المغرب اليوم

تصنيف البوليساريو: إبعاد التنظيم عن الحكم الذاتي وحماية الأمن القومي المغربي

  • د.محمد الطيار //

إن تصنيف جبهة البوليساريو تنظيما إرهابيا يمثل، في المنظور الاستراتيجي والأمني ، أكثر من مجرد إجراء قانوني ضد تنظيم مسلح، فهو خطوة من شأنها إعادة تعريف موقع البوليساريو في أي تسوية سياسية مقبلة. فالتصنيف سيضع حدا للتعامل معها باعتبارها حركة سياسية مسلحة يمكن أن تنتقل تلقائيا من موقع النزاع إلى موقع الشريك في بناء مؤسسات الحكم الذاتي. والأهم من ذلك أنه سيمنع تحويل التاريخ العسكري للتنظيم إلى رصيد سياسي يسمح لقيادته بالحصول على موقع مؤسساتي داخل الأقاليم الجنوبية.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة بالنسبة للأمن القومي المغربي، لأن الخطر لا يكمن فقط في استمرار السلاح، وإنما في إمكانية نقل البنية التنظيمية والسياسية والأمنية للبوليساريو إلى داخل المجال الوطني.

فإدماج التنظيم في تنزيل الحكم الذاتي، مع خلفيته العسكرية وامتداداته وعلاقاته الخارجية و خدمته لاجندات معادية للمغرب طيلة عقود طويلة ، قد يؤدي إلى خلق مركز نفوذ مواز للمؤسسات المنتخبة، ويمنح أطرافا خارجية، خصوصا اسبانيا والجزائر ،إمكانية الاحتفاظ بأدوات تأثير داخل البنية السياسية الجديدة. ومن هنا فإن التصنيف يشكل وسيلة لإبعاد التنظيم عن هندسة الحكم الذاتي، وإغلاق الطريق أمام إعادة إنتاج النزاع من داخل المؤسسات المغربية .

كما أن التصنيف سيؤدي إلى فصل واضح بين البوليساريو كتنظيم وبين الأفراد المنحدرين من الأقاليم الصحراوية المغربية من ساكنة مخيمات تندوف . فالمصالحة وإعادة الإدماج يمكن أن تشمل كل فرد ثبت اولا انه ينحدر من الصحراء المغربية، واختار العودة إلى المغرب والاحتكام إلى القانون والمشاركة في الحياة العامة، لكن ذلك لا يعني إعادة إدخال التنظيم وبنيته القيادية والعسكرية إلى مؤسسات الحكم الذاتي. وهذه التفرقة أساسية للأمن القومي: فتح باب المواطنة أمام الإنسان، مع إغلاق الباب أمام إعادة إنتاج التنظيم الذي كان جزءا من النزاع وكان أداة من ادوات استهداف المغرب .

ومن شأن قيام الولايات المتحدة بتصنيف البوليساريو حركة ارهابية ، أن يخلق تحولا نوعيا في البيئة الدولية المحيطة بالتنظيم، خصوصا حين تحذو دول أخرى حذو واشنطن، وأن يمتد أثر ذلك إلى المؤسسات والأطر الدولية التي تتعامل مع التنظيم. وهنا لا تكمن أهمية التصنيف في العقوبات وحدها، وإنما في تغيير الصورة القانونية والسياسية للبوليساريو دوليا: من تنظيم يقدم نفسه باعتباره حركة سياسية لها حق تلقائي في التمثيل، إلى تنظيم تحيط به قيود قانونية وأمنية تجعل إشراكه ككيان مؤسساتي في الحكم الذاتي أمرا شديد الصعوبة وغير مقبول ، بل متعارضا مع منطق الحل الذي يفترض إنهاء البنية المسلحة للنزاع.

ولهذا فإن تصنيف البوليساريو يخدم الأمن القومي المغربي على مستويين متلازمين: خارجيا، من خلال تضييق المجال الدولي أمام التنظيم وشبكاته وارتباطاته. وداخليا، من خلال منع انتقال تلك البنية إلى مؤسسات الحكم الذاتي داخل الصحراء المغربية. وبذلك يصبح التصنيف جزءا من استراتيجية إنهاء النزاع، وليس مجرد إجراء عقابي. فالحكم الذاتي يجب أن يبنى على شرعية الدولة والمؤسسات المنتخبة وصناديق الاقتراع، وليس على شرعية تنظيم حمل السلاح لعقود ضد الشعب المغربي .

والمعادلة الأكثر وضوحا هي: المصالحة مع الإنسان، نعم، العودة وإعادة الإدماج، نعم، المشاركة السياسية للمواطن، نعم، أما إعادة تدوير البوليساريو كتنظيم داخل الحكم الذاتي، فلا.

إن إبعاد التنظيم عن عملية تنزيل الحكم الذاتي ليس إقصاء ، وإنما هو، في جوهره، تحصين للدولة المغربية و تحصينا للصحراء المغربية ومنع لإعادة إنتاج النزاع المفتعل داخل مؤسساتها، وبالتالي حماية مباشرة للأمن القومي المغربي.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
situs toto dentoto dentoto