكنولوجية والاجتماعية التي أعادت تشكيل طرق التواصل والتعبير والتفاعل مع الشأن العام. ولذلك، فإن علاقتهم بالسياسة لم تعد قابلة للفهم من خلال مؤشرات المشاركة التقليدية وحدها.

لقد كانت المشاركة السياسية، في صورتها التقليدية، ترتبط أساساً بالتصويت والانخراط في الأحزاب السياسية والترشح للانتخابات والحضور داخل المؤسسات المنتخبة. غير أن تطور المجتمع وتغير أنماط التواصل أدى إلى اتساع مجال المشاركة ليشمل أشكالاً أخرى، من قبيل العمل الجمعوي والمبادرات المدنية، والمشاركة في المشاورات العمومية، والتعبير السياسي عبر الوسائط الرقمية، والاحتجاج السلمي.

وهكذا، لم يعد السؤال المطروح هو فقط: هل يشارك الشباب في السياسة؟ وإنما أصبح السؤال الأكثر أهمية: كيف يشاركون؟ وما الذي تنتجه مشاركتهم؟

وهذا التمييز أساسي؛ لأن تعدد أشكال المشاركة لا يعني بالضرورة ارتفاع مستوى التأثير السياسي. فقد يكون الشباب حاضرين في الانتخابات دون أن تكون لهم قدرة فعلية على الوصول إلى مواقع القرار، وقد يشاركون في المشاورات العمومية دون أن يجد مقترحهم طريقه إلى السياسات العمومية، وقد يمارسون نشاطاً سياسياً واسعاً في الفضاء الرقمي دون أن ينتقل هذا النشاط إلى تأثير مؤسساتي، كما قد يلجؤون إلى الاحتجاج السلمي دون أن تتحول مطالبهم إلى موضوع دائم للنقاش وصناعة القرار.

ومن هنا، فإن المشكلة لا تكمن بالضرورة في غياب قنوات المشاركة، وإنما في المسافة التي قد تفصل بين المشاركة والتأثير.

وتكتسي هذه الإشكالية أهمية خاصة في المغرب، بالنظر إلى التحول الذي عرفه البناء الدستوري منذ دستور 2011، والذي جعل الديمقراطية المواطنة والتشاركية والحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة من الأسس التي يقوم عليها النظام الدستوري، كما أقر مجموعة من الآليات التي تسمح بتوسيع مشاركة المواطنين والجمعيات في الشأن العام.

وقد أفرد الدستور للشباب مقتضى خاصاً ضمن الفصل 33، الذي ينص على أن السلطات العمومية تتخذ التدابير الملائمة من أجل توسيع وتعميم مشاركة الشباب في التنمية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية للبلاد، كما نص على إحداث مجلس استشاري للشباب والعمل الجمعوي. ويكشف هذا التنصيص عن انتقال مهم من النظر إلى الشباب باعتبارهم مجرد فئة تحتاج إلى سياسات عمومية موجهة إليها، إلى اعتبارهم فاعلاً ينبغي أن تكون له مساهمة في الحياة الوطنية.

غير أن الاعتراف الدستوري لا يشكل في حد ذاته ضمانة كافية لتحقيق المشاركة الفعلية؛ إذ تظل فعالية المشاركة مرتبطة بمدى قدرة المؤسسات والآليات القائمة على تحويل الحقوق والمقتضيات الدستورية إلى إمكانات حقيقية للحضور والتأثير.

ومن هذا المنطلق، تنطلق هذه الدراسة من فرضية مفادها أن تعزيز موقع الشباب في الحياة السياسية بالمغرب لا يرتبط فقط بتوسيع قنوات المشاركة، وإنما بمدى قدرة هذه القنوات على تحويل المشاركة الشبابية إلى تأثير فعلي ومستدام في صناعة القرار العمومي.

وبناءً على ذلك، تطرح الدراسة الإشكالية الآتية:

إلى أي حد تستطيع المداخل التمثيلية والتشاركية والرقمية والاحتجاجية أن تعزز موقع الشباب ودورهم في الحياة السياسية بالمغرب، وما مدى قدرتها على تجاوز مجرد المشاركة نحو التأثير الفعلي في القرار العمومي؟

ولمعالجة هذه الإشكالية، سيتم اعتماد مقاربة تحليلية نقدية، تنطلق من تحليل الإطار الدستوري والقانوني المؤطر للمشاركة السياسية، والاستفادة من الأدبيات والدراسات ذات الصلة، مع الوقوف عند حدود الممارسة وإمكانات تطويرها، وذلك من خلال أربعة مداخل مترابطة: الديمقراطية التمثيلية، والديمقراطية التشاركية والفعل المدني، والمشاركة الرقمية، ثم الاحتجاج السلمي.

