
إنزكان..المدينة التي لا تخلع حذاءها (الحلقة الأولى)
- يوسف غريب //
هل تنام هذه المدينة
ذلك أول ما قد يخطر ببال من تطأ قدماه شوارعها للمرة الأولى. مدينة يبدو أن النوم فيها ترف لا تملكه وأن الليل ليس سوى استراحة قصيرة بين نوبتين من الصخب.
أما من يسكنها فربما يجد وصفًا أدق:
إنزكان لا تسكت.
أما زر خفض صوتها فيبدو أنه يعمل بالطاقة الشمسية يرتفع مع أول أشعة الصباح ويبلغ ذروته بين صلاتي العصر والمغرب.. حينها تتحول المدينة كلها إلى مكبر صوت كبير.. تتداخل فيه أصوات الباعة والمناداة وأبواق السيارات وضجيج العابرين حتى ليخيل إليك أن للصمت هنا عطلة سنوية.
في إنزكان لا تحتاج إلى البحث عن السوق.
السوق هو الذي يبحث عنك.
أينما وليت وجهك وجدت بائعًا أو مشتريًا أو عربة أو فرشة أو صفًا من السلع يمتد حتى يكاد يضيق به الرصيف.
في هذا الزحام لا تكاد تجد حدودًا واضحة بين السلع وأصحابها والعابرين…
كل شيء متداخل في كل شيء.. بائع يقف خلف بضاعته ومشترٍ يساومه وعابر يحاول شق طريقه بينهم…ومن شدة التدافع قد تطأ قدماك بعض المعروضات دون أن تقصد فتجد نفسك مضطرًا إلى الاعتذار لبائع عن شيء لم تكن تنوي حتى الاقتراب منه.
كل شيء له مكان
الخضروات والفواكه الملابس والأحذية.. البيجامات ولوازم التنظيف… وكل شيء قابل للتفاوض وكل بائع يمتلك نسخته الخاصة من كلمة «تخفيض».
هنا تتحول الأزقة إلى ساحات مفتوحة للبيع والشراء ويصبح الرصيف ملكية عامة… إلى أن تصل إليه سيارة فتستعيده فجأة باسم قانون آخر.
وفي النقطة المركزية قبالة السوق اليومي قد لا يفصل بينك وبين البائع سوى متر واحد.. لكنه متر شديد الخطورة لأن سيارة ما قد تقرر في اللحظة نفسها أن تمر من المكان ذاته وأن تقنعك بمنبهها الصوتي بأن الطريق طريقها وأن وجودك فيه مجرد سوء تفاهم.
في إنزكان، السيارات تحتل الأرصفة والمشاة يتجولون وسط الطريق وكل واحد منهما مقتنع بطريقة ما أنه صاحب الحق الطبيعي في المساحة التي يشغلها.
أما من يفكر في ركن سيارته فليكن صبورًا…
فالعثور على موقف في إنزكان قد يحتاج إلى شيء من الحظ وربما دعاء قصير.
ثم يأتي آذان المغرب.
وهنا يتغير إيقاع المدينة تتسارع الخطوات وتعلو الأصوات وتصبح كل دقيقة محسوبة.
الباعة يريدون تصريف ما تبقى والسلع التي لم تجد مشتريًا طوال النهار تنزل أسعارها إلى آخر درجات الكرم خصوصًا ما تعلق بمواد العيش.
وكأن المدينة تعرف أن لهذا التوقيت زبناؤه أيضًا.
هناك من ينتظر آخر النهار ليشتري بأقل ثمن.. وهناك من يعرف أن ما تبقى له من السلع لا يحتمل أن يعود إلى الغد.
ثم يأتي العشاء.
وعندما تظن أن إنزكان ستلتقط أنفاسها تكتشف أنك كنت مخطئًا.
فالمدينة لا تخلع حذاءها.
تخلع فقط ثوب النهار وترتدي شيئًا آخر…
تفتح بابًا جديدًا من أبوابها.
باب المحطة (الحلقة الثانية)
يوسف غريب كاتب صحفي
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



