
عبد الله سماط: من إصلاح الدراجات الهوائية إلى استعادة كرامة المنجّمين المغاربة
- د. خالد ألعيوض * //
ولد عبد الله سماط في إحدى قرى أولوز، في وسط اجتماعي كان الفقر والهجرة سمتين بارزتين من سماته. وكغيره من أبناء جيله، لم تتح له فرصة متابعة الدراسة بشكل منتظم؛ فقد اقتصر تعليمه على فترات قصيرة في مسجد القرية، قبل أن تدفعه ظروف الحياة إلى مغادرة موطنه بحثًا عن العمل.
بعد زلزال أكادير، انتقل سماط إلى مدينة بنسركاو ليستقر لدى أخيه الأكبر. كان يومها في مقتبل العشرينات، فاختار أن يتعلم مهنة إصلاح الدراجات الهوائية، وهي مهنة أتاحت له أن يعتمد على قوته البدنية ومهارته اليدوية في مواجهة صعوبات الحياة.
لكن مسار حياته سيتغير بشكل جذري عندما بلغ إلى مسامعه خبر حضور «موغا» إلى تالوين، بحثًا عن شباب للعمل في المناجم الفرنسية. لم يتردد سماط. حمل دراجته ووضعها داخل شاحنة، وتوجه إلى تالوين، حيث كان الشباب يتوافدون من مختلف القرى الجبلية والسهلية المحيطة بالمنطقة.
كانت الساحة مكتظة عن آخرها. وكان سماط، بحكم عمله اليدوي، يتمتع ببنية جسدية قوية وصحة جيدة؛ أي إنه كان يستوفي، في نظر منظمي الهجرة آنذاك، الشروط المطلوبة للعمل في المناجم.
يتذكر سماط تلك اللحظة بوضوح. كان «موغا» يفحص الشباب ويجردهم من ملابسهم أمام الجميع، في مشهد كان يحمل في ظاهره الإهانة والاختبار في آن واحد. غير أن لحظة حصوله على الطابع الأخضر على صدره تحولت بالنسبة إليه إلى لحظة فرح؛ فقد كان ذلك الطابع بمثابة جواز عبور نحو مستقبل لم يكن يعرف عنه شيئًا.
اجتاز سماط، رفقة الآخرين، مراحل الفحص المطلوبة: قياس الطول، والوزن، وفحص الأسنان، وفحوصًا جسدية أخرى. وبعد نجاحه في الاختبارات، بدأت رحلة لم يكن يعرف إلى أين ستقوده.
يقول سماط في شهادته إنهم اقتيدوا أولًا إلى عين برجة، ثم نقلوا عبر الباخرة إلى مرسيليا، ومنها بالقطار نحو شمال فرنسا. كان ذلك عالمًا مجهولًا تمامًا بالنسبة إليهم. لم يكونوا يعرفون شيئًا تقريبًا عن فرنسا، ولم يكونوا يتحدثون سوى الأمازيغية، وحتى العربية لم يكونوا يتقنونها بشكل يسمح لهم بالتواصل بسهولة.
في الشمال الفرنسي، وجدوا أنفسهم أمام واقع قاسٍ ومختلف جذريًا عن البيئة التي جاؤوا منها. كانوا يسكنون في غرف مشتركة، يتقاسمها أحيانًا ستة أو ثمانية أشخاص، وكانت المرافق الصحية في الخارج ومشتركة بين العمال. أما البرد، فقد كان صدمة أخرى لأبناء الجنوب المغربي الذين اعتادوا الشمس والدفء. يقول سماط إن درجات الحرارة كانت تنخفض إلى ما دون عشر درجات، وهو أمر لم يكن مألوفًا بالنسبة إليهم.
كانت الأيام الأولى مرحلة شاقة من التكيف. وبعد تدريب بسيط، وجدوا أنفسهم ينزلون إلى جوف الأرض، ليبدأوا رحلة يومية تشبه، في وصف سماط، النزول إلى الجحيم.