أولاً: الديمقراطية التمثيلية وإشكالية التمكين السياسي للشباب

ظل الديمقراطية التمثيلية الإطار الأساسي الذي تنتظم داخله الممارسة السياسية في الدولة الحديثة، باعتبارها تقوم على اختيار المواطنين لممثليهم من خلال الانتخابات، وعلى اضطلاع الأحزاب والمؤسسات المنتخبة بوظائف الوساطة والتمثيل وصناعة القرار.

وفي هذا الإطار، لا يمكن الحديث عن تعزيز موقع الشباب سياسياً دون الوقوف عند مشاركتهم في الانتخابات والأحزاب والمؤسسات المنتخبة. غير أن اختزال المشاركة السياسية للشباب في مجرد ممارسة حق التصويت يظل قاصراً عن استيعاب جوهر الإشكالية.

فالتصويت يمنح الشاب إمكانية اختيار من يمثله، لكنه لا يمنحه بالضرورة إمكانية أن يكون هو نفسه ممثلاً. ومن ثم، فإن الانتقال من الشباب ككتلة انتخابية إلى الشباب كقوة تمثيلية يمثل أحد أهم التحديات المطروحة أمام الديمقراطية التمثيلية.

وقد كرس الدستور المغربي حق المواطنين في التصويت والترشح للانتخابات وفق الشروط المحددة قانوناً. غير أن الاعتراف القانوني بهذا الحق لا يعني بالضرورة تساوي الفرص الفعلية في الوصول إلى مواقع التمثيل السياسي.

فالمشاركة السياسية لا تبدأ يوم الاقتراع وتنتهي بإعلان النتائج، وإنما تبدأ قبل ذلك من داخل الأحزاب السياسية، ومن خلال عملية اختيار المرشحين وإعداد البرامج وتحديد الأولويات وصناعة المواقف.

وهنا تبرز مسؤولية الأحزاب السياسية باعتبارها إحدى أهم مؤسسات الوساطة السياسية. فإذا كان من المشروع أن تبحث الأحزاب عن استقطاب الشباب خلال الحملات الانتخابية، فإن دورها الديمقراطي يقتضي ما هو أبعد من ذلك، أي توفير مسارات حقيقية لتكوين الشباب وتأهيلهم وتمكينهم من المشاركة في صناعة القرار داخل التنظيمات الحزبية.

فالوجود العددي للشباب داخل حزب سياسي لا يعني بالضرورة تمكينهم سياسياً. وقد يكون الشباب حاضرين في الحملات الانتخابية والأنشطة التنظيمية، دون أن تكون لهم سلطة حقيقية في تحديد البرامج أو اختيار المرشحين أو رسم التوجهات السياسية.

ومن هنا ينبغي التمييز بين الإدماج السياسي والتمكين السياسي.

فالإدماج يعني إتاحة المجال أمام الشباب للحضور داخل المؤسسات والتنظيمات، بينما يعني التمكين منحهم القدرة الفعلية على التأثير في القرارات.

وهذا التمييز يقود إلى نتيجة أساسية: لا تقاس ديمقراطية تمثيلية الشباب بمجرد عددهم داخل المؤسسات، وإنما بمدى قدرتهم على ممارسة أدوار حقيقية في صناعة القرار.

إن المطلوب، لذلك، ليس فقط رفع مستوى حضور الشباب في المؤسسات المنتخبة، وإنما إعادة التفكير في المسارات التي تقود إلى هذه المؤسسات، بما يضمن عدم تحول الشباب إلى مجرد عنصر انتخابي موسمي.

كما أن تمكين الشباب داخل الأحزاب لا ينبغي أن يظل رهيناً بوجود هياكل شبابية ذات طابع رمزي، بل ينبغي أن يقاس بمدى حضور الشباب في مواقع المسؤولية، وقدرتهم على التأثير في صناعة البرامج والمواقف والقرارات.

