الرأيالمجتمع

الذكاء الاصطناعي والبحث العلمي… عندما تدخل الآلة إلى غرفة الباحث(4)

لم يعد الذكاء الاصطناعي سؤالا يخص المختبرات وشركات التكنولوجيا وحدها. لقد دخل الجامعة، ومراكز البحث، وقاعات الدرس، وأصبح حاضرا في الطريقة التي يبحث بها الطلبة والباحثون عن المعلومة، ويحللون البيانات، ويكتبون النصوص، ويترجمون، ويلخصون، وحتى في الطريقة التي يطرحون بها أسئلتهم.

لكن السؤال الذي ينبغي أن يشغل الجامعة اليوم ليس: هل نستخدم الذكاء الاصطناعي أم لا؟

فهذا السؤال تجاوزه الواقع.

السؤال الأكثر إلحاحا هو: كيف نستخدمه من دون أن نفقد الباحث؟

فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يختصر آلاف الصفحات في دقائق، ويقترح مراجع، ويساعد في تحليل كميات هائلة من البيانات، ويكشف أنماطا قد يصعب على الباحث ملاحظتها بمفرده. ويمكنه أن يكون أداة قوية لتسريع البحث وتوسيع إمكاناته،، خصوصاً في المجالات التي تتطلب معالجة معلومات ضخمة أو مقارنة عدد كبير من الوثائق والمعطيات.

لكن سرعة الآلة لا تعني بالضرورة عمق المعرفة.

وهنا تكمن المفارقة.

لقد كانت إحدى مشكلات البحث العلمي في الماضي هي صعوبة الوصول إلى المعلومة. أما اليوم، فقد يصبح التحدي هو التمييز بين المعلومة والمعرفة، وبين الإجابة الصحيحة ظاهريا والإجابة التي يمكن الوثوق بها علميا.

فالآلة تستطيع أن تمنح الباحث جوابا سريعا، لكنها لا تعفيه من مسؤولية السؤال.

من الباحث الذي يبحث إلى الباحث الذي يتحقق

قد يبدو استخدام الذكاء الاصطناعي في البحث العلمي فرصة لتقليص الوقت والجهد، وهذا صحيح إلى حد كبير. لكن هناك خطرا آخر أكثر هدوءا أن يتحول الباحث تدريجيا من منتج للأسئلة إلى مستهلك للإجابات..

البحث العلمي لا يبدأ من محرك بحث، ولا من أداة للذكاء الاصطناعي.

إنه يبدأ من سؤال.

والسؤال العلمي الجيد لا تنتجه الآلة بالمعنى الحقيقي؛ لأنه يرتبط بقدرة الباحث على ملاحظة مشكلة، واكتشاف فجوة، والشك في تفسير قائم، وربط ظاهرة بأخرى، ثم بناء فرضية قابلة للفحص.

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد الباحث في الوصول إلى الطريق، لكنه لا ينبغي أن يصبح هو الذي يحدد له إلى أين يذهب.

وهنا تصبح مهارة التحقق أهم من مهارة الوصول.

فالمعلومة التي تنتجها أداة ذكية ليست مصدرا علميا في حد ذاتها، والمراجع المقترحة تحتاج إلى مراجعة، والبيانات تحتاج إلى تدقيق، والاستنتاجات تحتاج إلى اختبار. وقد تنتج الأنظمة الذكية إجابات تبدو مقنعة وهي في الحقيقة ناقصة أو غير دقيقة أو مبنية على مصادر غير مناسبة.

لذلك، فإن الباحث الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي دون أدوات نقدية قد ينجز بحثه بسرعة أكبر، لكنه ليس بالضرورة قد أنجز بحثا أفضل.

هل سيقتل الذكاء الاصطناعي الباحث؟

هذا السؤال يتكرر كثيرا، لكنه ربما ليس السؤال الصحيح.

فالآلة لم تقتل الباحث عندما ظهرت قواعد البيانات الإلكترونية، ولم تفعل ذلك محركات البحث، ولن تفعل ذلك أدوات الذكاء الاصطناعي.

الخطر الحقيقي ليس أن تحل الآلة محل الباحث، وإنما أن يتنازل الباحث بنفسه عن دوره لصالح الآلة.

حين يصبح الطالب غير قادر على بناء إشكالية من دون أن تقترحها عليه أداة، أو على قراءة نص طويل دون تلخيص آلي، أو على كتابة فقرة دون أن تنتجها له خوارزمية، فإن المشكلة لم تعد مشكلة تكنولوجيا،

إنها مشكلة تعليم.

فالجامعة التي تخشى الذكاء الاصطناعي قد تجد نفسها في مواجهة واقع لا يمكن إيقافه. أما الجامعة التي تفهمه وتؤطر استخدامه، فيمكنها أن تحوله من تهديد إلى فرصة لإعادة تعريف مهارات البحث نفسها.