لم تكن صعوبة العمل وحدها هي المشكلة. فقد اكتشف العمال المغاربة أنهم يتقاضون أجورًا أقل من بعض العمال الأوروبيين، كما وجدوا أنفسهم أمام عقود لم يكونوا يعرفون مضمونها الحقيقي، بسبب ضعف معرفتهم باللغة الفرنسية وغياب التأطير القانوني.
كانت الأيام تتشابه: العمل، التعب، ثم العودة إلى السكن.
لكن وسط هذا الواقع القاسي، وجد المهاجرون المغاربة وسائلهم الخاصة للحفاظ على ذاكرتهم وهويتهم. كانت ليالي السبت مناسبة للاجتماع عند أحد الأصدقاء الذي كان يحسن العزف على آلة «لوطار»، التي حملها معه من المغرب. كانوا يلتفون حول العازف، يستمعون إلى أغاني الروايس، ويتبادلون أكواب الشاي وحبات اللوز، في محاولة لاستعادة شيء من دفء الوطن داخل فضاء المناجم البارد.
استمرت هذه الحياة سنوات، إلى أن تعرض عبد الله سماط لحادث خطير داخل المنجم. قضى فترة طويلة في العلاج، قاربت سنتين، ولم يكن قادرًا على المشي لفترة ممتدة.
حاول المسؤولون، كما يروي، إعادته إلى المغرب ومنحه عطلة طويلة. لكنه رفض. فقد كان قد دخل فرنسا شابًا سليمًا وقويًا، ولم يكن مستعدًا لأن يعود إليها محمّلًا بإعاقة من دون أن يحصل على حقوقه.
كانت هذه اللحظة نقطة التحول الحقيقية في حياته.
لجأ سماط إلى نقابة فرنسية، وهناك بدأ ينتقل تدريجيًا من موقع العامل الذي يعاني بصمت إلى موقع العامل الذي يعرف حقوقه ويطالب بها. أصبح عضوًا في لجنة العمال، وبدأ يتعلم القراءة والكتابة باللغة الفرنسية، ثم شرع في التعرف على القوانين المنظمة للعمل وحقوق العمال.
كان انخراطه في إضراب سنة 1980 محطة أساسية في هذا المسار. فمن خلال التجربة النقابية، اكتشف سماط أن الدفاع عن حقوق العامل لا يمكن أن يتم إلا بالمعرفة والتنظيم والعمل الجماعي.
لكن مطالبه لم تعد شخصية. فقد بدأ يطرح قضايا العمال المغاربة تحديدًا، بعدما اكتشف أن جزءًا من مشاكلهم يرتبط بوضعية الهجرة، والحاجز اللغوي، وضعف المعرفة بالقوانين، وعدم تكافؤ المعاملة.
وحين لم يجد تجاوبًا كافيًا مع هذه المطالب داخل الإطار النقابي، قرر، رفقة عدد من زملائه، وبمساندة وتأطير من جمعية العمال المغاربة في فرنسا، ودعم من الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، خوض مواجهة أكثر قوة.
وفي سنة 1987، شارك في إضراب واحتلال إدارة المناجم. لم تكن المعركة قصيرة؛ فقد استمرت نحو شهرين قبل أن تستجيب إدارة المناجم لعدد من المطالب.
لم تكن نتيجة هذه المواجهة مجرد مكاسب مادية، بل شكلت اعترافًا بوضعية العمال المنجميين المغاربة وبعدد من الحقوق التي ظلت غير مقننة أو غير مفعلة. وبعد ذلك بدأت مرحلة جديدة من العمل المنظم.
ساهم سماط في تأسيس وتنشيط تجربة جمعية العمال المنجميين المغاربة بشمال فرنسا، التي أصبحت إطارًا لتأطير العمال، ومساعدتهم على إعداد الملفات الإدارية والقانونية، ومتابعة قضاياهم من أجل الحصول على حقوقهم.