ومن ثم، فإن الديمقراطية التمثيلية تظل المدخل الأساسي للمشاركة السياسية، لكنها لا تستطيع بمفردها استيعاب مختلف تطلعات الشباب وتحولاتها. وهو ما يفسر الحاجة إلى توسيع المشاركة نحو آليات أخرى، في مقدمتها الديمقراطية التشاركية والفعل المدني.

ثانياً: الديمقراطية التشاركية وتوسيع مجالات الفعل المدني للشباب

أحدث دستور 2011 تحولاً مهماً في تصور المشاركة السياسية بالمغرب، من خلال الانتقال من التركيز على التمثيل الانتخابي إلى الاعتراف أيضاً بأشكال المشاركة المواطنة والتشاركية.

فالديمقراطية التشاركية تفتح المجال أمام المواطنين والجمعيات للمساهمة في إعداد وتتبع وتقييم السياسات العمومية، بما يسمح بتوسيع دائرة الفعل السياسي خارج المؤسسات المنتخبة والأحزاب السياسية.

وتكتسي هذه الآليات أهمية خاصة بالنسبة للشباب؛ لأنها تمكنهم من المشاركة في الشأن العام دون أن يكون الانتماء الحزبي شرطاً لممارسة الفعل السياسي.

وهنا تبرز الجمعيات والمبادرات المدنية كفضاءات يمكن للشباب من خلالها التعبير عن احتياجاتهم ومواقفهم، والدفاع عن قضاياهم، والمساهمة في النقاش العمومي.

وهذا يعني أن الشاب الذي ينخرط في عمل جمعوي أو مبادرة مدنية أو آلية تشاور عمومي لا ينبغي اعتباره بعيداً عن السياسة لمجرد أنه لا ينتمي إلى حزب سياسي.

لقد تغيرت، إلى حد كبير، طبيعة العلاقة بين الفرد والسياسة؛ وأصبح ممكناً أن يمارس المواطن فعلاً سياسياً من خلال قنوات لا تحمل بالضرورة الطابع الحزبي.

غير أن الديمقراطية التشاركية تطرح بدورها سؤال الفعالية.

فقد يكون المواطن حاضراً في عملية التشاور، ويقدم مقترحاته، ويشارك في النقاش، لكن السؤال يبقى: ماذا يحدث بعد ذلك؟
هل تتحول هذه المشاركة إلى قرار؟
هل يتم أخذ المقترحات بعين الاعتبار؟
هل توجد آليات لتفسير أسباب قبول المقترحات أو رفضها؟

وهنا تظهر مرة أخرى الفجوة بين المشاركة والتأثير.

فالمشاركة التشاركية التي لا تتجاوز حدود الاستماع قد تفقد جزءاً من قيمتها الديمقراطية، لأن المواطن لا يريد فقط أن يتحدث، وإنما يريد أن يعرف ما إذا كان كلامه قد أحدث فرقاً.

ومن ثم، فإن فعالية الديمقراطية التشاركية لا ينبغي أن تقاس بعدد المشاورات أو اللقاءات المنظمة فقط، وإنما بمدى تأثير نتائجها في السياسات العمومية.

وبالنسبة للشباب، تزداد أهمية هذه المسألة؛ لأن مشاركتهم في النقاشات العمومية لا ينبغي أن تكون مجرد وسيلة للاستماع إلى آرائهم حول القضايا التي تهمهم، وإنما ينبغي أن تتحول إلى آلية لإشراكهم في إنتاج الحلول.

وعليه، فإن التحدي الحقيقي أمام الديمقراطية التشاركية هو الانتقال من استشارة الشباب إلى إشراكهم، ومن إشراكهم إلى تمكينهم من التأثير.

وهذا التكامل بين الديمقراطية التمثيلية والديمقراطية التشاركية لا يعني إلغاء الأولى لصالح الثانية، وإنما يعني توسيع المجال الديمقراطي بما يسمح للمؤسسات المنتخبة بالاستفادة من الخبرة الاجتماعية والميدانية التي يوفرها المجتمع المدني، وخاصة فئة الشباب.

غير أن هذا التوسع في قنوات المشاركة لم يتوقف عند المجال المؤسساتي والمدني، بل انتقل بقوة إلى الفضاء الرقمي، الذي أصبح أحد أهم مجالات التعبير السياسي لدى الأجيال الجديدة.

ثالثاً: المشاركة الرقمية وتحول أدوات التعبير السياسي للشباب

أدى الانتشار الواسع للوسائط الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي إلى إحداث تحول عميق في طبيعة المشاركة السياسية، ولا سيما لدى الشباب.

