
غياب الراقصات عن بعض السهرات يفتح نقاشا حول مستقبل فن الروايس
- أكادير: إبراهيم فاضل //
يعيش فن الروايس، باعتباره أحد أهم روافد التراث الثقافي الأمازيغي بالمغرب، على وقع أسئلة مقلقة فرضتها ممارسات بدأت تتكرر في عدد من السهرات والمهرجانات، حيث أصبح غياب الفنانات المتخصصات في الرقص يثير الكثير من علامات الاستفهام. فما الذي تغير؟ وهل أصبح هذا المكون الفني، الذي ظل لعقود جزءا أصيلا من العرض، محل رفض وإقصاء؟ أم أن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد اختيارات فنية مشروعة؟ وبين هذا وذاك، يبقى من حق الرأي العام أن يطرح الأسئلة، ومن حق الفنانات أن يعرفن أسباب استبعادهن إن كان ذلك يحدث بالفعل.
لقد كان فن الروايس، عبر تاريخه الطويل، فضاء للإبداع والانفتاح والتعايش، ولم يكن في يوم من الأيام فنا يقوم على الإقصاء أو التمييز. فقد تشكلت العروض الفنية من الرايس والعازفين والراقصات، وكان لكل عنصر دوره في صناعة الفرجة والحفاظ على هذا التراث الذي انتقل من جيل إلى آخر. ولم يعتبر المجتمع السوسي ولا رواد هذا الفن مشاركة المرأة خروجا عن القيم، بل كانت جزءا طبيعيا من هوية فنية وثقافية أمازيغية احتفت بالحياة والجمال.
غير أن المتابع للشأن الفني الأمازيغي يلاحظ في الآونة الأخيرة تكرار غياب الراقصات عن بعض السهرات التي يحييها عدد من الروايس ” المشهرين ” ، وهو ما يطرح تساؤلات مشروعة حول خلفيات هذا التحول. فهل يتعلق الأمر بقناعة فنية جديدة؟ أم أن تأثير بعض الخطابات المحافظة والمتشددة بدأ يجد طريقه إلى الوسط الفني، في محاولة لإعادة تشكيل هذا الفن وفق تصورات لا تنسجم مع تاريخه ولا مع خصوصيته الثقافية؟
وتتداول الأوساط الفنية أحاديث مفادها أن بعض الفنانين تأثروا بخطابات وجلسات مع أشخاص يقدمون أنفسهم كدعاة أو فقهاء عبر منصات التواصل الاجتماعي. وهي معطيات تبقى في حدود ما يتداول، ولم تؤكدها مصادر رسمية أو تصريحات صادرة عن المعنيين بالأمر، لذلك ينبغي التعامل معها بكثير من التحفظ. لكن، سواء صحت هذه الروايات أم لم تصح، فإن النتيجة التي يراها الجمهور على أرض الواقع واحدة، حضور المرأة على المنصة أصبح يتراجع في بعض العروض، بينما يلتزم الجميع الصمت.
هذا الصمت يطرح بدوره أسئلة أخرى لا تقل أهمية. فأين النقابات الفنية التي يفترض أن تدافع عن حقوق جميع الفنانين والفنانات دون تمييز؟ وأين الجمعيات النسائية التي ترفع شعارات المساواة وتمكين المرأة عندما يتعلق الأمر بفنانات يجدن أنفسهن خارج الخشبة؟ ثم أليس من حق هؤلاء الفنانات أن يعرفن أسباب استبعادهن من طرف بعض الروايس ، وأن يمارسن عملهن في إطار من الاحترام وتكافؤ الفرص؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو محاولة إعادة كتابة تاريخ فن الروايس بمنطق معاصر يقوم على الانتقاء والحذف، وكأن بعض مكوناته لم تكن موجودة أصلا. فالرقص الأمازيغي لم يكن يوما عنصرا دخيلا على هذا الفن، بل كان جزءا أصيلا من بنيته الجمالية، وساهمت أجيال من الفنانات في صونه وتطويره والتعريف به داخل المغرب وخارجه. ولذلك، فإن إقصاء المرأة أو التضييق على مشاركتها، إن ثبت وقوعه، لا يمكن اعتباره مجرد اختيار فني، بل يفتح نقاشا أوسع حول حرية الإبداع، ومكانة المرأة داخل الحقل الثقافي والفني.
كما أن تحويل المنصة الفنية إلى فضاء لفرض الوصاية الفكرية أو لتصفية الحساب مع حضور المرأة لا يخدم الفن في شيء، بل يهدد أحد أهم مكونات التراث اللامادي المغربي. فالفن الذي يخاف من المرأة، أو يعاملها باعتبارها عبئا، أو يقصيها من المشهد، يفقد جزءا من روحه، ويبتعد عن رسالته القائمة على الإبداع والانفتاح والتعدد.
لقد كان الفن الأمازيغي، وفي مقدمته فن الروايس، مدرسة للتسامح والتعايش والجمال، ولم يعرف في تاريخه ثقافة الإقصاء أو التمييز بين الرجل والمرأة. ولذلك فإن أي محاولة لإعادة إنتاج منطق الوصاية على الفنانات، أو فرض تصورات فكرية ضيقة على فضاء الإبداع، تمثل تراجعا عن المكتسبات الثقافية والفنية التي تحققت عبر عقود طويلة.
واليوم، تبدو الحاجة ملحة إلى خروج الفنانين الروايس المعنيين لتوضيح مواقفهم للرأي العام، وإلى فتح نقاش مسؤول داخل المؤسسات الثقافية والنقابات الفنية حول هذه الظاهرة، بعيدا عن المزايدات والأحكام المسبقة. فالصمت لم يعد موقفا محايدا، بل قد يُفهم على أنه قبول بالأمر الواقع.
إن الدفاع عن حضور المرأة في فن الروايس ليس دفاعا عن الرقص في حد ذاته، وإنما هو دفاع عن ذاكرة هذا الفن، وعن حريته، وعن هويته الأصيلة التي تشكلت عبر التاريخ بمساهمة الرجال والنساء معا. فصون التراث لا يكون بإقصاء أحد مكوناته، وإنما بالحفاظ على أصالته وتنوعه واحترام مساره التاريخي، بعيداً عن كل أشكال الوصاية أو محاولات اختطاف الفن تحت أي مبرر.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