ومن النضال الميداني انتقل سماط أيضًا إلى الكتابة والتوثيق. فقد أدرك أن معركة العمال لا تتعلق فقط بالمطالب الآنية، وإنما كذلك بحفظ ذاكرتهم حتى لا تضيع تجاربهم مع مرور الزمن.
ولهذا انخرط في تجربة التدوين والكتابة إلى جانب مختصين، وأسفرت هذه التجربة عن إصدار كتابين يوثقان جانبًا من تاريخ المنجّمين المغاربة ومعاناتهم ونضالاتهم؛ الأول بعنوان «من البلد إلى مناجم الفحم: الحلم المغدور»، والثاني بعنوان «من الرأس المطاطية إلى استرجاع الكرامة».
وهكذا تحولت تجربة عبد الله سماط من تجربة مهاجر يبحث عن العمل إلى تجربة شاهد وفاعل وموثق. الرجل الذي غادر أولوز بحثًا عن لقمة العيش أصبح واحدًا من الأصوات التي ساهمت في إسماع صوت المنجّمين المغاربة، وهم الذين ظلوا لسنوات يعملون في أعماق الأرض بعيدًا عن الأضواء.
ولم يقتصر الاعتراف بتجربته على الأوساط العمالية والجمعوية، بل حظي بتكريم رسمي من الدولة الفرنسية، حيث وشحه الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي بوسام من أوسمة الجمهورية، في اعتراف بما قدمه من أجل الدفاع عن حقوق العمال وكرامتهم.
غير أن التكريم لم يكن نهاية المسار. فما يزال عبد الله سماط حاضرًا في النقاش العمومي، مدافعًا عن حقوق العمال، ومشاركًا في البرامج التلفزيونية والأفلام والندوات، حاملاً معه ذاكرة جيل كامل من المنجّمين المغاربة.
إن أهمية تجربة عبد الله سماط لا تكمن فقط في كونه عاملًا سابقًا في المناجم أو مناضلًا نقابيًا، وإنما في كونه تحول إلى ذاكرة حية لجيل من المهاجرين المغاربة الذين نزلوا إلى أعماق الأرض بحثًا عن العمل، فعاد بعضهم منها محملًا بإصابات جسدية، لكنهم خرجوا أيضًا بتجربة نضالية أسهمت في تغيير علاقتهم بحقوقهم وبالمجتمع الذي يعيشون فيه.
إن مسار سماط يختزل رحلة اجتماعية كاملة: من قرية فقيرة في أولوز، إلى أكادير، ثم إلى مناجم شمال فرنسا؛ ومن إصلاح الدراجات الهوائية إلى إصلاح ميزان مختل بين العامل ورب العمل؛ ومن مهاجر لا يتحدث الفرنسية إلى مناضل يعرف القانون ويطالب بتطبيقه؛ ومن عامل كان عاجزًا عن التعبير عن حقوقه إلى صوت يتحدث باسم آلاف المنجّمين.
لقد كان النزول الأول لعبد الله سماط إلى المنجم نزولًا إلى أعماق الأرض، أما رحلته النضالية فكانت صعودًا تدريجيًا نحو استعادة الكرامة.
ولهذا فإن عبد الله سماط ليس مجرد شاهد على تاريخ المنجّمين المغاربة في فرنسا؛ إنه جزء من هذا التاريخ، وحامل لذاكرته، وأحد الأصوات التي جعلت معاناة أولئك الذين اشتغلوا في الظلام تُسمع في وضح النهار.
عبد الله سماط… ذاكرة المنجّمين المغاربة في فرنسا، ورحلة من أعماق المنجم إلى فضاء الكرامة.
- *الدكتور خالد ألعيوض رئيس مركز تاوسنا للدراسات والأبحاث
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