فقد أصبح الفضاء الرقمي مجالاً للتعبير عن المواقف، وتبادل المعلومات، ومناقشة القضايا العامة، وبناء النقاشات، والتعبئة حول المطالب والمواقف السياسية والاجتماعية.

وبذلك، لم تعد المشاركة السياسية مرتبطة بالوجود المادي داخل اجتماع حزبي أو تجمع عمومي أو مؤسسة منتخبة، وإنما أصبح بالإمكان ممارستها أيضاً داخل فضاء رقمي يتجاوز الحدود الجغرافية والزمنية التقليدية.

غير أن التعامل مع المشاركة الرقمية باعتبارها حلاً تلقائياً لمشكلة المشاركة السياسية سيكون أمراً مبالغاً فيه.

فليس كل تفاعل رقمي مشاركة سياسية بالمعنى الكامل، وليس كل انتشار لمحتوى معين دليلاً على وجود تأثير سياسي.

لذلك، يمكن التمييز بين مستويات مختلفة من المشاركة الرقمية، تبدأ باستهلاك المعلومات السياسية، ثم التفاعل معها، ثم إنتاج المحتوى، ثم التعبئة والتنظيم، وصولاً إلى ممارسة الضغط والترافع والتأثير.

وبذلك يمكن تصور مسار المشاركة الرقمية على النحو الآتي:

التعبير التفاعل التعبئة التنظيم الترافع التأثير.

وكلما توقفت المشاركة عند المستويات الأولى، ظلت قدرتها على إحداث تغيير سياسي محدودة. أما عندما تستطيع الانتقال إلى التنظيم والترافع والتفاعل مع المؤسسات، فإنها تتحول إلى شكل أكثر فعالية من المشاركة السياسية.

ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الشباب يستعملون الإنترنت سياسياً، وإنما ما إذا كان النشاط السياسي الرقمي يستطيع عبور المسافة الفاصلة بين العالم الافتراضي والعالم المؤسساتي.

وهذا السؤال مهم لأن الفضاء الرقمي قد يمنح الشباب قدرة كبيرة على التعبير، لكنه لا يمنحهم بالضرورة قدرة مماثلة على صناعة القرار.

بل إن المشاركة الرقمية قد تتحول أحياناً إلى مشاركة رمزية، يكتفي فيها الفرد بالتعبير عن موقفه دون أن ينتقل إلى أي شكل من أشكال الفعل السياسي الواقعي.

ومع ذلك، سيكون من الخطأ التقليل من أهمية الفضاء الرقمي؛ فهو يساهم في إعادة تشكيل المجال العام، ويمنح الشباب أدوات جديدة للمناقشة والتعبئة والمساءلة، كما يتيح لهم الوصول إلى المعلومات والتفاعل المباشر مع الفاعلين والمؤسسات.

لكن الاستفادة الحقيقية من هذه الإمكانات تتطلب تطوير ثقافة سياسية رقمية تجعل من الوسائط الرقمية وسيلة للتفكير والنقاش والترافع، وليس فقط للتفاعل والانفعال.

فالقيمة الديمقراطية للفضاء الرقمي لا تتحدد بحجم الجمهور الذي يمكن الوصول إليه، وإنما بقدرته على تحويل التعبير إلى فعل، والفعل إلى تأثير.

ومن هنا، فإن المشاركة الرقمية لا ينبغي أن تحل محل المشاركة المؤسساتية، بل يمكن أن تشكل قناة إضافية لها، وأن تربط بين المواطنين والمؤسسات، وتساهم في نقل بعض القضايا من المجال الافتراضي إلى المجال العمومي والمؤسساتي.

غير أن الشباب قد يلجؤون، عندما لا يجدون في القنوات المؤسساتية أو الرقمية ما يكفي لإيصال مطالبهم، إلى شكل آخر من أشكال المشاركة، يتمثل في الاحتجاج السلمي.

رابعاً: الاحتجاج السلمي وتحول علاقة الشباب بالمجال العام

يمثل الاحتجاج السلمي إحدى صور التعبير الجماعي عن المطالب والمواقف داخل المجال العام، ويكتسي أهمية خاصة عندما يتعلق الأمر بفئة الشباب، بالنظر إلى أن بعض أشكال الاحتجاج المعاصر أصبحت مرتبطة بقضايا اجتماعية واقتصادية وسياسية تمس حياتهم اليومية بصورة مباشرة.

