أكادير اليومالرأي

أكادير… مسجد يسرُّ الناظرين ويزعج المصلين

تدخل من الباب فتجد نفسك أمام بنية معمارية تكاد تكون استثنائية بحق.
هندسة بديعة تجمع بين البساطة والتعقيد في تناغم ساحر بزوايا تريح العين وفضاءات متداخلة بين ما هو مفتوح للأفق وما هو مغلق على السكينة.
لا تكاد تخلع نعليك حتى تستنشق نسائم روحانية خاشعة تسري في الوجدان وترفع عينيك نحو الأسقف باحثاً عن ذلك الخيط الروحي الذي لا يقطعه إلا صوت الإمام وهو ينادي بقيام الصلاة.
كنت أنتظر كأي مصل يشتاق إلى لحظة سكينة تلك “الجذبة الروحية” في سجدتي لكن الذي حدث في هذا مسجد محمد السادس بحي السلام الذي قيل إن غلافه المالي تجاوز 17 مليار سنتيم كان العكس تماماً وكان صدمة تكشف عورة التدبير وتعري الاستهتار.
لقد تحولت الصلاة إلى نوع من التشويش حد الإزعاج النفسي الطافح فبين ركعة وسجدة لم يكن يصل إلى المسامع ترتيل يفتح مغاليق القلوب بل رَنينٌ منفِّر يمزِّق الأَعصابَ كأَنَّه طَنين حشرات مطحونة في (الميكروفون)
وبصدق كبير أقولها:
تمنيت لو أن الإمام أسرع في قيامه وركوعه لأنني عشت لحظات من التعذيب السمعي عبر ذاك المكبر الصوتي الرديء. وهنا نضع الإصبع على الملف الحقيقي:
كيف لمشرف على إنجاز تحفة معمارية بهذه المليارات أن يسقط في هذا الفخ البائس دون أن يفكر في هندسة صوتية تكون في مستوى هذا الإنجاز الضخم؟
إن النازلة تفتح باب المساءلة المشروعة حول صفقات التدشين والتسليم وكيف تمت عملية التسليم القانوني قبل التدشين الرسمي دون الانتباه إلى هذه “الجريمة” في حق راحة المصلين؟
وأين كانت لجان المراقبة التابعة لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية التي يفترض فيها أن تكون حارسة على الجودة كما هي حارسة على النصوص؟
أما ذاك الذي أدخل يده في جيبه فخرجت سوداء ولم يفكر في خشوع المصلين فهو قطعا خارج عن الملة البشرية وتماثلها الأخلاقي
ولم يقف الخلل عند آذان المصلين بل امتد ليستفز أعينهم كذلك فما حجم تلك الثريا الضئيلة البائسة المعيار المعلقة في السقف؟
هل يناسب هذا الحجم القزمي فضاء المسجد وفناءه العملاق؟
ما هذه “الشميعات” الرديئة التي تبدو وكأنها سقطت سهواً من دكان بسيط لتوضع في نشاز صارخ مع هندسة الفضاء الشاسع؟
إن جمالية العمارة لا تتجزأ وحينما تتحول المشاريع الكبرى إلى مجال للتقشيف في أهم التفاصيل فإن المقصد الأسمى لبيوت الله يصبح في خبر كان ويبقى المصلي هو الضحية الأولى لفساد التدبير وغياب الضمير.

يوسف غريب كاتب صحفي..

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
situs toto dentoto dentoto