
نص مداخلة الحسن باكريم في ندوة آملن: “تقييم تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية في الحياة العامة: بين المكتسبات والإكراهات ورهانات المستقبل”..
أكادير اليوم – ننشر نص مداخلة الأستاذ الحسن باكريم الصحفي وباحث في قضايا الإعلام والأمازيغية ومدير مجلة نبض المجتمع وموقع أكادير اليوم، تحت عنوان ” تقييم تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية في الحياة العامة: بين المكتسبات والإكراهات ورهانات المستقبل”، بندوة فستيفال تيفاوين بآملن يوم الخميس 6 غشت 2026.
“يشرفني أن أشارك في هذه الندوة الثقافية العلمية التي تنعقد ضمن برنامج الدورة 18 لفستيفال تيفاوين بآملن وتندرج في سياق استحضار مرور خمسة وعشرين سنة على الخطاب الملكي التاريخي بأجدير، الذي شكل محطة مفصلية في مسار إعادة الاعتبار للأمازيغية باعتبارها مكوناً أصيلاً من الهوية الوطنية المغربية.
لقد انتقل ملف الأمازيغية، خلال ربع قرن، من مرحلة المطالبة بالاعتراف إلى مرحلة التنزيل الدستوري والقانوني، وهو تحول نوعي ينبغي تقييمه بمنهجية علمية، بعيداً عن منطق الاحتفاء المطلق أو النقد المطلق.
أولاً: أهم المكتسبات
يمكن تسجيل عدد من الإنجازات المهمة، من أبرزها:
دسترة الأمازيغية لغة رسمية سنة 2011.
إصدار القانون التنظيمي رقم 16-26 المتعلق بتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية.
إدماج الأمازيغية في المنظومة التربوية، رغم تفاوت التنفيذ.
تعزيز حضورها في الإعلام العمومي، خاصة عبر القناة الأمازيغية والإذاعات الوطنية والجهوية.
اعتمادها في عدد من الوثائق الرسمية واللافتات الإدارية والتشوير الطرقي.
إدماجها تدريجياً في بعض الجماعات الترابية والإدارات العمومية.
إنتاج رصيد مهم من المعاجم والكتب والمناهج والبحوث العلمية بفضل جهود المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية والجامعات المغربية.
وتؤكد هذه المنجزات أن الدولة المغربية انتقلت من مرحلة الاعتراف الرمزي إلى مرحلة البناء المؤسساتي.
ثانياً: الإكراهات التي ما تزال قائمة
ورغم هذه المكتسبات، فإن تقييم التجربة يكشف وجود عدد من الاختلالات، أهمها:
أولاً، بطء تنزيل مقتضيات القانون التنظيمي مقارنة بما كان منتظراً.
ثانياً، غياب رؤية موحدة داخل مختلف الإدارات حول كيفية إدماج الأمازيغية.
ثالثاً، استمرار محدودية استعمال الأمازيغية في المرافق العمومية، خاصة في قطاعات الصحة والعدل والإدارة المحلية.
رابعاً، الخصاص الكبير في الموارد البشرية المؤهلة، سواء في التعليم أو الترجمة أو الإدارة.
خامساً، ضعف الميزانيات المخصصة لتفعيل الطابع الرسمي.
سادساً، تفاوت تنزيل الأمازيغية بين القطاعات، حيث توجد مؤسسات قطعت أشواطاً مهمة، وأخرى ما تزال في بداياتها.
أما في المجال الإعلامي، فرغم التطور الذي عرفته القناة الأمازيغية، فإن حضور الأمازيغية داخل الإعلام العمومي والخاص ما يزال دون مستوى مكانتها الدستورية، كما أن الإعلام الرقمي بالأمازيغية يحتاج إلى دعم أكبر، سواء من حيث الإنتاج أو التكوين أو الاستثمار في المحتوى الرقمي.
ثالثاً: تقييم عام
يمكن القول إن تجربة تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية حققت نجاحاً على المستوى الدستوري والمؤسساتي، لكنها لم تحقق بعد الانتقال الكامل إلى مستوى الممارسة اليومية داخل الحياة العامة.
وبعبارة أخرى، فإن الاعتراف القانوني تحقق إلى حد بعيد، بينما ما يزال الاعتراف الوظيفي يحتاج إلى مزيد من الجهد.
فالمواطن ينبغي أن يجد الأمازيغية حاضرة في المدرسة، والإدارة، والمحكمة، والمستشفى، والجماعة الترابية، ووسائل الإعلام، والخدمات الرقمية، باعتبارها لغة رسمية كاملة الحقوق.
رابعاً: رهانات المرحلة المقبلة
إن المرحلة القادمة تستدعي الانتقال من منطق الإدماج التدريجي إلى منطق التفعيل الفعلي، وذلك عبر:
وضع مؤشرات وطنية دقيقة لتقييم تنفيذ القانون التنظيمي.
ربط المسؤولية بالمحاسبة في تنفيذ الالتزامات اللغوية.
تكوين الموارد البشرية في مختلف القطاعات.
توسيع استعمال الأمازيغية في الخدمات الرقمية والإدارة الإلكترونية.
دعم البحث العلمي في قضايا السياسة اللغوية والتخطيط اللغوي.
تشجيع الإعلام الرقمي والصحافة الأمازيغية.
تعزيز حضور الأمازيغية في الذكاء الاصطناعي والتطبيقات الرقمية، باعتباره رهاناً استراتيجياً للمستقبل.
خاتمة: بعد خمسة وعشرين عاماً على خطاب أجدير، يمكن القول إن المغرب راكم تجربة رائدة في تدبير التنوع اللغوي والثقافي، غير أن نجاح هذا الورش الاستراتيجي سيقاس بمدى تحول الأمازيغية من نصوص قانونية إلى ممارسة يومية يشعر بها المواطن داخل مختلف مؤسسات الدولة.
إن الرهان الحقيقي لم يعد هو الاعتراف بالأمازيغية، وإنما ضمان مساواتها الفعلية داخل الفضاء العمومي، بما يعزز الديمقراطية اللغوية، ويكرس العدالة الثقافية، ويقوي الوحدة الوطنية في إطار التنوع.”
شكراً لكم على حسن الإصغاء.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News