وقد كرس الدستور المغربي حرية الاجتماع والتجمهر والتظاهر السلمي، في إطار الشروط والكيفيات التي يحددها القانون، بما يجعل الاحتجاج السلمي جزءاً من فضاء ممارسة الحقوق والحريات العامة.

ومن ثم، فإن الاحتجاج السلمي لا ينبغي أن يُفهم بالضرورة باعتباره نقيضاً للمؤسسات، وإنما يمكن النظر إليه باعتباره إحدى آليات التعبير عن المطالب وممارسة الرقابة المجتمعية على أداء المؤسسات.

غير أن هذه العلاقة تظل معقدة.

فالاحتجاج قد يكون نتيجة لعدم قدرة القنوات المؤسساتية القائمة على استيعاب بعض المطالب، لكنه يمكن أيضاً أن يصبح وسيلة لإعادة إدخال هذه المطالب إلى المجال المؤسساتي.

وهنا تكمن القيمة الديمقراطية للاحتجاج: ليس في مجرد رفع الشعارات، وإنما في قدرته على جعل قضية معينة موضوعاً للنقاش العمومي ودفع المؤسسات إلى التفاعل معها.

ومن هذا المنظور، يمكن النظر إلى الاحتجاج السلمي باعتباره آلية للإنذار الديمقراطي؛ فهو يكشف أحياناً عن وجود فجوة بين انتظارات المواطنين وأداء المؤسسات.

وتبرز أهمية هذه الوظيفة بالنسبة للشباب بشكل خاص، لأن استمرار الشعور بعدم الاستجابة للمطالب قد يؤدي إلى توسيع المسافة بينهم وبين المؤسسات السياسية التقليدية.

لكن الاحتجاج لا ينبغي أن يقدم باعتباره بديلاً دائماً عن المؤسسات، لأن الديمقراطية لا تقوم على الشارع وحده، كما لا تقوم على المؤسسات وحدها.

المطلوب هو بناء علاقة تجعل المؤسسات قادرة على الاستماع إلى المطالب الاجتماعية، وتجعل المواطنين قادرين على مساءلة المؤسسات بالوسائل السلمية والقانونية.

ومن هنا، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون: المؤسسة أم الاحتجاج؟

بل:

كيف يمكن للمؤسسات أن تتفاعل مع المطالب التي يعبر عنها الاحتجاج وتحولها إلى موضوع للسياسات العمومية؟

فحين ينجح الاحتجاج في الانتقال من مجرد التعبير إلى الترافع والنقاش والتفاوض، وحين تستطيع المؤسسات بدورها تحويل المطالب إلى قرارات وسياسات، يصبح الاحتجاج جزءاً من الدورة الديمقراطية بدلاً من أن يكون خارجها.

وبذلك، فإن الاحتجاج السلمي، شأنه شأن المشاركة الرقمية والديمقراطية التشاركية والديمقراطية التمثيلية، لا يكتسب قيمته فقط من وجوده، وإنما من قدرته على إنتاج أثر سياسي ومؤسساتي.

خامساً: من تعدد قنوات المشاركة إلى بناء التأثير السياسي للشباب

يكشف تحليل المداخل الأربعة أن الشباب لم يعودوا يواجهون بالضرورة مشكلة غياب قنوات التعبير والمشاركة.

فأمامهم الانتخابات والأحزاب والمؤسسات المنتخبة، وآليات الديمقراطية التشاركية، والعمل الجمعوي، والفضاء الرقمي، والاحتجاج السلمي.

وبالتالي، فإن اختزال مشكلة المشاركة السياسية للشباب في عبارة “العزوف عن السياسة” قد لا يكون كافياً لفهم التحولات التي يعرفها المجال السياسي.

فقد يكون الشاب بعيداً عن الحزب، لكنه قريب من قضية عامة.
وقد لا يشارك في الانتخابات، لكنه ينشط رقمياً.
وقد لا ينخرط في جمعية، لكنه يشارك في مبادرة مدنية.
وقد لا يدخل المؤسسات، لكنه يعبر عن موقفه في المجال العام من خلال الاحتجاج السلمي.

وهذا يعني أن أشكال المشاركة تغيرت، حتى وإن ظلت الحاجة إلى التأثير قائمة.

