
مهرجان المهاجر بأنزا.. حين تتحول الاحتفالية إلى ذاكرة وهوية ووعي
لم تخطئ أعين إدارة مهرجان المهاجر بأنزا الذي تشرف عليه جمعية أنزا الهجرة والتنمية حين اختارت هندسة فضاءاتها بعناية بالغة إذ تحول بهو مركب “الحاج الحبيب التنالتي” إلى ما يشبه حلقات التحصيل والمعرفة الفقهية والعلمية في محاكاة ذكية تنضح بنفحات المدرسة العتيقة لسيدي الحاج الحبيب.
فالأمر ليس مجرد بروتوكول احتفالي عابر بل كان تجسيداً لعمق الهوية المحلية التي تحاول الدورة الخامسة للمهرجان تأصيلها بثبات وهدوء مكرسةً ملامح نضج تنظيمي لافت يزاوج بين قضايا الهجرة وتجليات الوعي الجمعي.
في هذه الأجواء النخبوية حظي الحضور بجلسة فكرية استثنائية التأمت حول توقيع كتاب “ومضات بذاكرة أنزا” للكاتب محمد ازداك مصحوباً بترجمته التي صاغها باقتدار الكاتب والمترجم الأستاذ محمد بحري.
وقد منح الأخ بونخيلة عبد الله اللقاء حيوية وتوازناً لافتاً عبر تنشيطه الرصين بينما تكفل قيدوم الأساتذة، الأستاذ بوشعيب بضخ لمسة ثقافية رفيعة أطرت النقاش وفتحت آفاقه بشكل ذكي وعميق ليتحول حفل التوقيع من مجرد إشهار للمنجز الأدبي إلى تلاقح فكري حقيقي بين أجيال المنطقة.
هذا التميز الفكري الذي انطلق بافتتاح كتابين بين الأصل والترجمة سرعان ما اتصل بندوة علمية وازنة حول الهجرة أمّن تأطيرها خبير أممي باحث في قضايا الهجرة الدكتور محمد شارف في نفس اليوم والمكان ليتجاوز المهرجان بذلك منطق الاحتفال الفلكلوري نحو التأسيس لوعي سوسيولوجي رصين.
ولم تكتفِ الجمعية بالنقاشات داخل القاعات المغلقة بل نقلت ديناميتها إلى الفضاء العام عبر معرض مفتوح على طول كورنيش أنزا طيلة أيام المهرجان (من 10 إلى 16 غشت) محتضناً إبداعات أزيد من مائة عارض وعارضة سلطوا الضوء على ثراء المنتوجات المجالية والاقتصاد التضامني.
وفي ذات سياق الإدماج الفعلي الملامس لشعار الدورة جاء الملتقى الصيفي لأبناء مغاربة العالم ليشكل جسر تواصل وجداني مع تنظيم مقابلة كروية تنافسية وأخوية ستجمع بين أبناء الجالية والفريق المحلي بموازاة مع سهرات ليلية لاشك ستنمح لساكنة أنزا وضيوفها لحظات من الفرح والبهجة المستحقة.
ولأن الأمم الحية هي التي لا تنسى صناع أمجادها فقد أفرد المهرجان مساحة متميزة للاعتراف واستحضار الذاكرة الرياضية لقلعة أنزابحيث ستشهد الدورة تنظيماً متميزاً لدوري في الكرة الحديدية حول كأس بطل هذه الرياضة المرحوم عبد المجيد بيربير في التفاتة وفاء وعرفان وتكاملاً مع هذا المشهد الرياضي هناك دوري لرواد الصيد بالقصبة تكريماً لشاطئ أنزا ذلك الرفيق الأزرق الذي لم يكن للأنزاويين مجرد فضاء جغرافي بل كان دوماً مصدراً للعيش وملهماً للصبر والتواضع ومستودعاً للهوية الحية التي تصالحت في هذا المحفل الاستثنائي مع العلم والفكر وقيم الاعتراف.
- يوسف غريب كاتب صحفي
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News