ربما لم يعد المطلوب من الباحث أن يعرف فقط كيف يجد المعلومة، بل أن يعرف كيف يسأل، وكيف يتحقق، وكيف يقارن، وكيف يفسر، وكيف يختلف مع الإجابة التي تقدمها الآلة.

من محاربة الذكاء الاصطناعي إلى تعليم استخدامه

قد يكون من السهل على الجامعة أن تختار الطريق التقليدي منع استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، أو اعتبار كل نص ساعدت الآلة في إنتاجه عملا غير مشروع.

لكن المنع وحده لن يصنع باحثاً أفضل.

المطلوب هو بناء ثقافة استخدام مسؤولة.

يحتاج الطالب والباحث إلى معرفة ما الذي يمكن أن يساعده فيه الذكاء الاصطناعي،وما الذي يجب أن يبقى من صميم عمله العلمي. يحتاج إلى فهم قضايا الملكية الفكرية،وحماية البيانات، والخصوصية، ونزاهة البحث،ونسبة الأفكار إلى أصحابها،وكيفية توثيق المصادر والتحقق منها.

والأهم من ذلك كله أن يعرف أن استخدام الأداة لا ينقل إليه مسؤولية النتيجة.

إذا أخطأت الآلة، فالباحث هو المسؤول عن الخطأ في بحثه.

وإذا قدمت له مرجعا غير موجود، فمسؤوليته أن يكتشف ذلك.

وإذا أنتجت له تحليلا مضللا، فمسؤوليته أن يرفضه.

وهنا تصبح النزاهة العلمية أكثر أهمية، لا أقل،في عصر الذكاء الاصطناعي.

البحث العلمي أمام امتحان جديد

ربما يكون الذكاء الاصطناعي فرصة للجامعة لكي تطرح سؤالا أعمق من مجرد كيفية استعمال التكنولوجيا.

ماذا نريد من خريج الجامعة أن يعرف؟

إذا كان بإمكان أي شخص الوصول خلال ثوانٍ إلى إجابة عن سؤال عام، فإن قيمة التعليم العالي لن تكون في القدرة على استرجاع المعلومات فقط.

ستكون في القدرة على طرح الأسئلة التي تستحق البحث.

وإذا كان الذكاء الاصطناعي يستطيع إنتاج نص منظم،فإن قيمة الباحث لن تكون في إنتاج الكلمات وحدها، بل في امتلاك فكرة، وموقف علمي، ومنهج،وحجة، وقدرة على النقد.

وإذا كانت الآلة تستطيع تلخيص مئات الدراسات، فإن قيمة الباحث ستظهر في قدرته على اكتشاف ما لم تقله هذه الدراسات،

وهنا قد يمنحنا الذكاء الاصطناعي، فرصة للعودة إلى جوهر البحث العلمي: الفضول، والشك، والنقد، والاكتشاف.

من الجامعة إلى المجتمع سؤال جديد

لكن الحديث عن الذكاء الاصطناعي والبحث العلمي لا ينبغي أن يبقى محصورا داخل الجامعة.

إذا كانت المعرفة العلمية لا تصل إلى المجتمع، فإن أدوات الذكاء الاصطناعي وحدها لن تحل المشكلة.

قد يصبح الباحث أسرع في إنتاج المعرفة، لكن السؤال يبقى :هل ستصبح المعرفة أكثر حضوراً في حياة الناس؟

هل ستساعد نتائج البحوث في تحسين السياسات العمومية؟

هل ستصل المعرفة القانونية إلى المواطن بلغة يفهمها؟

هل ستساعد الأبحاث في معالجة مشكلات التعليم والصحة والتشغيل والبيئة والعدالة؟

هنا نعود إلى الفكرة التي انطلقت منها هذه السلسلة،

لا يمكن للمعرفة أن تكتمل حتى تغادر أسوار الجامعة لتحدث أثرا في المجتمع.

وقد يكون الذكاء الاصطناعي قادرا على تسريع هذه الرحلة، لكنه لا يستطيع أن يقرر وحده وجهتها.

فالآلة يمكن أن تساعدنا على إنتاج المعرفة بسرعة أكبر.

لكن الباحث هو من يمنحها معناها،والجامعة هي من تمنحها مشروعيتها، والمجتمع هو من يختبر قيمتها.

وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الحقيقي:
هل سيغير الذكاء الاصطناعي البحث العلمي؟

لقد بدأ تغييره بالفعل.

السؤال الذي يستحق أن نطرحه الآن هو:

هل ستنجح الجامعة في استخدام الذكاء الاصطناعي لتطوير الباحث, أم ستسمح له بأن يختصر الباحث إلى مجرد مستخدم للأداة؟

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
situs toto dentoto dentoto