ومن هنا، يمكن القول إن جوهر الإشكال لا يكمن في عدد قنوات المشاركة، وإنما في العلاقة التي تربط هذه القنوات بعضها ببعض، وفي قدرتها على إنتاج مسار متكامل نحو التأثير.

ويمكن تصور هذا المسار على النحو التالي:

التمثيل السياسي المشاركة المدنية التعبيرالرقمي التعبئة المجتمعية الترافع والضغط التأثير في القرار العمومي.

ولا يعني ذلك أن كل شاب مطالب بالمرور عبر جميع هذه المراحل، وإنما أن النظام الديمقراطي الفعال ينبغي أن يتيح إمكانية الانتقال بينها.

فالمشاركة الانتخابية يمكن أن تفتح باب التمثيل، والمشاركة التشاركية يمكن أن توسع مجال التأثير، والفضاء الرقمي يمكن أن يوفر أدوات التعبئة والتواصل، والاحتجاج السلمي يمكن أن يلفت انتباه المؤسسات إلى مطالب لم تجد طريقها إلى القنوات الأخرى.

وعليه، فإن القيمة الحقيقية لهذه المداخل لا تكمن في كل واحد منها منفرداً، وإنما في مدى تكاملها داخل منظومة ديمقراطية واحدة.

وهنا ينبغي إعادة تعريف نجاح المشاركة السياسية للشباب.

فلا يكفي أن نقول إن الشباب شاركوا في الانتخابات، أو حضروا المشاورات، أو نظموا حملات رقمية، أو شاركوا في احتجاجات سلمية.

السؤال الأهم هو:

ماذا نتج عن هذه المشاركة؟
هل أثرت في البرامج السياسية؟
هل أنتجت تغييراً في السياسات العمومية؟
هل فتحت أمام الشباب مسارات حقيقية للوصول إلى مواقع القرار؟
هل تحولت المبادرات الشبابية إلى قرارات أو برامج؟
هل أصبحت المطالب المعبر عنها في الفضاء الرقمي أو الاحتجاجي موضوعاً للنقاش المؤسساتي؟

إذا كانت الإجابة بالنفي، فإننا نكون أمام مشاركة موجودة، لكنها محدودة التأثير.

وهذا هو الفارق بين المشاركة باعتبارها حضوراً، والمشاركة باعتبارها ممارسة للسلطة والتأثير.

ومن هنا، فإن تعزيز موقع الشباب لا ينبغي أن يقاس فقط بمدى حضورهم في المجال السياسي، وإنما بمدى قدرتهم على التأثير في اتجاهات القرار العمومي.

خاتمة: الشباب من موضوع للسياسات العمومية إلى شريك في صناعة القرار

إن تحليل المداخل المختلفة للمشاركة السياسية للشباب في المغرب يقود إلى نتيجة أساسية مفادها أن الإشكال لم يعد يتمثل فقط في توفير قنوات للمشاركة، وإنما في ضمان قدرة هذه القنوات على إنتاج تأثير حقيقي ومستدام.

فقد أفرز التطور الدستوري والمؤسساتي مجموعة من الآليات التي تسمح للشباب بالمشاركة، كما أدى التحول الرقمي والاجتماعي إلى ظهور أشكال جديدة للتعبير السياسي لم تكن متاحة بالصيغة نفسها في السابق.

غير أن تعدد قنوات المشاركة لا يؤدي تلقائياً إلى تمكين سياسي فعلي.

فالديمقراطية التمثيلية قد تضمن للشباب حق التصويت والترشح، لكنها تحتاج إلى تعزيز شروط وصولهم إلى مواقع التمثيل وصناعة القرار. والديمقراطية التشاركية قد تتيح لهم التعبير والمساهمة في النقاش العمومي، لكنها تحتاج إلى ضمان أن لا تتحول المشاركة إلى مجرد استشارة شكلية. أما المشاركة الرقمية فقد وفرت للشباب إمكانات غير مسبوقة للتعبير والتعبئة، لكنها تظل محدودة ما لم تستطع الانتقال من الفضاء الافتراضي إلى التأثير الواقعي. والاحتجاج السلمي يمكن أن يشكل وسيلة مشروعة للتعبير عن المطالب، لكنه يفقد جزءاً من قيمته إذا لم تجد المطالب التي يعبر عنها طريقها إلى النقاش والتفاعل المؤسساتي.

ومن ثم، فإن التحدي الحقيقي لا يتمثل في الاختيار بين هذه المداخل، وإنما في بناء التكامل بينها.

