الرأيالعالم اليوم

أوهام في فنجان مونديال 2030..

لا شك أن السؤال الذي يشغل بال الكثيرين هذه الأيام حول مدى قدرة الجارين اللدودين إسبانيا والبرتغال على طرد الجار الإفريقي المشاكس المغرب من جنة تنظيم مونديال 2030
هو سؤال ينتمي إلى عالم الأوهام لأن قواعد اللعبة تقول باختصار وبساطة:
لا أحد يملك حق الطرد هنا لأن صك الاستضافة مكتوب بمداد دولي لا تمحوه رغبات الأحزاب اليمينية في مدريد. فالاتحاد الدولي لكرة القدم قد قال كلمته بالإجماع وعمّد الملف الثلاثي كحقيقة واقعة لا تقبل القسمة على اثنين.
وهنا بالذات تكمن إحدى أجمل مفاجآت هذه اللعبة حيث جاءت البشرى من الرباط لا من سويسرا في بلاغ ملكي سيادي زفّ فيه جلالته الخبر لشعبه.
هذا الاستثناء البروتوكولي البديع لم يكن مجرد سبق إخباري بل كان امتيازاً معنوياً جعل من مونديال 2030 حدثاً يبدأ بـ الهيبة والسيادة ليتحول الطموح الرياضي من مجرد رغبة في استضافة بطولة إلى وثيقة كبرياء وطني مكتوبة بمداد الثقة والندية وكرسالة واضحة بأن المغرب لم يأتِ بـ “منحة” أو كملحق في ملف أحد بل بقرار دولة تعرف كيف تفرض حضورها في صالونات الكبار.
وهذا الأمر على أية حال هو ما انتبه إليه بشكل واضح مسؤولون حكوميون كبار في إسبانيا والبرتغال
فقد أدرك هؤلاء سريعاً أن اللعب مع الكبار له أصول وأن التراجع الآن انتحار سياسي واقتصادي ولذلك سارعوا بإطلاق تصريحات قطعت الشك باليقين مؤكدين مضيهم قدماً في إنجاح التظاهرة العالمية الكبرى باسم قارتين يجمعهما المضيق وتفرقهما أحياناً التفاصيل الصغيرة.
لقد كان كلامهم بمثابة صفعة هادئة على وجوه المزايدين في وسائل الإعلام ورسالة واضحة بأن المونديال ليس لعبة أطفال يمكن الانسحاب منها لمجرد أن الطقس لم يعجب أحداً.
والحقيقة التي يتناساها البعض في الضفة الأخرى من المتوسط هي أن المغرب لم يدخل هذا الترشيح متسولاً أو عابر سبيل بل دخل قادماً من مربع الذهب المونديالي ومن منصة البناء التي لا تهدأ. إنه يدخل المعركة بندية كاملة ويبني في بنسليمان ملعباً يحمل اسم الحسن الثاني ليكون الأكبر في العالم كأنه يقول لجيرانه:
إذا كانت لديكم الملاعب التاريخية فلدينا نحن المستقبل..
وحتّى هذا الصراع الخفي على من يحتضن المباراة النهائية هو دليل عافية وقوة وليس دليل ضعف يتيح لأحد أن يفكر في الإقصاء.
لذلك نعتبر أنّ كل هذه الزوابع التي تثار بين الحين والآخر حول قضايا الهجرة والحدود ومحاولة حشرها في ثنايا المونديال ليست أكثر من زوابع في فنجان إنها أوراق ضغط يلوح بها الساسة الأوروبيون لكسب بضعة أصوات في انتخابات محلية أو لتحسين شروط التفاوض على عدد المباريات وتوزيع المداخيل.
لكن وراء الستار هناك الحقيقة التي لا يريد أحد في أوروبا أن يعترف بها جهاراً؛ هي أن الخوف الحقيقي ليس من تنظيم المونديال في حد ذاته بل مما بعد مونديال 2030. إنهم يدركون جيداً أن هذه البطولة ليست مجرد عشب أخضر وتسعين دقيقة من اللعب، بل هي “عصا السحر” التي تقود المغرب نحو قفزة نوعية شاملة تخترق البنيات التحتية والاقتصاد والسياحة والنفوذ الجيوسياسي.
الخوف الكامن في صدور الجيران هو أن يستيقظوا غداً ليروا المغرب وقد تحول إلى قطب إقليمي لا يُستهان به، ينزع عنهم عباءة الوصاية التاريخية ويفرض معادلة الند للند على ضفتي المتوسط. إنها الفوبيا الجديدة من بلد لا يكتفي بالمنافسة على استضافة مباراة نهائية بل ينشئ أكبر ملعب في العالم ويغير وجه جغرافيته الاقتصادية ويؤكد للجميع أن زمن التبعية قد انتهى وأن القارة السمراء قادمة بقوة لا يمكن كبحها..وهذا بالضبط ما يجعلهم يصرخون..
ليست على كرة القدم بل على مستقبل بدأ يفلت من أيديهم

بقلم: يوسف غريب (كاتب صحفي)

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
situs toto dentoto dentoto