إن المطلوب ليس شباباً يشاركون فقط، وإنما شباباً يؤثرون.

وليس المطلوب فقط أن تتيح المؤسسات للشباب التعبير، وإنما أن تهيئ شروطاً تسمح بتحويل هذا التعبير إلى مساهمة في صناعة القرار.

كما أن المطلوب ليس فقط أن يكون الشباب موضوعاً للسياسات العمومية، وإنما أن يصبحوا شركاء في إنتاجها، من مرحلة التشخيص وتحديد الأولويات، مروراً بالإعداد والتنفيذ، وصولاً إلى التقييم والمساءلة.

ومن هذا المنظور، فإن الفصل 33 من دستور 2011 ينبغي أن يُقرأ ليس فقط باعتباره إعلاناً عن أهمية الشباب، وإنما باعتباره أساساً دستورياً لإعادة التفكير في موقعهم داخل الحياة السياسية. فالدعوة إلى توسيع وتعميم مشاركة الشباب في التنمية السياسية للبلاد تفترض، في جوهرها، أن تكون لهذه المشاركة قيمة فعلية وأثر ملموس.

وعليه، فإن معيار نجاح السياسة العمومية المتعلقة بالمشاركة الشبابية لا ينبغي أن يكون عدد البرامج والمنتديات والآليات التي تم إحداثها، وإنما مدى قدرتها على خلق مسارات فعلية للتمكين السياسي.

وفي تقديرنا، فإن إعادة بناء علاقة الشباب بالمؤسسات لا يمكن أن تقوم فقط على مطالبة الشباب بالمشاركة، وإنما ينبغي أن تقوم كذلك على إعادة بناء الثقة في جدوى المشاركة نفسها.

فالشاب قد يعزف عن قناة سياسية معينة، لا لأنه يرفض السياسة بالضرورة، وإنما لأنه قد لا يرى في هذه القناة إمكانية حقيقية للتأثير.

وهنا تكمن مسؤولية المؤسسات والأحزاب والفاعلين العموميين: ليس المطلوب فقط أن يقولوا للشباب “شاركوا”، وإنما أن يثبتوا لهم أن مشاركتهم تحدث فرقاً.

إن الانتقال من المشاركة إلى التأثير هو، في تقديرنا، جوهر الرهان الديمقراطي المتعلق بالشباب.

فحين يصبح الشباب ناخبين دون أن يصبحوا ممثلين، ومشاركين دون أن يصبحوا مؤثرين، ومتفاعلين رقمياً دون أن يتحول تفاعلهم إلى فعل عمومي، ومحتجين دون أن تجد مطالبهم مساراً مؤسساتياً، فإن الديمقراطية تكون قد نجحت في إتاحة مساحة للتعبير، لكنها لم تستكمل بعد شروط التمكين.

أما حين تتحول هذه الأشكال المختلفة من المشاركة إلى مسارات حقيقية للتأثير في القرار العمومي، فإن الشباب لا يعودون مجرد فئة مستهدفة بالسياسات العمومية، وإنما يصبحون شركاء في صياغة حاضر المجتمع ومستقبله.

وهنا، في تقديرنا، يكمن الاختبار الحقيقي للمشاركة السياسية للشباب في المغرب:

ليس السؤال فقط: هل يشارك الشباب في السياسة؟ وإنما السؤال الأهم: هل تمنحهم السياسة القدرة على التأثير في صناعة المستقبل؟

فالديمقراطية التي تستوعب الشباب داخل مؤسساتها ولا تمنحهم القدرة على التأثير قد تحقق إدماجاً شكلياً، لكنها تظل عاجزة عن تجديد نفسها بصورة كاملة. أما الديمقراطية التي تجعل من الشباب شركاء في التفكير والاقتراح والمساءلة وصناعة القرار، فإنها لا تعزز موقع فئة عمرية فحسب، وإنما تجدد شرعيتها وقدرتها على الاستمرار.

ومن ثم، فإن مستقبل المشاركة السياسية للشباب لن يتوقف فقط على استعدادهم للمشاركة، بل سيتوقف، بالقدر نفسه، على قدرة المؤسسات السياسية والدستورية والمجتمعية على تحويل المشاركة من مجرد حق يمارس إلى قوة سياسية تؤثر، ومن مجرد حضور في المجال العام إلى شراكة حقيقية في صناعة القرار العمومي.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
situs toto dentoto dentoto